x قد يعجبك أيضا

مستشفى ابنة محمد على الخيرى فى إسطنبول

السبت 28 فبراير 2026 - 5:25 م

ثمة الكثير مما يجمع بين مدينتى القاهرة وإسطنبول، ربما أكثر مما يتوقعه المرء فى الوهلة الأولى. خلال إقامتى الأولى فى مدينة إسطنبول، استضافنى صديق تركى فى منزله فى حى أوسكودار، الواقع فى الجانب الآسيوى من المدينة، التى تتوزع أحياؤها بين آسيا وأوروبا، ويفصل بينهما مضيق البوسفور الشهير، الذى كان سببًا فى العديد من الحروب والنزاعات، نظرًا لموقعه الاستراتيجى الذى يصل بحر مرمرة بالبحر الأسود. بعد كلمات الترحيب وجولة فى أرجاء المنزل، أشار صديقى نحو النافذة إلى مبنى قديم فى مواجهة منزله، وقال مازحًا: «وهذا المبنى يمكن له أن يواسيك إذا افتقدت القاهرة»، ثم أضاف أنها مستشفى زينب كامل للولادة، التى أسستها ابنة محمد على. فبحثت عن قصة زينب كامل ولماذا يحمل أحد مستشفيات إسطنبول الشهيرة اسمها.


زينب كامل هى أصغر بنات محمد على باشا، ووالدتها شمع نور قادين. وُلدت زينب عام 1828 فى القاهرة، وتزوجت عام 1845 من يوسف كامل باشا. هاجرت زينب كامل إلى إسطنبول لتلحق بزوجها بعد خلافات ذات جذور عميقة مع عباس حلمى الأول فى بداية الخمسينيات من القرن التاسع عشر، وهناك ترقى زوجها فى المناصب، فشغل منصب وزير التجارة ووزير المالية، حتى صار الصدر الأعظم، أو رئيس وزراء الدولة العثمانية. اشتهرت زينب كامل وسط سكان إسطنبول بأعمالها الخيرية، ومن أهمها المستشفى التى تحمل اسمها إلى اليوم. تأسست مستشفى زينب كامل للولادة والطفولة والتدريب والبحوث عام 1862، وهى لا تزال تقدم خدماتها الطبية إلى يومنا هذا. تُعد المستشفى أول مؤسسة صحية خيرية خاصة فى إسطنبول، وتقدم خدماتها الطبية لغير القادرات ماديًا، حتى عُرفت باسم «مستشفى النساء الفقيرات». تعمل المستشفى فى الأساس كمستشفى متخصص للولادة، تعويضًا للزوجين اللذين لم يُرزقا بأطفال. توفيت زينب كامل عام 1884، ودُفنت فى حديقة المستشفى نفسها، بجانب زوجها يوسف كامل باشا الذى رحل قبلها بسنوات. ولضمان استمرار المستشفى فى خدمة المرضى الفقراء حتى بعد وفاتها، أوقفت زينب جزءًا من ثروتها لهذا الغرض. لا تزال ذكرى زينب كامل حاضرة إلى يومنا هذا فى حى أوسكودار، وتختار بعض السيدات أن يُسمين بناتهن المولودات فى المستشفى باسم زينب، وذلك تقديرًا لدور الابنة الصغرى لمحمد على.


• • •
كما استضافت إسطنبول ابنة محمد على الفارة من حكم عباس حلمى، وبقيت فيها حتى نهاية أيامها، فقد استضافت القاهرة، هى الأخرى، مصطفى صبرى شيخ الإسلام للدولة العثمانية، الذى مات ودُفن فى العاصمة المصرية. وشيخ الإسلام هو المنصب الدينى الأرفع فى الدولة العثمانية. تولى مصطفى صبرى منصب شيخ الإسلام أربع مرات خلال السنوات الأخيرة للدولة العثمانية. دافع صبرى عن الخلافة الإسلامية، وعارض الحركة القومية التركية التى رأى فيها تهديدًا للدولة والدين. وبعد الانتصارات التى حققتها الحركة القومية التركية بقيادة مصطفى كمال، الذى لُقِّب لاحقًا بأتاتورك، والتى تعنى «أبا الأتراك»، ورحيل آخر سلاطين الدولة العثمانية محمد السادس إلى إيطاليا، فرّ مصطفى صبرى إلى الإسكندرية. لكن شبح أتاتورك ظل يطارد صبرى حتى فى مصر، حيث كتب أمير شعرائها أحمد شوقى قصيدة يمدح فيها مصطفى كمال، مقارنًا بينه وبين خالد بن الوليد، وواصفًا إياه بـ«خالد الترك». ليرد مصطفى صبرى على شوقى فى مقال بصحيفة «المقطم» المصرية بعنوان: «خطاب مفتوح إلى أمير الشعراء»، ينتقد فيه افتتان البعض بأتاتورك. وبينما عفا أتاتورك عن مصطفى صبرى عام 1938، علّق صبرى قائلًا : سامحنى هو، لكن أنا لم أُسامحه. انخرط صبرى فى الحياة الثقافية المصرية خلال إقامته فى القاهرة، وظل فى مصر حتى توفى عام 1954، ودُفن فى قرافة العباسية.


