وأخيرا انتهت أطول انتخابات نيابية ربما فى تاريخ مصر البرلمانى، وسط جدل كبير بشأنها.
هذا الجدل سوف يستمر، والذى سيحسمه حسما أساسيا هو مستوى أداء مجلس النواب المقبل، بمعنى هل يؤدى دوره التشريعى والرقابى والمحاسبى على سياسات الحكومة، ويستعيد ثقة غالبية المواطنين، أم يثبت السمعة التى يحاول المعارضون تكريسها؟.
وبعد أن تم الإعلان الرسمى عن النتائج النهائية للانتخابات من قبل الهيئة الوطنية للانتخابات، أمس الأول السبت، فهناك بعض الملاحظات الأساسية التى ينبغى التوقف عندها ومحاولة فهمها وتفسيرها.
الملاحظة الأولى: هى ارتفاع نسبة المشاركة إلى ٣٢٫٤١٪ وقد يتعجب البعض من استخدام كلمة «ارتفاع» لأن نسب المشاركة فى الانتخابات السابقة كانت أعلى بكثير، ولكن ما أقصده أن الارتفاع مقارنة بالتوقعات التى كانت لا تتجاوز ٢٠ ــ ١٥٪.
- الملاحظة الثانية: أن هذه الانتخابات شهدت تجاوزات شديدة الفجاجة وسوء إدارة منقطع النظير فى مرحلة انطلاقها الأولى خصوصا الأجواء التى سادت قبل انطلاقها، ولولا استخدام الرئيس عبد الفتاح السيسى للفيتو ومطالبته للهيئة الوطنية للانتخابات بتطبيق المعايير الصحيحة حتى لو أدى الأمر إلى إلغاء الانتخابات الفردية جزئيا أو كليا، فربما كنا قد وصلنا إلى حالة شديدة الصعوبة تذكرنا ببرلمان ٢٠١٠ الذى سبق ثورة ٢٥ يناير ٢٠١١ بأيام.
الملاحظة الثالثة: فيتو الرئيس وتطبيق الهيئة الوطنية للمعايير والإجراءات الصحيحة قلب العديد من الموازين والتوقعات وأعطى المرشحين من غير الأحزاب الكبرى فرصا عادلة وحقيقية للمنافسة.
الملاحظة الرابعة: هذه المنافسة شبه العادلة قادت إلى أكبر صعود للمرشحين المستقلين فى كل المجالس التى أعقبت ثورة ٣٠ يونيو ٢٠١٣، حيث صاروا يشكلون ١٨٪ من إجمالى المجلس. علما بأن هذه النسبة يمكن أن ترتفع وتصل إلى ٣٦٫٦٪ إذا قورنت بنصف عدد المقاعد وليس كلها، فالمستقلون لم ينافسوا إلا فى انتخابات المقاعد الفردية.
الملاحظة الخامسة: صحيح أن الأحزاب الثلاثة الكبرى وهى «مستقبل وطن» ٤٠٪ و«حماة وطن» ١٥٪ و«الجبهة الوطنية» 11% قد حصدوا ٦٦٪ من مقاعد البرلمان لكن توقعات ما قبل بدء الانتخابات كانت تعطيهم نسبة أكبر من ذلك، قد تصل إلى ٨٠٪ تقريبا، وهذا التراجع صب فى مصلحة المستقلين بعد تدخل الرئيس.
الملاحظة السادسة: ينبغى على الأحزاب الكبرى أن تقرأ نتائج هذه الانتخابات بهدوء وتروًّ وتعقل وتسأل: هل حققوا ما كانوا يطمحون إليه، وإذا كانوا قد تراجعوا فما هى الأسباب، وكيف يكون العلاج؟.
الملاحظة السابعة: من المهم على كل الأطراف ذات الصلة بالعملية الانتخابية أن تدرس بهدوء أيضا لماذا تراجعت نسبة المشاركة فى الانتخابات إلى ٣٢٪، ونسبة المشاركة فى انتخابات مجلس الشيوخ فى الصيف الماضى إلى ١٧٫١٪. هذا هو الأمر الأكثر مدعاة للقلق على الإطلاق، حينما يعزف الكثيرون عن المشاركة ولا يدلى بصوته إلا أقارب المرشح ومعارفه من الدرجة الأولى أو الباحثون عن كرتونة طعام أو مبالغ مالية شديدة التواضع فهو أمر شديد الخطورة على الحياة السياسية.
الملاحظة الثامنة: أن نتائج هذه الانتخابات تكرس ما صار مكرسًا، وهو تراجع دور وتأثير الأحزاب المصنفة أنها تاريخية وقديمة فى الانتخابات الفردية، ولا أقول «القائمة» لأن الأخيرة مضمونة تماما.
نظريا هناك ١٥ حزبا دخلوا البرلمان، لكن فى التحليل الفعلى فإن العبرة هى فى انتخابات الفردى، فحزب الوفد التاريخى لم يفز إلا بمقعدين، والتجمع بمقعد واحد، أما المصرى الديمقراطى الاجتماعى فلم يحصد إلا مقعدين فى الفردى وهى نتائج مخيبة جدا بالنظر إلى دور ومكانة هذه الأحزاب وفكرها وكوادرها المتميزة. فى حين نجح حزب النور فى حصد ٦ مقاعد وهى نتيجة تحسب له.
الملاحظة التاسعة: هى أن كل ما سبق هو ملاحظات عامة سريعة، وكل بند فيها يحتاج إلى تحليل شامل ومعمق. وفى كل الأحوال يبقى أداء المجلس المقبل هو الأساس، إما أن يثبت الانطباع السيئ عنه، وإما أن يغير الصورة تماما ويبث الروح فى الحياة السياسية المصرية التى تحتاج إلى ذلك بشدة فى ظل الظروف الاقتصادية الصعبة والتحديات الخارجية الأصعب. وأظن أن إعادة النظر فى قوانين الانتخابات قد تكون قبلة الحياة الفعلية للبرلمان الجديد.