تتعدد فى الوقت الراهن التحليلات الصحفية والأكاديمية للنظام الدولى، وهى اجتهادات لتشخيص حالته وتبيُّن مآله. هذا المقال يندرج فى إطار هذه الاجتهادات، محاولًا الإجابة عن سؤال ما إذا كانت حوكمة النظام التى نشأت فيما بعد الحرب العالمية الثانية، وتطورت فى العقود الثمانية التالية، قد انهارت انهيارًا مبينًا لن يُبقى منها أثرًا فى المستقبل، كما يقول بعض المحللين، أم أن حوكمة النظام قد تصدعت تصدعًا شديدًا يتطلب إعادة بنائها من نفس أحجارها التى سقطت، ومن أحجار جديدة تُضاف إليها. يعتبر هذا المقال أن حوكمة النظام الدولى لم تنهَر انهيارًا مبينًا يحتاج معه النظام إلى حوكمة جديدة تمامًا. الحوكمة تصدعت بحيث ينبغى إعادة بنائها. التصدع نال من بعض قطاعات الحوكمة بالذات، مثل تلك الخاصة بالسلم والأمن الدوليين، وبالاقتصاد الدولى. ولكن كما أن فى الحوكمة الحالية ما يجب العمل على تغييره، فإن فيها ما يجب التمسك به.
نسارع إلى القول إن نفس المصطلحات كثيرًا ما تُستخدم فى العلوم الاجتماعية للدلالة على مفاهيم أو ظواهر مختلفة. «النظام الدولى» مصطلح يتكرر استخدامه للإشارة إلى الأمم المتحدة بأجهزتها الرئيسية والفرعية، مثل مجلس الأمن، خصوصًا وامتيازات بعض الأعضاء فيه كالمقاعد الدائمة وحق الفيتو، وصندوق النقد الدولى ووظائفه وطرائق عمله. فى مفهوم هذا المقال، هذه هى حوكمة النظام الدولى وليست النظام الدولى ذاته.
بإيجاز، يمكن تعريف حوكمة النظام الدولى بأنها مجمل الصكوك، أى الاتفاقيات والإعلانات والترتيبات الدولية التى ارتضتها الدول المشكلة للمجتمع الدولى لكى تنظم العلاقات فيما بينها، بالإضافة إلى المؤسسات التى أنشأتها الدول لكى تساعد على تطبيق أحكام الاتفاقيات والإعلانات والترتيبات، ولتسهر على احترامها. لأغراض التبسيط، لا نتعرض فى هذا المقال لأشكال الحوكمة غير الحكومية للنظام. أما النظام الدولى فهو، باختصار، يتشكل من الدول والعلاقات السياسية والاقتصادية والاجتماعية والثقافية والرياضية وغيرها التى تجمعها، وتربط بينها، وتجعل منها كُلا واحدًا. فاعلون من غير الدول، بعضهم ذو أوضاع قانونية وبعضهم الآخر خارج على القانون، أصبحوا هم أيضًا من وحدات النظام الدولى، يفوق بعضهم فى تأثيره عددًا كبيرًا من الدول. خذ أمثلةً على الفاعلين الشرعيين: الشركات العاملة فى قطاعات الاتصالات والبنية الأساسية الرقمية والذكاء الاصطناعى، مثل أمازون وميتا وجوجل وستارلينك. هذا النظام الدولى يتعثر هنا وهناك، ولكنه مستمر فى العمل. تعثر النظام يرجع إلى ثغرات فى حوكمته أو لعدم احترام مبادئها وتطبيق القواعد التى تنص عليها.
• • •
نرجع إلى صكوك حوكمة النظام الدولى ومؤسساتها لنقول إنها موجودة على المستوى الكونى، وعلى المستويين الإقليمى ودون الإقليمى. الأمم المتحدة، ومنظمة العمل الدولية، ومنظمة الأغذية والزراعة، وصندوق النقد الدولى، ومنظمة التجارة العالمية أمثلة على المؤسسات على المستوى الكونى. المواثيق المنشئة لهذه المؤسسات، واتفاقية الأمم المتحدة لقانون البحار، واتفاقية الحد من انتشار الأسلحة النووية، والاتفاقية العامة للتجارة والتعريفات 1947، وإعلان الحق فى التنمية أمثلة على الصكوك التى عقدتها الدول لتنظيم العلاقات فيما بينها. على المستوى الإقليمى، ولنأخذ إفريقيا مثالًا عليه، الاتحاد الإفريقى واتفاقية التجارة الحرة القارية الإفريقية مثالان على مؤسسات وصكوك الحوكمة. والسوق المشتركة للشرق والجنوب الإفريقى (كوميسا) والاتفاقية المنشئة لها مثالان على المؤسسات والصكوك على المستوى دون الإقليمى.
