x قد يعجبك أيضا

فى معنى أن نحرس ما تبقى من الكرامة

الأحد 18 يناير 2026 - 7:05 م

كم هى موسمية أفراحنا.

موسم هنا، ومهرجان هناك، ووسائل إعلام تكرّس المشهد، فيكون هو ملك اللحظة، أو المتصدّر لكلّ المشاهد الأخرى، فوق كلّ الأرض المتصحّرة، والأوجاع المكتومة، والناس تنبش بين التراب والحجر بحثًا عن ضوءٍ أكثر قربًا لها من النيون الموسمى!

• • •

هنا مهرجان للشتاء، وذاك للصيف على أمواج البحر، وهناك فى البعيد يخترع أحدهم أى حُجّة ليقلّد آخر، فيما كثير من المهرجانات فى مدنٍ وعواصم تاريخية، مرتبطة بحدثٍ ما، أو موسم حصاد، أو قطف، أو نثرٍ للبذور، فيزرع بعضنا - كما يُقال - ليقطف الآخرون.

• • •

تُضاء الأزقّة القديمة، تُعلَّق اللافتات، تُفرش الساحات، وتُلتقط الصور. لحظة بهجة مُصنَّعة، سرعان ما تنتهي؛ ففى اليوم التالى تُطفأ الأضواء، وتُنزَع الزينة، وتبقى الأزقّة كما كانت، إن لم تكن أكثر تعبًا. يظلّ الإهمال فى مكانه، ويظلّ أهل المدينة خارج المشهد، كأنهم لم يكونوا جزءًا من الحكاية أصلًا. يعود كلّ شىء إلى ما كان عليه، بل إلى ما هو أثقل، فلا يأتى صباح اليوم التالى إلا ويجرى المواطن خلف رزقه، والبرد قادم؛ يفكّر فى المدفأة التى قد لا يستطيع إشعالها هذا الشتاء، فالكهرباء صارت «نارًا»، وراتبه لا يكفى له ولا لأبنائه. أبناء متعلّمون، يحملون شهاداتهم منذ سنوات، بلا عمل وبلا أفق. يفكّر فى الشارع أمام بيته، ذاك الذى لا يحتاج إلى عاصفة كى يغرق، فـ«شبر ميّة» يكفى ليحوّل الحياة إلى معاناة يومية. وحين تتسلّل المياه إلى البيت، لا يفكّر فى الشعارات، بل فى البطّانية التى كانت تحميه من البرد.

• • •

ثم، بعد أسابيع أو أشهر، يأتى مهرجان آخر. أسماء جديدة، موسيقى أعلى، ووعود قديمة. ويُطلب منّا مرة أخرى أن ننسى، وأن نبتسم للكاميرات العابرة، وننتشى باحتفالية جديدة. هو التعود، وهو أكثر ما يُخيف المراقبين لتطوّر المجتمعات؛ فعندما تعتاد المشهد، تبقى تردّد ما يقولونه لك فى كلّ صباحٍ ومساء، حتى تصدّقه. هى اللحظة التى تغطّى فيها الأضواء تعب الناس وقلقهم وخوفهم. هى اللحظة التى تزول سريعًا، وهى ما حذّر منه كثير من أساتذتنا الحالمين السابقين. ألم يقل المهدى المنجرة، وينبّه- حتى وصفه بعضهم، كما غيره، بأنه «مدمن نكد» - إن أكثر أنواع الذل هو تهجين المجتمعات، فتفقد إحساسها تجاه أى شىء وكل شىء، وتستبدل السؤال بالتصفيق، والمحاسبة بالفرجة، والكرامة بلحظة من الأضواء الفاقعة، أو مهرجان، أو حفلة، أو سباق للخيول والجِمال والسيارات!

• • •

لسنا هنا لندين المهرجانات والاحتفاليات، ولسنا ضدّ الفرح القادم من قاع القلب أو قاع المدينة، لكنّها - أو كثرتها - تُجبر أى شخص برىء على الوقوف عند السؤال رغمًا عنه: كيف تكثر كلّها مع ارتفاعٍ فى منسوب الشكوى من الأوضاع المعيشية، وفقدان المجتمعات والشعوب الإحساس بالفرح الحقيقى، والسكينة النادرة، والأمان؟ عندما يعيش المواطن قلّة الفرص وصعوبة الحياة اليومية، تأتى كلّ تلك الاحتفاليات لتغطى الفشل فى السياسات، أو تكون بديلًا عن لقمة العيش الكريمة، ربما! فلم يعرف التاريخ مجتمعاتٍ ودولًا بُنيت بالمهرجانات والأضواء، التى ما إن تنطفئ حتى يعود لحياتنا وقعها الحقيقي. تنكشف هشاشة كلّ القائم، والذى تُجمّله أقلام هنا، وفيديوهات هناك، ومحطّات تلفزة. تسقط الصور لتصبح أكثر واقعية وقربًا من الناس من تلك الأضواء التى تعمى العيون أحيانًا. عندما يُطفأ آخر ضوء، وتعود إلى تلك المدينة العتيقة عتمتها.

• • •

يُلخّص أحد المراقبين كلّ ذلك فى كلمة واحدة: الكرامة. تلك الكلمة المثيرة لسخرية بعضهم، وكأنّها ترف، فيما هى كلّ الاستقرار، وهى قاعدة لبناء أى مجتمع صغير أو كبير، وهى الجدار الذى يحمى من انهيار الدولة، وقبلها المجتمعات. ليتهم يطفئون الأضواء العابرة، ويُكثرون من البناء بصمت.

كاتبة بحرينية

مقالات اليوم

قد يعجبك أيضا

شارك بتعليقك

بوابة الشروق 2026 - جميع الحقوق محفوظة