بل المواطنون المسيحيون

الأحد 4 يناير 2026 - 11:18 ص

أثار القرار الوزارى الذى أصدره وزير العمل، وأذاعت الصحافة نصه يوم الأول من يناير، بشأن تحديد الإجازات الدينية المستحقة «للإخوة المسيحيين» من الخاضعين لأحكام قانون العمل، عاصفةً من التعليقات المستنكرة للغته ومضمونه. لم يُهدِّئ العاصفةَ التراجعُ عن عنوان القرار الأول، وهو كان "... الإجازات الدينية المستحقة لغير المسلمين». أمثلةٌ على العاصفة كانت ثلاث مقالات فى «المصرى اليوم» ومقالًا فى «الشروق» الغرّاءتين نُشرت يوم الثانى من يناير. فى نقدها للقرار، ركزت المقالات القوية الأربعة فى مجملها على أن فى القرار نفيًا لمبدأ عدم التمييز بين المواطنين على أساس الدين، الذى ينص عليه الدستور، وكشفت عن عدم معرفة القرار ببعض المذاهب التى يدين بها المصريون المسيحيون، كما استنكرت مخاطبة كل من طوائفهم المختلفة بشكل منفرد، وهو ما لا تعمل به التشريعات المصرية نفسها، وهى استعرضت تاريخ التداخل بين المصريين المسلمين والمسيحيين منذ أن دخل الإسلام مصر.


التحليل النابه المنشور فى «الشروق» تناول كلمة «الإخوة» الواردة فى عنوان القرار، وهى كلمة تكررت عند مخاطبة «الإخوة الأقباط الأرثوذكس» ثم «الإخوة الأقباط الكاثوليك والبروتستانت». لم يشك كاتب المقال فى أن صائغى القرار كانوا يريدون التودد إلى المخاطَبين به، إلا أنه اعتبر أنه لا يجوز استخدام لفظ «الإخوة» فى التشريعات الرسمية ولا الأحكام القضائية؛ لأن مبدأ المواطنة الدستورى يعنى المساواة الكاملة بين المواطنين أيّا كانت دياناتهم، بحيث لا يمكن «اعتبار المسيحى أخًا للمشرع أو المسئول التنفيذى أو للجهة الإدارية». كاتب المقال محق تمامًا فيما اعتبر. غير أن ما اعتبره يقتصر، كما ورد فى الجملة المقتبسة السابقة، على مجرد موقف المشرع أو المسئول التنفيذى أو الجهة الإدارية من المواطن (ة) المسيحى (ة).


فى رأى هذا المقال، السبيل إلى القضاء على التمييز بين المواطنين لا يقتصر على الامتناع عنه فى القوانين واللوائح والقرارات الإدارية. الامتناع لا بد أن يشمل الحديث الصادر عن الشخصيات السياسية والعامة إجمالًا، والخطاب المستخدم فى وسائط الاتصال المرئية والمسموعة والمكتوبة، وفى المقررات الدراسية لمختلف مستويات التعليم. تفسير ذلك أن أشكال الحديث والخطاب المذكورة تشكِّل البيئة التى يتكوَّن فيها الوعى العام ووعى الأفراد. إذا تركنا مضمون القرار جانبًا واقتصرنا فى تعليقنا على مصطلح «الإخوة المسيحيين»، فقد يكون وزير العمل والعاملون معه معذورين فى استخدامه. الشوارع تعج فى المناسبات بلافتات لأعضاء فى البرلمان، وهم الممثلون لدوائرهم ولسائر الأمة بمسلميها ومسيحييها وغيرهم، يتوجهون بالتهنئة بأعيادهم «للإخوة المسيحيين». والصحافة تمتلئ بإشارات على لسان هذا وذاك إلى «الإخوة المسيحيين»، وبمقالات تستخدم المصطلح نفسه. لم يستنكر أحد يومًا علنًا استخدام المصطلح. اللغة والمصطلحات لا تؤخذ باستخفاف.


• • •
فى نظرية البنائية الاجتماعية، اللغة تبنى، أى تشيِّد الواقع والمعنى والهوية عبر التفاعل الاجتماعى؛ هى تشكِّل فهمنا للعالم ولأنفسنا. اللغة تُنشئ العالم الاجتماعى، وهى تخلق فئات ومعانى تبدو واقعًا، وليس مجرد انعكاس لها. وعبر اللغة يلعب الأفراد أدوارًا ويَبنون هويات ويديرون علاقات اجتماعية، فيبررون أفعالًا مثلًا ويستنكرون أخرى، أو يلقون باللوم عن هذا الحدث أو ذاك على آخرين. ندرك من هذا الفهم لوظيفة اللغة أن الهويات تُبنى وتُعدَّل، ويمكن أن تُشوَّه. هويات الأفراد لا تعنينا هنا. هوية الفرد يحددها ما يطبعه ويميزه عن الآخرين. أما الجماعات فإن هوياتها تحددها عوامل التشابه بين أعضائها. وبنشأة الدولة الوطنية، نشأت أيضًا أطروحة هى أن البشر المولودين فى دولة ذات سيادة ما ويعيشون فيها يشتركون فى الهوية، وأن هذه الهوية هى أساس مصلحتهم المشتركة المتجاوزة للتباينات التى قد تكون موجودة بينهم، أكانت دينية، أو عرقية، أو إقليمية، أو غيرها. بهذا المعنى، الهوية المشتركة هى أساس الهوية الوطنية. والهوية الوطنية هى التى تُجمِّع أوصال الدولة الوطنية وتكفل تماسكها.


