ورق العنب وحصار طيبة

السبت 28 فبراير 2026 - 5:40 م

تنضج ذاكرتى على شرفة منزل صار الآن قديمًا وجدرانه كالحة. أتجول ببصرى فى فضاء كان كل شىء فيه أكبر منى وأنا طفلة. اعتدت النظر إلى أسفل، ناحية اليمين، حيث «تكعيبة عنب» حديقة الجارة فى الدور الأرضى، تتشابك أغصانها مع الأخشاب التى تتدلى فوقها فتشكل شبكات معقدة من الضوء والظل على الأرض، ما يفسر تسميتها بالفصحى «دالية العنب». اسمها يشبه اسمى بفارق التاء المربوطة فى نهاية الكلمة، وهى الملاحظة التى ألِفتُ ذكرها فى كل مرة يكتب اسمى أحد أبناء منطقة بلاد الشام، حتى لا يحولنى إلى «كرمة» على الورق. ليس غريبًا إذًا أن تشغلنى هذه الشجرة منذ الصغر، وقد تطور الأمر معى بمرور الوقت حتى صار محشى ورق العنب هو طبقى المفضل.


على الطرف الآخر من الشرفة، كنت أمد رأسى قليلا إلى الأمام لأرى شجرة الياسمين الوارفة التى غطت جدار المبنى بالكامل. ألعب تحتها أحيانًا وأقطف أزهارها البيضاء وبعض أوراقها الكبيرة اللامعة لكى أغسلها لاحقًا وأجرب طعمها خلسةً فاكتشف ما الفارق بينها وبين ورق العنب الذى نلتهم «أصابعه» الملفوفة بشهية وبسرعة لا تتناسب مع الصبر الذى يقتضيه تحضيرها. وظل السؤال يسكننى لسنوات: من أول من فكر فى لف هذه الأوراق وابتكر الخلطة السحرية التى تضيف إليها الشعوب المختلفة مكونات تلائمها؟ بل إن الأسر قد يكون لديها لمساتها الخاصة للحفاظ على سر المذاق المتوارث وعائلتى من بينها.


• • •
ليس من السهل الوقوف على أصل محشى ورق العنب، فكعادة الأطباق المنتشرة فى منطقتنا هو مرتبط بروايات تاريخية وجيوسياسية معقدة ومتشعبة. يصر أبناء اليونان أن الحكاية بدأت مع ديونسيس إله الخمر عند الإغريق القدماء وملهم طقوس الابتهاج والنشوة، الذى يُعرف أيضًا باسم باكوس عند الرومان. وتقول الأسطورة إنه أول من أدخل العنب إلى بلاده وعلم أهله صنع النبيذ وأرشدهم إلى استخدام أوراقه فى الطبخ، وبالتالى استخدمه الناس فى الولائم التى كانت تقام على شرفه لمدة ستة أيام كاملة، يُحضر خلالها الطعام ويُقدم مجانًا بمشاركة الجميع. لكن هناك شخصية تاريخية أخرى ارتبطت بظهور محشى ورق العنب فى حوض البحر الأبيض المتوسط، ألا وهو الإسكندر المقدونى، وهذه الصيغة أقرب إلى المنطق. يرجع تاريخ هذه الرواية إلى العام 335 قبل الميلاد، أثناء حصار مدينة طيبة اليونانية التى كانت تقع على بعد حوالى خمسين كيلومترًا شمال غرب أثينا. طيبة اليونانية سُميت بناءً على رحلات الأمير الفينيقى قدموس، تيمنًا بالعاصمة المصرية القديمة التى توجد أطلالها بالأقصر حاليًا، فقد أراد الأمير أن تكون مدينة «معجزة»، وبالفعل نافست أثينا فى الأساطير والفنون، وهيمنت على المشهد السياسى خلال الفترة البيزنطية وحتى الغزو المقدونى.


