x قد يعجبك أيضا

شح الموارد المضاعف

الإثنين 12 يناير 2026 - 6:45 م

لا يزال الناس فى مصر مختلفين حول طبيعة أزمتنا الاقتصادية، وهل هى أزمة نمو أم توزيع أم مزيج بينهما، وبأى ميزان يختلط هذا المزيج فتغلب أزمة على أخرى؟! وهل نحن بلد ينعم بفوائض فى الموارد الأساسية، لكنّ سوء التوزيع والإدارة يلتهمان ما يمكن إنتاجه؟! أم أننا نبدأ اشتباكنا مع المشكلة الاقتصادية من مستوى شديد الشح فى الموارد الأساسية، بما يضاعف من تركيب وصعوبة تلك المشكلة؟! على أن وصف الشح (النسبى بطبيعته) بالشديد يجب أن يستند إلى مقياس ومرجع، وهنا يمكن أن نلوذ بالمتوسط العالمى لنصيب الفرد من الموارد. وإذا أردنا لمصر أن تكون من مجموعة الدول الناشئة وذات الدخل المتوسط الأعلى، فليس أقل من أن نقارن نصيب الفرد فيها من الموارد بنظيره فى تلك المجموعات.


فى جوهرها الأول، لم تكن المشكلة الاقتصادية سوى تعبير مباشر عن حقيقة بسيطة وملازمة للوجود الإنسانى: ندرة الموارد فى مقابل تعدد الحاجات. غير أن هذه الصياغة الكلاسيكية، على ما فيها من دقة نظرية، باتت قاصرة عن توصيف الواقع المعاصر، الذى لم يعد يواجه فقط تعدد الحاجات (needs)، بل تضخم المطلوبات (wants)، وتداخلها، وارتفاع تكلفتها المادية والبيئية، وتزايد حساسيتها للزمن والجودة والاستدامة فى آن واحد. فالحاجة اليوم لم تعد مجرد طعام أو مسكن أو طاقة، بل أصبحت حزمة مركبة من الأمن الغذائى، والاستقرار السعرى، والمرونة البيئية، والقدرة التكنولوجية، والعدالة الاجتماعية، والرفاهية المعلوماتية، وهو ما يجعل الندرة أكثر تعقيدًا، وأشد وطأة، وأصعب إدارة.


وإذا كانت الندرة هى محور المشكلة الاقتصادية، فإن هذه الندرة لا تُفهم بوصفها حالة مطلقة أو متجانسة، بل باعتبارها ظاهرة نسبية مركبة، تتحدد شدتها وطبيعتها وآثارها من خلال أكثر من زاوية فى آنٍ واحد. فهى تُقاس، من جهة، بحجم الطلبات القائمة والمتوقعة، لا بمجرد وجود المورد فى ذاته، وتُقاس، من جهة أخرى، بنصيب الفرد من المورد فى صورته الأصلية الخام، قبل أى تدخل بشرى بالإدارة أو التنظيم أو المعالجة أو إعادة التدوير، بما يعكس الضغط الحقيقى عليه. وتزداد نسبية الندرة تعقيدًا حين تُقارن عبر الأزمنة والأقاليم، إذ إن ما يبدو وفيرًا فى سياق تاريخى أو جغرافى معين قد يتحول إلى مورد نادر فى سياق آخر بفعل تغير أنماط الاستهلاك، والتقدم التكنولوجى، والتحولات البيئية والمؤسسية.


وعلى هذا الأساس، تختلف الندرة اختلافًا جوهريًا من دولة إلى أخرى، بل ومن إقليم إلى آخر داخل الدولة الواحدة؛ فثمة دول تعانى شحًا محدودًا فى بعض الموارد، لكنها تعوّضه بوفرة نسبية فى موارد أخرى، أو بقدرات مؤسسية وتكنولوجية تمكّنها من تعظيم الكفاءة، وضبط الاستخدام، وإعادة التدوير، وإدارة المخلفات بكلفة أقل. وفى المقابل، تواجه دول أخرى ندرة مركبة ومضاعفة، تتراكم فيها أوجه الشح، وتتقاطع فيها القيود السكانية والمواردية والمؤسسية، فتغدو المشكلة الاقتصادية فيها أبعد من مجرد معادلة اختيار رشيد، وأقرب إلى معركة بقاء وتنمية فى آن واحد.


• • •
تشتد الندرة على نحو خاص فى الدول التى تعانى فقرًا مدقعًا أو شديدًا، وشحًا واضحًا فى الموارد الأساسية التى تقوم عليها أى عملية إنتاج وتنمية: المياه، والمعادن الأساسية، والطاقة، ورأس المال البشرى المنتج، فضلًا عن قابلية الموارد الأرضية للاستغلال الاقتصادى. هذه الموارد لا تتوزع عالميًا بعدالة أو توازن، بل تخضع لمنطق جغرافى وتاريخى وسياسى معقد، جعل بعض الدول تنطلق من مواقع وفرة نسبية، فيما تبدأ دول أخرى من خطوط حرمان هيكلى يصعب كسره دون أدوات استثنائية.
وليس خافيًا أن تفاوت توزيع هذه الموارد يفرض تفاوتًا مماثلًا فى طبيعة الأدوات الاقتصادية المطلوبة للتعامل مع المشكلة. فما يصلح لدولة وفيرة المياه والطاقة، ذات كثافة سكانية منخفضة وقدرات تكنولوجية عالية، لا يصلح بالضرورة لدولة تعانى شح المياه، وضغطًا سكانيًا متزايدًا، واعتمادًا كبيرًا على الواردات الغذائية والطاقة المستوردة. ومن ثم، فإن التعامل مع المشكلة الاقتصادية فى بعض الدول يتطلب أدوات أكثر حدة، وأكثر تنوعًا، وأكثر حسمًا، ليس فقط على مستوى السياسات، بل على مستوى البنية المؤسسية، ونمط التفكير، وسقف الطموح التنموى ذاته.