على المستوى الكونى، مؤسسات الحوكمة الدولية لا تقتصر على الأمم المتحدة ومجلسها للأمن أو صندوق النقد الدولى أو منظمة التجارة العالمية. مؤسسات الحوكمة تشمل أيضًا الاتحاد الدولى للاتصالات السلكية واللاسلكية، والمنظمة الدولية للطيران المدنى، والمنظمة البحرية الدولية، واتحاد البريد العالمى. هذه المؤسسات تُؤمِّن العلاقات بين البشر فى كل الدول؛ فبدونها لا يوجد اتصال بينهم ولا تجارة، وينكمش الاقتصاد العالمى برمته، واقتصادات الدول كلٌّ على حدة. هذه المؤسسات لا غنى عنها فى أى نظام دولى؛ فالتكنولوجيا تدفع إلى انتشار البشر والاتصال بينهم، وإلى تمدد التجارة الدولية، وإلى تفاعل الاقتصادات الوطنية فى وقت السلم. زمن الحرب العالمية وحده ينقطع الاتصال بين البشر أو ينحسر، وتنهار الحوكمة الدولية انهيارًا شبه كامل.
فى الوقت الحالى، يرى الكثيرون أن الولايات المتحدة تعمل على هدم حوكمة النظام الدولى. الأدهى من هدم الحوكمة هو جعلها، أو جعل قطاعات مركزية فيها، تتشقق وتتصدع. الهدم يستدعى البناء محل ما تهدم. أما التصدع والإضعاف فهو يُبقى على وهم وجود حوكمة دون أن تكون فى واقع الأمر فعالة أو مطبَّقة أحكامها. دول الجنوب العالمى، ومنها مصر، لا بد أن تدعو وباستمرار إلى تعزيز حوكمة النظام الدولى وإلى تطبيق قواعدها واحترامها. الحوكمة هى نظام تتكامل أحكامه. أهم ما فى أى نظام هو أنه يسمح بتوقُّع تصرفات أطرافه، من جانب، وأنه يقيِّد أطرافه، بما فى ذلك الأقوى بينهم، فى تصرفاتهم بالقواعد التى ينص عليها، من جانب آخر. فى الواقع، هذا هو السبب الذى يجعل الحكم الحالى فى الولايات المتحدة يقوِّض حوكمة النظام الدولى. هو، وتيار سياسى كامل له جذوره فى التاريخ الأمريكى المعاصر، يريان أن الولايات المتحدة تخسر بالقيود التى تفرضها قواعد الحوكمة على قوتها، ويغفلان عما تستفيد به مقابل هذا التقييد.
