x قد يعجبك أيضا

طالما نحن نعانى.. فليعانِ الجميع.. الاستراتيجية التى تحاصر ترامب

الجمعة 24 أبريل 2026 - 5:45 م

فى لحظة تبدو فيها كل الخيارات سيئة، تتكشف حجم الضغوط على النظام الدولى والإقليمى أمام امتداد الصراع بين أمريكا وإسرائيل من جانب، وإيران وما تبقّى من محورها من جانب آخر، والذى لا يحتمل المغامرة ولا يقبل التراجع السهل. فما يحدث اليوم ليس مجرد مواجهة عسكرية تقليدية، بل اختبار معقد لتوازنات الردع، ومرونة الأسواق، وحدود القوة السياسية. وإذا كان المشهد الراهن يكشف بوضوح أن استمرار التصعيد لن يكون مجرد «جولة أخرى»، بل نقطة تحول قد تعيد رسم ترتيبات الإقليم، فإن المعضلة الأساسية لا تكمن فى القدرة على توجيه الضربات، بل فى غياب مسار واضح للخروج من هذا المسار دون خسائر استراتيجية فادحة. وليس مهما، فى هذا السياق، سؤال: «متى تنتهى الحرب؟»، وإنما: «كيف ستنتهى؟»، أو ما ستسفر عنه الحرب.


أحد أهم أبعاد الأزمة يتمثل فى مضيق هرمز، الذى أيقن الجميع أن المضائق عموما، وهرمز خصوصا، ورقة ضغط ذات تأثير مباشر على الاقتصاد العالمى. ووفقا لتقارير صحفية، منها ما نشر فى مجلة «الإيكونوميست»، فإن آخر شحنة نفط غادرت الخليج قبل أى تصعيد محتمل قد وصلت بالفعل إلى وجهتها، ومن ثم فإن المخزونات العائمة التى كانت تشكل وسادة أمان للأسواق قد استُنفدت. فكيف سيلبى العرض مطالب الأسواق؟ وما يعمق الأزمة أن البنتاجون أبلغ الكونجرس بأن إزالة الألغام التى زرعتها إيران بمسيّرات بحرية فى المضيق ستستغرق ستة أشهر، لأن مواقع الألغام غير معروفة بدقة! تخيلوا، ستة أشهر من تعطيل شريان الطاقة العالمى! هذا يعنى أن أوروبا، التى لديها وقود طائرات يكفى خمسين يوما فقط، واليابان التى ستستنفد مخزونها التجارى فى مايو المقبل، وأى دولة تعتمد على الخليج، ستواجه صدمة تضخمية وركودية فى وقت واحد.


• • •
الأسواق تبدو حتى الآن متفائلة بحذر، وكأنها تراهن على احتواء التصعيد أو اكتفاء أمريكا بضربات محدودة على إيران حال تجدد القتال، لكن هذا التفاؤل قد يكون مضللا. فالأسواق غالبا ما تتفاعل لحظيا مع الأخبار، لكنها تتأخر فى استيعاب التحولات الجيوسياسية العميقة، خاصة حين تتداخل مع عوامل مادية مثل بيانات الإمدادات الفعلية. ولكن مع الكشف عن تقلص المخزون العائم، يصبح الاضطراب تهديدا حقيقيا. فكيف تستقر الإمدادات فى ظل إغلاق المضيق، وعدم اليقين حول ما ستسفر عنه الحرب؟ وقد كشف تقرير لقناة «سى. بى. إس» الأمريكية، نقلا عن مسئولين أمريكيين، عن أن القدرات الإيرانية لم تتأثر بشكل كبير بالجولة الأخيرة من الضربات، على عكس ما تروج له الإدارة الأمريكية؛ إذ لا يزال الحرس الثورى يحتفظ بثلثى صواريخه الباليستية، وأكثر من نصف أسطوله البحرى، بالإضافة إلى كم هائل من الصواريخ المجنحة والمسيّرات. بل إن القيادة الإيرانية أعلنت، أو ادعت، أنها أحرقت ثلث صواريخها فقط، وجاهزة بالثلثين حال تجدد الحرب.