• • •
يتجاوز الأمر الشخصيات السياسية والدينية إلى نجوم السينما. فقد شارك وحش الشاشة المصرية فريد شوقى فى أكثر من 19 فيلمًا عُرضت فى السينما التركية خلال الفترة من نهاية الستينيات وحتى أوائل السبعينيات، منها «جميلة»، و«عثمان الجبار»، و«مغامرات فى إسطنبول»، بالإضافة إلى فيلم «وحش الأناضول» الذى كتبه عبد الحى أديب. وعمل شوقى مع مجموعة من نجوم السينما التركية فى ذلك الوقت مثل مراد سويدان وهوليا كوشيت. ونافس وحش الشاشة المصرية الممثلين الأتراك، وحصل على جائزة مهرجان أنطاليا عام 1969 عن دوره فى فيلم «جميلة»، ليكون أول ممثل غير تركى يحصل على تلك الجائزة. لم يطل عمل فريد شوقى فى السينما التركية، لكنه حقق شعبية كبيرة لدى الجمهور التركى.


لا يقتصر الأمر على الشخصيات السياسية والدينية والفنية التى تنقلت بين البلدين، بل إن تاريخ كل من مصر وتركيا هو الآخر مترابط إلى حد كبير. فقد عرف كل من البلدين عملية تحديث خلال القرن التاسع عشر. قاد التحديث فى مصر محمد على، ومن بعده ذريته. ويجادل بعض الباحثين بأن عملية التحديث التى بدأها محمد على، وخاصة بناء جيش مصرى حديث، أقلقت الدولة العثمانية، وهو ما دفعها إلى البدء هى الأخرى فى عملية التحديث الخاصة بها. فعندما تولى محمد على الحكم عام 1805، بدأ الخطوات الأولى نحو تحديث البلاد بهدف امتلاك جيش حديث يساعده على توسيع رقعة حكمه. وقد ألهم مشروع محمد على النخبة العثمانية، وأشعرها بالتهديد فى الوقت نفسه، لا سيما بعد أن شهدوا أداء الجيش المصرى المبهر بقيادة إبراهيم باشا فى معركة ضد المتمردين اليونانيين عام 1825. فانخرطت الدولة العثمانية فى عملية تحديث مماثلة لإصلاح الإمبراطورية العثمانية، التى كانت فى حالة تدهور منذ نهاية القرن السابع عشر.
ويحلو للبعض أيضًا المقارنة بين تجربتى مصطفى كمال أتاتورك وجمال عبد الناصر فى القضاء على نظم الحكم الوراثية وبناء الجمهوريتين التركية والمصرية. كما شكلت حركة الضباط الأحرار فى مصر أيضًا مصدرًا لإلهام بعض ضباط الجيش التركى الذين سعوا للاستيلاء على السلطة خلال عامى 1962 و1963، إلا أن محاولاتهم باءت بالفشل.


• • •
اليوم فى إسطنبول توجد جالية مصرية كبيرة، حيث سافر العديد من المصريين إلى تركيا خلال السنوات الأخيرة، سواء بغرض العمل أو الدراسة، وقد استقر عدد كبير منهم فى أحد أحياء إسطنبول اسمه شيرين إيفلر، إلا أن المصريين صاروا يطلقون عليه «شبين إيفلر» على ضوء الوجود المصرى الكثيف فيه.


يتشابك تاريخ كل من مصر وتركيا بشكل يدعو للدهشة. وبينما تجمع السياسة بين القاهرة وإسطنبول (واليوم أنقرة) فى بعض الأحيان، وتباعد بينهما فى أحيان أخرى، إلا أن تاريخهما يظل مترابطًا بشكل كبير. أو كما صاغها أحد أساتذة العلوم السياسية: تختلف مصر وتركيا أحيانًا، ويتفقان فى أحيان أخرى، لكنهما دولتان ترى إحداهما الأخرى دائمًا.


مدير بحوث برنامج التحولات السياسية بمنتدى البدائل العربى ببيروت

مقالات اليوم

قد يعجبك أيضا

شارك بتعليقك

بوابة الشروق 2026 - جميع الحقوق محفوظة