• • •
هنا يتبدّى الفارق الجوهرى بين مجموعتى دول الشمال ودول الجنوب فى ضوء أنماط الوفرة الأصلية للمياه والطاقة، وما آلت إليه بفعل التاريخ الاقتصادى والتحركات الاستعمارية المبكرة التى أعادت رسم خرائط الثروات الطبيعية وتقاسمها على نحو غير متكافئ. فدول الشمال، فى معظمها، انطلقت من مواقع وفرة نسبية فى الموارد الحيوية، أو تمكنت مبكرًا من تأمين مصادر مستقرة لها خارج حدودها، ثم راكمت فوق ذلك قدرات تكنولوجية ومالية ومؤسسية جعلت الندرة، متى ظهرت، ندرة "مدارة" أو "مخففة"، تُحتوى آثارها عبر الأسواق العميقة والابتكار وتحسين الكفاءة، بل وتتحول فى كثير من الأحيان إلى فرص ربحية وتنموية.
فى المقابل، تواجه دول الجنوب، ولا سيما الدول متوسطة الدخل أو الساعية للحاق بركب التنمية، ندرة أكثر خشونة وتعقيدًا، نتجت ليس فقط عن محدودية الموارد الأصلية فى المياه والطاقة، بل أيضًا عن إرث التقسيم الاستعمارى المبكر للثروات الطبيعية ومسارات التحكم فيها. وهو ما جعل هوامش الخطأ لديها أضيق، وكلفة الإخفاق أعلى، والزمن المتاح للتصحيح أقصر، بحيث تغدو إدارة الندرة فيها تحديًا بنيويًا دائمًا، لا مجرد مسألة سياسات ظرفية أو اختيارات تقنية قابلة للتأجيل. بل إن البصمة البيئية لتطور الشمال المتقدم تدفع الدول الفقيرة ثمنها مضاعفًا، وتجد من تعلو صيحته بمطالبة تلك الدول بالاقتصاد فى استخدام الطاقة غير النظيفة ولو بتكلفة كبيرة!
• • •
فى هذا السياق، يمكن القول مطمئنين إن مصر، ومعها دول تشبهها فى البنية السكانية والموارد، تعانى ما يمكن وصفه بـ«الندرة المضاعفة». فهى ليست فقط ندرة فى مورد بعينه، بل ندرة متزامنة فى عدة موارد استراتيجية. فالمياه، على سبيل المثال، تقع عند حدود الندرة القصوى بمقاييس المتوسط العالمى، والطاقة، رغم التحسن النسبى فى بعض المراحل، تظل عرضة لتقلبات خارجية حادة، وهى بعد أقل مما يمكن وصفه بالوفير القابل لدفع عجلة التنمية والتصدير. والمعادن الأساسية محدودة، والأراضى القابلة للتوسع الزراعى محكومة بقيود مائية وطبيعية صارمة، فى حين يشكل الضغط السكانى تحديًا مستمرًا لعملية تراكم رأس المال البشرى المنتج.


ولا تكتمل صورة الندرة المضاعفة دون الإشارة إلى أن هذه الموارد، حتى حين تتوافر جزئيًا، فإن كلفة تعبئتها أو استدامتها تكون أعلى من المتوسط العالمى، سواء بسبب التكنولوجيا، أو التمويل وارتفاع تكلفته مع ارتفاع مخاطره فى الدول الأفقر، أو المخاطر الجيوسياسية، أو التغيرات المناخية. ومن ثم، فإن مقارنة وضع مصر بالمتوسط العالمى، أو بمتوسط الدول متوسطة الدخل، تكشف عن فجوة حقيقية فى شروط الانطلاق، لا يجوز تجاهلها عند تقييم الأداء أو صياغة السياسات.


إن إدراك هذا التفاوت فى طبيعة الندرة لا ينبغى أن يكون مدخلًا للتبرير أو الاستسلام، بل شرطًا أساسيًا للتصميم الواقعى للسياسات الاقتصادية. فالدول التى تعانى ندرة مضاعفة لا تملك ترف السياسات العامة المائعة، ولا رفاهية التجريب طويل الأمد، ولا الدخول فى حوارات اقتصادية عبثية تتجاهل الاقتصاد الحقيقى، بل تحتاج إلى أولويات صارمة، ومفاضلات واضحة، واستثمار مكثف فى تعظيم كفاءة الاستخدام، وفى بناء قدرات بشرية قادرة على تعويض شح الموارد الطبيعية بالمعرفة والتنظيم والتكنولوجيا.


وبهذا المعنى، فإن المشكلة الاقتصادية فى مصر ليست مجرد نسخة أكثر صعوبة من المشكلة الاقتصادية الكلاسيكية، بل هى حالة خاصة تتطلب مقاربة مختلفة، تعترف بحدة الندرة، وتنوعها، وتشابكها، وتسعى إلى تحويل هذا الاعتراف من عبء ذهنى إلى دافع لإعادة ترتيب النموذج التنموى برمته، على أسس أكثر واقعية، وأكثر عدالة، وأكثر قدرة على الصمود فى عالم لا يزداد إلا شحًا واضطرابًا.


كاتب ومحلل اقتصادى

مقالات اليوم

قد يعجبك أيضا

شارك بتعليقك

بوابة الشروق 2026 - جميع الحقوق محفوظة