صدق سكان طيبة إشاعة مقتل الإسكندر الأكبر خلال إحدى حملاته، وانتهزوا الفرصة فانتفضوا واشتعلت ثورتهم. وحين نمى ذلك إلى علم القائد المقدونى توجه إليهم سريعا وحاصر مدينتهم إلى أن أخضعها ودمرها بالكامل رغم استبسال أهلها الذين رفضوا التفاوض معه والتضحية بزعماء الثورة. بدأت المعارك خارج الأسوار، ثم انتقلت إلى الداخل وتحولت إلى حرب شوارع ضارية لم تحترم المعايير المتعارف عليها وقتها. تعامل معهم بشراسة وقتل جنوده كل من قابلوه فى طريقهم حتى وصل عدد الضحايا إلى ستة آلاف قتيل وثلاثين ألف أسير تم بيعهم فى أسواق العبيد. وقبل أن تسقط المدينة، لم يجد أهلها ما يأكلونه فلجأوا إلى لف أوراق العنب على بقايا ما وجدوه من أرز وقطع صغيرة من اللحم وبعض الأعشاب. بعدها انتشر الطبق الشهير فى مناطق مختلفة مع غزوات وفتوحات الإسكندر، وتحت الحكم العثمانى، الذى تحول إلى امبراطورية شاسعة توسعت فى قارات العالم القديم الثلاث، زاد انتشار الطبق واسمه التركى «دولمة» أو «طولمه» الذى يعنى حرفيًا «محشى». ويتنازع على التسمية الأتراك والأرمن، وبصورة أقل الإيرانيون، إذ يصر أهل أرمينيا أن الكلمة مشتقة من اسم ورق العنب باللغة السائدة فى مملكة أورارتو وأنها تحولت وتبدلت حتى صارت «طولمه»، وحدث ذلك تدريجيًا منذ القرن التاسع قبل الميلاد.


• • •
هذا الطبق الشهى القائم على فكرة بقايا الطعام تحت وطأة الحرب ذاع صيته فى منطقة البحر المتوسط وفى القوقاز وآسيا الوسطى والهند، تعددت أشكاله ونكهاته بتعدد الثقافات ولكن ظل المبدأ واحدًا. وفى العام 2017 نجحت أذربيجان فى إدراجه ضمن قائمة التراث غير المادى لليونسكو، وهى خطوة هامة لتوثيق هذه الأكلة التقليدية التى تشترك فيها مطابخ دول كثيرة وتنتقل عبر الأجيال. وهو بالطبع ليس الطبق الوحيد القائم على فكرة البقايا أو الذى نشأ بسبب شظف العيش وخشونة الحياة، فهناك أيضا البيتزا الإيطالية والباييا الإسبانية أو البايلا كما ينطقها البعض بالعربية، وكلاهما انطلق عالميا منذ سنوات طويلة. يؤكد البعض أن طبق الأرز الإسبانى الشهير له أصول أندلسية واسمه مشتق من كلمة «بقايا»، فهو يحتوى على خليط من فضلات المطبخ سواء خضراوات أو لحوم أو أسماك، فى حين يظن آخرون أنه سبق قدوم العرب إلى الأندلس، وظهر أولاً فى مدينة بلنسية أو فالنسيا. أما البيتزا فهى تعتمد كذلك على فكرة المكونات المتنوعة التى كانت توضع على سطح رغيف خبز ساخن لتسد جوع البسطاء من أبناء الطبقات الفقيرة فى نابولى خلال القرن السادس عشر، ثم أضيفت إليها الطماطم بعد قرنين من الزمان فكانت «بيتزا مارجريتا» الشهيرة التى أطلِق عليها اسم ملكة سافوى اعترافا بدورها الثقافى والاجتماعى، وذلك قبل أن تصل إلى الولايات المتحدة الأمريكية مع المهاجرين الإيطاليين عند افتتاح أول مطعم للبيتزا فى نيويورك سنة 1905، وبعد الحرب العالمية الثانية تحولت إلى وجبة عابرة للحدود والقارات.


صار هناك ما يعرف بنظرية «بيتزا البنتاجون»، فى إشارة إلى ملاحظة غير رسمية تربط بين ارتفاع توصيل طلبات البيتزا إلى مبانى الحكومة الأمريكية حتى وقت متأخر من الليل وقرب عمليات عسكرية، خاصة إذا كانت الوجبات متجهة إلى البيت الأبيض أو مبنى وزارة الدفاع (البنتاجون)، لأن الموظفون فى حالة تأهب ولا يستطيعون الخروج لتناول الطعام، فمؤشر البيتزا يدل على قرب وقوع أزمة أو هجمة جديدة كتلك التى ضربت إيران ومنطقة الشرق الأوسط بأسرها، ونحن منهمكون فى أكل محشى ورق العنب، أحد أهم مكونات المآدب الرمضانية.

مقالات اليوم

قد يعجبك أيضا

شارك بتعليقك

بوابة الشروق 2026 - جميع الحقوق محفوظة