x قد يعجبك أيضا

الحب كعاطفة مؤلمة

السبت 28 فبراير 2026 - 5:40 م

 

لا يمكن استقبال النسخة السينمائية الجديدة المستلهمة من رواية «مرتفعات ويذرينج» لإميلى برونتى باعتبارها فيلمًا عن الحب بقدر ما هى حكاية عن الألم الذى يسببه الحب، وهو ألم لا شفاء منه، ولا نهاية له إلا بالموت، مع دراسة نفسية لعلاقات شخصيات الرواية، تربط بين الحب والسادية أيضًا!


كلها عناصر مختلفة جعلت المعالجة أكثر جرأة وصدمة لمن تعوّدوا على المعالجات التقليدية، بالإضافة إلى حرية أكبر فى مفارقة الدقة التاريخية فى الملابس والموسيقى، ربما لأن الحكاية عابرة للأزمان، رغم أنها جاءت إلينا من رواية كُتبت فى زمن بعينه.


الفيلم يحمل نفس اسم الرواية «مرتفعات ويذرينج»، وكتبته وأخرجه إيميرالد فينيل، ورغم أنه يحافظ بشكل عام على الشخصيات المحورية المعروفة، فإن الدراما محورها علاقة فتاة هى «كاثى» مع ثلاثة رجال فى حياتها: والدها، وحبيبها، وزوجها. والمعالجة تحاول قراءة وتفسير العلاقات العاطفية المتقلبة، والبحث عن الأسباب النفسية المعقدة.


الفوارق الطبقية حاضرة بالطبع فى علاقات الشخصيات، إلا أنها ليست محور الاهتمام، وإنما المدخل إلى تأمل عاطفة الحب بصفتها حالة مرضية مركّبة وغامضة، حتى على أصحابها.


انتقلنا -إذن- من الرومانسية الظاهرية إلى دراسة حالة، فلم تعد الحكاية عن القلب فقط، ولكنها كذلك عن الجسد والعقل، عن اللذة والألم المصاحب لها، وعن الإنسان ككائن تضطرب فى داخله صراعات شتى.


تبدأ الصدمة من المشهد الأول، حيث تشهد كاثى الصغيرة شنق رجل فى الساحة، وبدلًا من مشهد شاعرى رومانسى وسط الطبيعة، ورصيد الفيلم بصريًّا كبير أيضًا من هذه المشاهد، فإن الفيلم يفتتح أحداثه بصوت رجل يحتضر أثناء شنقه. وستأتى سيرة عيد الشنق واحتفالاته بعد ذلك وسط الفيلم، لكنها افتتاحية تذكرنا بأن الحكاية عن الألم والموت.


تفاصيل الرواية وخطوطها حاضرة هنا أيضًا، ولكن كإطار للتحليل والقراءة. فالأب الثرى إيرنشو يأخذ طفلًا من السوق ويربيه مع ابنته الجميلة كاثى، ويحمل الطفل اسم هيثكليف، ثم تنشأ بينهما قصة حب، لكن تدهور أحوال الأب الاقتصادية، بسبب القمار يجعل كاثى تفضل الزواج من جارها الثرى إدجار. فيترك هيثكليف المكان، وبعد خمس سنوات يعود ثريًّا للانتقام، ويكون انتقامه بزواجه من إيزابيلا شقيقة إدجار، ولكن حب كاثى وهيثكليف يتجدد رغم الهروب والألم، ولا تنتهى المأساة إلا بالموت.


الفقر سبب واضح فى قرار كاثى للزواج من إدجار، ولكن الأسباب النفسية قائمة أيضًا، فهى مترددة نوعًا ما، وعمرها أكبر من المألوف، فتظن أنها تأخرت فى الزواج. وتبدو علاقتها مع هيثكليف معقدة، فهى التى اختارت له اسمه اقتباسًا من اسم شقيقها الراحل، وهى مسيطرة وقوية فى التعامل معه، وعلاقتها مع والدها معقدة أيضًا: تحبه، ولكنها تكره إهانته وضربه له، وترفض أيضًا سلوك الأب غير المسئول فى إضاعة ثروته.


