x قد يعجبك أيضا

إمبريالية الكاوبوى والرئيس ترامب

الخميس 8 يناير 2026 - 8:10 م

بسرعة لم يتخيلها أحد، يقوم الرئيس دونالد ترامب، الذى لم تنتهِ بعد سنة حكمه الأولى، إذ يتبقى له ثلاث سنوات كاملة وعدة أيام، بتفكيك قواعد النظام العالمى فى سابقة تاريخية، ويُعاد معها تعريف الدور الأمريكى الجديد على الساحة العالمية.
وبعد ثلاثة أيام من بدء العام الجديد، استيقظ العالم على أنباء إلقاء القوات الخاصة الأمريكية القبض على الزعيم الفنزويلى نيكولاس مادورو فى كاراكاس، ونقله إلى مدينة نيويورك لمواجهة تهم جنائية. وسبقت هذه العملية حملة ضغط بدأت فى سبتمبر الماضى، تضمنت تشديد فرض العقوبات، ونشر قطع بحرية عسكرية قوية قبالة السواحل الفنزويلية، وصولًا إلى فرض حصار نفطى شامل.
وقبل شهر من عملية كاراكاس، نشر ترامب استراتيجيته للأمن القومى، والتى أعادت التأكيد على إحياء «مبدأ مونرو»، الذى أرساه الرئيس جيمس مونرو فى أوائل القرن التاسع عشر لفرض هيمنة أمريكا على الأمريكتين، وإبعاد الأطماع الأوروبية عن نصف الكرة الغربى. إلا أن ترامب طور عقيدة مونرو لتقوم على القوة العسكرية، والإكراه الاقتصادى، والانتقامات الشخصية، لإجبار دول نصف الكرة الغربى على الامتثال للمصالح الأمريكية.
تجذب جرينلاند الانتباه بسبب موقعها المحورى فى القطب الشمالى، وهى منطقة تزداد أهميتها فى ظل المنافسة المستمرة مع روسيا والصين. إذ يفتح ذوبان الجليد طرق شحن جديدة، وقد يكشف عن موارد قيمة، مما يمنح المنطقة أهمية اقتصادية متزايدة. وبينما يصور ترامب اهتمامه علنًا بأنه يهدف إلى حماية الأمن القومى، فإنه يتجاهل بصورة كاملة اعتبارات السيادة، والانتهاك الواضح للمعايير العالمية المتعلقة بوحدة الأراضى.
ولا ينكر ترامب رغبته المستمرة فى أن تصبح كندا «الولاية رقم 51» فى الولايات المتحدة، واصفًا الحدود والوضع الوطنى المنفصل بأنه «خط مرسوم مصطنع» يمكن إلغاؤه.
وربما يكون المثال الأكثر وضوحًا على طموحات ترامب الإمبريالية هو حالة قناة بنما، التى تخلت الولايات المتحدة عن السيطرة عليها لصالح بنما بموجب معاهدات تعكس احترام السيادة الوطنية والاتفاقيات الدولية. وقد رفض ترامب هذا الترتيب مرارًا، مدعيًا أن بنما تدير القناة بشكل خاطئ، وأن النفوذ الصينى يهدد وصول أمريكا إليها.
مع بدء العام الجديد، عاد ترامب مطالبًا بضرورة إنجاز صفقة جرينلاند بأى طريقة ممكنة، بما فى ذلك القوة العسكرية، رغم تفضيله المعلن للخيار الدبلوماسى.
أبرز ترامب التهديد بالعمل العسكرى كوسيلة للحصول على ما يريد، إذ أعلن الرئيس الأمريكى أن القيادة الجديدة فى فنزويلا ستنقل ما بين 30 و50 مليون برميل نفط إلى الولايات المتحدة، وأضاف أن العائدات ستكون «تحت سيطرتى كرئيس».
وإذا نجح ترامب فى حالة فنزويلا، التى لا يزال موقف النظام الحاكم فيها يحيط به الغموض حتى الآن، فمن المرجح أن يتبنى التكتيك نفسه تجاه دول أخرى، من بينها كوبا وكولومبيا ونيكاراجوا والمكسيك، ناهيك عن جزيرة جرينلاند.
ولو نجح ترامب، فسيكون ذلك انتصارًا لنهج «قانون الغابة»، أى اغتنام أى فرصة والقيام بعمل أحادى الجانب دون التقيد بالأعراف والقوانين الدولية، أو الضوابط المؤسسية الداخلية، أو التحالفات، أو المنظمات الدولية التى كانت تكبح القوة الأمريكية فى كثير من الحالات.
مع تصاعد رغبة الرئيس ترامب فى ترسيخ إرثه ليصبح من بين أعظم الرؤساء الأمريكيين، لن يتردد فى المخاطرة بكل السبل الممكنة فى نصف الكرة الغربى القريب من الأراضى الأمريكية، حيث يمكنه الادعاء بتحقيق عدة أهداف فى الوقت نفسه، سواء وقف الهجرة غير الشرعية، أو عرقلة تهريب المخدرات إلى بلاده، أو كبح النفوذ الصينى المتزايد فيما يعتبره «حديقة واشنطن الخلفية».
• • •
فى الوقت ذاته، فإن أكثر ما يثير القلق هو حالة التكيف العالمى، سواء كان طوعًا نتيجة سوء الحسابات وسوء التقدير، أو درءًا لمخاطر متوهمة. فموقف بقية دول العالم، وعلى رأسها الدول العربية، لا يدرك أن هناك حدودًا للقوة العسكرية والاقتصادية الأمريكية. ومع تأثر ترامب برغبة أنصاره الانعزالية المتمثلة فى تيار «أمريكا أولًا».
أعاد سلوك ترامب الحياة إلى نقاش قديم يتعلق بـ «الإمبريالية الأمريكية»، والذى يعكس كيف كسبت واشنطن نفوذها فى أراضى وأصول دول أخرى. وتتمحور هذه المناقشات فى صميم تحركاته المباشرة بشأن جرينلاند وكندا وقناة بنما وموارد النفط فى فنزويلا، وكلها تشير إلى رغبته فى ترك بلاده أكبر وأغنى مما كانت عليه عند وصوله إلى البيت الأبيض.
ومع احتدام الجدل بين الجدية والهزل حول رغبات ترامب، تبقى كلمات الرئيس الأمريكى ذات عواقب جيوسياسية حقيقية، إذ تؤثر فى ثقة الحلفاء، وتشكل مدخلًا لاستعداد الخصوم لمواجهات قد تكون حتمية.
فى النهاية، يعكس ترامب مواقف أمريكية إمبريالية تاريخية، خاصة أن استدعاء الأمن القومى أو الاقتصادى كمبررات لضم مزيد من الأراضى أو لتأكيد السيطرة يتوافق مع تقاليد القرن التاسع عشر، التى انتهت مع التأسيس لنظام دولى وقانونى جديد عقب انتهاء الحرب العالمية الثانية عام 1945.
ورغم وجود بعض العقلاء فى واشنطن ممن يؤكدون للرئيس ترامب أن القانون الدولى والاتفاقيات الدبلوماسية تضع حواجز قوية أمام الضم الأحادى الجانب أو السيطرة على موارد دول خارجية، فإن هؤلاء يعترفون بأن ترامب قد لا يكترث بذلك.

مقالات اليوم

قد يعجبك أيضا

شارك بتعليقك

بوابة الشروق 2026 - جميع الحقوق محفوظة