• • •
ميثاق الأمم المتحدة، وهى المؤسسة المركزية فى حوكمة النظام الدولى فيما بعد الحرب العالمية الثانية، ينص على مقاصد ومبادئ لا غبار عليها. هل يمكن أن تُسائل أى دولة فى ضرورة الحفاظ على السلم والأمن الدوليين، أو على تنمية العلاقات الودية بين الدول، أو على النص على التعاون الدولى لحل المشكلات الدولية الاقتصادية والاجتماعية والثقافية والإنسانية كمقاصد تحققها حوكمة النظام الدولى؟ المشكلة تنشأ عند تحديد أشكال التعاون الدولى وشروطه ومستواه. التعاون الدولى فى أزمة شديدة فى الوقت الحالى، ولكنه لم يختفِ، ولا يمكن أن يختفى، تمامًا. أما مبادئ الحوكمة كما ترد فى الميثاق، فيجب أن تتشبث بها دول الجنوب العالمى، ومنها المبدأ الأول وهو المساواة فى السيادة بين الدول الأعضاء فى المنظمة الدولية، أى الأطراف فى حوكمة النظام الدولى، والمبدأ الثالث وهو تسوية النزاعات بالطرق السلمية، والرابع وهو الامتناع عن التهديد باستخدام القوة أو استخدامها ضد سلامة أراضى أو الاستقلال السياسى لأى دولة. هذه المبادئ بالذات تتعرض للانتهاك السافر حاليًا، كما تشهد على ذلك ممارسات الولايات المتحدة، ناهيك عن إسرائيل، والوثائق الصادرة عنها وتصريحات المسئولين فيها وخطاباتهم. هجوم الولايات المتحدة المشترك مع إسرائيل على إيران، وهجومها على فنزويلا واختطاف رئيسها، وإعلانها طمعها فى الاستيلاء على جرينلاند بالحسنى أو بالغصب أمثلة على هذا الانتهاك. المقاصد والمبادئ المذكورة لا يمكن أن تُفرِّط فيها أى دولة، حتى وإن كانت تطلعات غير متحققة تمامًا، وهى بذلك تكون الجسر الممتد بين الحوكمة القديمة والحوكمة المتجددة التى يُعاد بناؤها.
ولكن الحوكمة المتجددة المعاد بناؤها لا بد أن تُصلح من جذوره العطب البالغ فى قطاع السلم والأمن، وفى قطاعها الاقتصادى. ليس أبلغ دلالة على العطب الذى ضرب حوكمة قطاع السلم والأمن من عجزها عن وقف المذبحة التى يتعرض لها الشعب الفلسطينى فى غزة، وعن التوصل إلى حل عادل للقضية الفلسطينية، أو إيجاد تسوية للحرب الروسية الأوكرانية، أو حل للنزاع بشأن جريان مياه النيل بين مصر والسودان من جانب، وإثيوبيا من جانب آخر. أما القطاع الاقتصادى، فإن حوكمته بعد ثمانية عقود من نشأتها، وفوق الستة عقود منذ تصفية الاستعمار، لم تؤدِّ إلى تنمية البلدان النامية إلا النادر منها ذات الظروف الخاصة. فى الوقت نفسه، الولايات المتحدة تشكو من الحوكمة وتعتبرها السبب فى اختلال ميزانها التجارى، متجاهلةً أن هذه الحوكمة جلبت مدخرات العالم إلى أذون الخزانة الأمريكية، فحافظت على قيمة الدولار وعلى مستويات معيشة المواطنين الأمريكيين.
والحوكمة المعاد بناؤها لا بد أن تواكب التطور فى النظام الدولى. عليها أن تبتكر وأن تُفسح أماكن لمثل الشركات المذكورة أعلاه حتى تكون فواعل إيجابية فى النظام، ولكى تكون مقيَّدة بقواعد حوكمة قطاعاته.
• • •
يثور لدى البعض تساؤل عما إذا كانت الحوكمة فى ثوبها المتجدد ستعتمد أساسًا على الصكوك والمؤسسات على المستوى الإقليمى. يمكن أن يتعزز المستوى الإقليمى لحوكمة النظام الدولى، ولكن لن يكون ثمة غنى عن حوكمة كونية ذكية بصكوكها ومؤسساتها. التكنولوجيا تُوحِّد العالم ولا تُقسِّمه. وأصحاب المصالح الكبرى يريدون أن يجنوا ثمارها من العالم كله، وليس من إقليم واحد. طالما امتدت المصالح إلى أقاليم النظام الدولى، فضلًا عن تشابك الصراعات حول الموارد فيه، فإن الحوكمة على المستوى الكونى ستكون هى الأصل.
على دول الجنوب العالمى، ومصر فى القلب منها، أن تستعد لذلك اليوم الذى ستناقش فيه إعادة بناء حوكمة النظام الدولى. لعلها تُسهم فى إصلاح ما يحتاج إلى إصلاح، وتشترك فى ابتكار ما يتطلب الابتكار، وتتمسك بما لا يمكن التنازل عنه فى الحوكمة القديمة.
أستاذ الأبحاث بالجامعة الأمريكية بالقاهرة