لكن الفيلم يأخذ خطوة أبعد فى ربط الحب بالألم، ففى مرحلة مبكرة تشاهد كاثى العلاقة السادية بين جوزيف الخادم وصديقته، وستصبح هذه التيمة سائدة فى كل الشخصيات، حيث تتباين العلاقة حبًّا وكراهية، ولذة وألمًا، سواء فى علاقة كاثى مع أبيها (مشهد زيارتها له وسقوط النقود على الأرض من أبرز مشاهد تلك العلاقة المضطربة)، أو فى علاقة كاثى مع هيثكليف الثرى بعد عودته (من رفض زواجه من إيزابيلا شقيقة زوجها إلى تأييد هذا الزواج)، أو فى علاقة هيثكليف مع كاثى (من تعمد إيلامها بالزواج من إيزابيلا إلى إقامة علاقة جسدية معها، والبكاء على سرير موتها فى النهاية).


علاقة اللذة والحب فى مقابل الكراهية والألم قائمة بوضوح أيضًا فى علاقة إدجار مع كاثى (من توفير كل وسائل الرفاهية لها إلى التنبه لعلاقتها مع هيثكليف مع العجز عن الانفصال عنها)، وفى علاقة إيزابيلا مع كاثى (من الحب إلى الكراهية)، وفى علاقة إيزابيلا مع هيثكليف (من الحب البرىء إلى قبول التعذيب والإذلال والمهانة منه).


لا يوجد حب فى الفيلم منفصل عن الكراهية والألم، ولا يوجد حب منفصل عن الجسد، والعلاقة الحميمة بين هيثكليف وكاثى تشغل مساحة كبيرة ومعتبرة. والألم ليس معنويًا فقط، كأن تنتظر كاثى رسائل لا تصل من هيثكليف، لكنه يأخذ أيضًا أشكالًا صريحة فى علاقة هيثكليف وإيزابيلا، وفى عقاب والد كاثى الذى يقوم بجلد الصغير هيثكليف.


تبدو الوصيفة نيللى شاهدة على هذه العلاقات الغريبة أكثر من أى شىء آخر، ولكنها تتسبب، سواء بقصد أو من غير قصد، فى تكريس خطأ وألم كاثى، وقد تكون نيللى أيضًا تنويعة على الألم، فهى ابنة غير شرعية لأب نبيل، وهى محرومة من الحب، وعلاقتها مع كاثى مضطربة وشديدة التركيب والغرابة.


نظلم الفيلم إذا ركزنا فقط على ثراء شخصياته النفسية، لأنه أيضًا يتميز ببناء بصرى ممتاز، وباستغلال رائع للمكان والطبيعة، بالإضافة إلى ديكورات مدهشة وباذخة فى بيت كاثى وإدجار، إضافة إلى شريط موسيقى وغناء جرىء، إلى حد استخدام أغنية حديثة على هذا الشريط.


قطعات المونتاج أيضًا لم تكن على الطريقة الكلاسيكية التى تمنح المشهد اكتمالًا وإشباعًا، ثم تنتقل بهدوء إلى المشهد التالى، فقد كانت الانتقالات أسرع من المألوف، مع كثير من مشاهد الفوتومونتاج، حتى مشاهد النهاية المؤثرة نسبيًّا، لم تسلم من هذه الانتقالات القافزة بين طفولة كاثى وهيثكليف وبين حاضرهما المؤلم.


كانت مارجو روبى جيدة فى دور كاثى، بينما قدم جاكوب ألوردى الجانب الشرس بشكل جيد فى شخصية هيثكليف، لكنه كان أقل بكثير فى تجسيد مشاعره الرومانسية.


ربما يحتاج الفيلم إلى بعض التكثيف والاختصار من زمنه الطويل، لكن تظل لهذه النسخة أهميتها وتأثيرها؛ لأنها تتأمل الحب نفسه كعاطفة غامضة، ولا تستسهل بمجرد سرد الأحداث المعروفة لرواية كلاسيكية عابرة للعصور والأزمان.

مقالات اليوم

قد يعجبك أيضا

شارك بتعليقك

بوابة الشروق 2026 - جميع الحقوق محفوظة