الفاتيكان.. ومجلس السلام

السبت 28 فبراير 2026 - 5:35 م

شعر الكثيرون بالارتياح عندما أعلن الفاتيكان عدم مشاركته فى مجلس السلام العالمى الذى أعلنه وأسس له الرئيس الأمريكى دونالد ترامب، رغم أن مصر انضمت لهذا المجلس، حيث إن مصر تساهم فى تدريب الشرطة الفلسطينية وفى إعمار غزة. ولكن رفض الفاتيكان ليس بمستغرب، لأن للفاتيكان بُعدًا معنويًا بعيدًا عن البعد السياسى للدول.


قرار الفاتيكان بعدم الانضمام هو تمسك بالشرعية الدولية ورسالة واضحة ضد إنشاء أطر موازية تقودها دولة واحدة خارج مظلة الأمم المتحدة. إن الموقف الذى أعلنه أمين سر دولة حاضرة الفاتيكان، الكاردينال بيترو بارولين، يعكس توجهًا دبلوماسيًا راسخًا لدى الكرسى الرسولى، ويحمل فى طياته عدة رسائل سياسية تتجاوز الإطار الإجرائى للقرار، إذ إن أحد بواعث القلق على المستوى الدولى ينبغى، قبل أى شىء، أن تكون الأمم المتحدة هى التى تدير هذه الأزمات، وهذه إحدى النقاط التى نُصرّ عليها.


فأولى الرسائل تتمثل فى التمسك بشرعية الأمم المتحدة، إذ ينظر الفاتيكان إلى المنظمة الدولية باعتبارها الإطار الشرعى الوحيد لإدارة الأزمات الدولية، ويرفض إنشاء أطر موازية قد تُضعف النظام متعدد الأطراف، منوهًا بأن الكرسى الرسولى، بصفته مراقبًا دائمًا فى الأمم المتحدة، يحرص على دعم المنظومة الدولية القائمة، ولا يرى فى المجالس المستحدثة ذات الطابع السياسى بديلًا مناسبًا عنها.


أما الرسالة الثانية فتتعلق بالطبيعة الخاصة للفاتيكان، إذ أكد الكاردينال بارولين أن الطبيعة الخاصة للكرسى الرسولى، التى تختلف عن طبيعة الدول القومية، تحول دون مشاركته فى مجلس ذى توجه سياسى صرف، مبينًا أن الفاتيكان كيان دينى ذو سيادة، يفضل العمل عبر القنوات الدبلوماسية التقليدية والوساطات الهادئة بما يعزز صورته كمرجعية أخلاقية محايدة لا تنخرط فى الاستقطابات السياسية.


هناك أيضًا تحفظات غير مباشرة على تشكيلة المجلس، إذ أبدى الفاتيكان «حيرة» إزاء بعض جوانب العضوية، واعتبر أن ثمة نقاطًا حاسمة تحتاج إلى توضيح، مؤكدًا أن المجلس يضم شخصيات مثيرة للجدل، بينها تونى بلير وبنيامين نتنياهو، فى حين يخلو من أى تمثيل فلسطينى، وهو ما قد يُخل - بحسب تقديره - بتوازن المبادرة ويثير تساؤلات حول حيادها.


وهذا القرار يعكس كذلك استقلالية الكرسى الرسولى، حتى فى ظل وجود قداسة البابا لاون الرابع عشر، أول بابا أمريكى، كما أن السياسة العليا للفاتيكان لا تخضع للاعتبارات الوطنية، بل تحكمها رؤية مؤسسية ممتدة، ما يعزز صورة الفاتيكان كفاعل مستقل فى الساحة الدولية.


موقف الفاتيكان ظهر عندما استدرك الرئيس ترامب بعد ذلك فى إعلاناته وخطبه أهمية دور الأمم المتحدة، ووعد بأن الولايات المتحدة ستدعم هذه المؤسسة الدولية ومساهماتها فى أداء دورها فى تحقيق السلام العالمى، بعد أن كان الرئيس قد استخف بدورها لدرجة أن كثيرين ظنوا أن مجلس السلام العالمى هذا بديل عن الأمم المتحدة، وذلك ما ثبت خطؤه.

مقالات اليوم

قد يعجبك أيضا

شارك بتعليقك

بوابة الشروق 2026 - جميع الحقوق محفوظة