رئيس الجمهورية يكرر باستمرار التشديد على الدولة الوطنية كمفهوم، وليس فقط على الدولة فى مصر، باعتبارها الوحدة التأسيسية فى النظام الدولى. وثيقة الاتزان الاستراتيجى المفترض فيها توجيه السياسة الخارجية المصرية، الصادرة فى شهر نوفمبر الماضى، تشدد بدورها فى الفقرة الرابعة من مقدمتها على مبدأ «احترام الدولة الوطنية، باعتبارها الوحدة الأساسية وحجر الزاوية فى النظام الإقليمى والدولى»، وتضيف «أن إضعاف مؤسسات الدولة أو تهديدها يؤدى إلى عدم استقرار العلاقات بين الدول، ويزيد من فرص الاضطراب والفوضى». كل ما من شأنه إبراز الفوارق بين أعضاء الجماعة الوطنية فى الفضاء العام هو خصم من تماسكها، يفت فى عضد الدولة الوطنية. أعضاء الجماعة الوطنية مواطنون فى الدولة الوطنية، لا تُنسب إليهم غير صفة المواطنة فى أحاديث الدولة والشخصيات السياسية، وفى خطابات المؤسسات المشكلة للوعى فيها. لكل من الحوادث الطائفية المؤسفة التى تقع فى ربوع مصر أسبابها الخاصة بها. غير أنه ليس من سبيل المبالغة اعتبار أن البيئة العامة، بخطابات تمييزية موجودة فيها، على الرغم من نصوص الدستور، مسئولة أيضًا عن هذه الحوادث.


• • •
لذلك فعلى الشخصيات العامة، والتجمعات السياسية والنقابية والاجتماعية، ووسائط الاتصال، والكتب المدرسية، وكل الناشطين فى الفضاء العام أن يمتنعوا أولًا عن تقديم ما يميز بين المواطنين على ما يجمع بينهم. وعليهم بعد ذلك أن يستخدموا إمكانيات اللغة فى إبراز المشترك بين أعضاء الجماعة الوطنية. ولكن الفعل الإيجابى لا يتوقف عند ذلك. الدستور ينص على إنشاء مفوضية لمكافحة التمييز، وهى لم تُنشأ بعد. على الدولة، ممثلةً فى السلطتين التشريعية والتنفيذية، أن تُنشئ هذه المفوضية. وعلى الدولة من قبل ذلك أن تصوغ وأن تطبق سياسة لمكافحة التمييز ولتعزيز المساواة بين المواطنين، تفسح فيها المجال للغة لتلعب الدور المهم المنوط بها. مجال اللغة هو أحاديث السياسيين والشخصيات العامة، وخطابات وسائط الاتصال، ورسائل المسرح والسينما، والكتب المدرسية، فضلًا عن صياغات القوانين واللوائح والقرارات.


ليس معنى ذلك كبت التمايزات بين المجموعات دون الوطنية الدينية والعرقية والإقليمية. المجموعات المتميزة تسهم بما يميِّز كلا منها فى إثراء بعضها بعضًا، وفى بناء مجتمع متنوع، ثرى، ومرن، قادر على مقاومة التهديدات التى قد تلم به. التعبير عن التمايزات والتنوع يبقى على مستوى المجتمع. الدولة الوطنية القوية توفق بين المساواة بين المواطنين وتمكينهم من التعبير عن تفردهم وتنوعهم.
فى مصر، المسلمون والمسيحيون يمارس كل منهم شعائره بحرية، وتعينهم الدولة عليها. وإن اختار بعضهم ذلك، فهم إخوة فى علاقاتهم الخاصة. أما فى الفضاء العام فكلهم مواطنون متساوون. فى القوانين واللوائح والقرارات، وفى الخطابات العامة وأحاديث السياسيين، المسيحيون ليسوا إخوة بل مواطنون، مثلهم مثل أقرانهم من المصريين المسلمين.

 

أستاذ الأبحاث بالجامعة الأمريكية بالقاهرة

مقالات اليوم

قد يعجبك أيضا

شارك بتعليقك

بوابة الشروق 2026 - جميع الحقوق محفوظة