إذن، على المستوى الميدانى والعسكرى، الصورة أكثر تعقيدا. فالضربات، مهما كانت مكثفة، لم تُحدث تحولا حاسما فى القدرات الأساسية القتالية أو الهجومية للطرف المقابل. بل على العكس، قد يؤدى الضغط العسكرى إلى تعزيز منطق «التعويض» لدى الطرف المتضرر، أى السعى لفرض كلفة مقابلة على الخصم. وهنا تبرز الورقة الإيرانية الأقوى: التحكم فى مضيق هرمز ليس مجرد قدرة عسكرية، بل أداة ابتزاز جيو - اقتصادى. «فطالما أن إيران تستطيع إغلاق المضيق أو تعطيله، فإنها تستطيع أن تجعل العالم بأسره يدفع ثمن العقوبات المفروضة عليها». «طالما نحن نعانى، فليعانِ الجميع»؛ هذا لم يعد شعارا، بل استراتيجية أثبتت نجاحها، وأفقدت العقوبات الأمريكية جزءا كبيرا من فاعليتها.


• • •
هذا يقود إلى معضلة استراتيجية مُلحّة تواجه الرئيس ترامب، الذى صرح يوم 22 أبريل: «لا داعى للعجلة» بعدما مد الهدنة إلى يوم الأحد 26 أبريل. وهو يرى، بحسب قوله، إن «الحصار سيخيف النظام الإيرانى أكثر من القصف. لقد تعرضوا للقصف لسنوات، لكنهم يكرهون الحصار». مما يعنى أن الضغوط العسكرية القصوى لم تُسفر عن انهيار إيران، بل تحولت إلى استنزاف معاكس لدول الإقليم، وضغوط على الأسواق العالمية. ومن ثم قد لا يجد ترامب مخرجا إلا العودة إلى الاتفاق النووى الذى هاجمه لسنوات ووصفه بالكارثى. لكن ثمن العودة الآن أعلى بكثير؛ فإيران لا تطلب فقط رفع العقوبات، بل تطالب بـ133 مليار دولار من أصولها المجمدة، واعتراف ضمنى بهيمنتها على المضيق، وحق فى استئناف التخصيب بعد سنوات قليلة. وكأنها تملى شروطها من موقع قوة، بعد أن أثبتت أن الحرس الثورى، الذى راهن ترامب على القضاء عليه، يمسك اليوم بمفاتيح الاقتصاد العالمى.


أما على الجبهة الداخلية الأمريكية، فالمعضلة لا تقل تعقيدا. فقد صرّح ترامب يوم 22 أبريل: «غير صحيح أننى أريد إنهاء الحرب بسبب انتخابات التجديد النصفى»، بينما على أرض الواقع يوجد ارتفاع كبير فى أسعار الطاقة، مما ينعكس مباشرة على التضخم، فى وقت لا يملك فيه الاحتياطى الفيدرالى أدوات مريحة للتعامل مع صدمة مزدوجة من نوعية ارتفاع الأسعار وتباطؤ النمو. فرفع أسعار الفائدة قد يعمق الركود، بينما خفضها قد يغذى التضخم. أما الجمود، فيعنى ترك الاقتصاد يواجه الصدمة دون تدخل فعال. هذه الخيارات المحدودة تعكس حجم المأزق؛ فلا توجد حلول مثالية، بل مفاضلة بين أضرار متفاوتة.


هذا المشهد الداخلى قد يدفع ترامب إلى سيناريو «اليأس الاستراتيجى»، حيث يشعر أحد الأطراف بأن الوقت لا يعمل لصالحه، فيلجأ إلى خيارات غير متوقعة. فترامب، الذى يصفه مقربون منه بأنه لا يتحمل الهزيمة، قد يقرر توجيه ضربة لمنشأة طاقة إيرانية، حتى لا تخرج إيران من هذه الحرب دون هزيمة، بينما يغفل عن رد الفعل الإيرانى الذى سيستهدف منشآت النفط والمياه الخليجية. خطوة مدفوعة باليأس من هذه النوعية ستحول الخليج إلى بحيرة نار، وتدمر سلاسل الإمداد العالمية، وتدخل العالم فى أزمة لا تشبه أى أزمة سابقة.


لذلك نحن لسنا أمام لحظة مفصلية، وإنما أمام تحديات مزمنة ستأخذ وقتا لكى تتم معالجتها والخروج منها. وسنظل لفترة من الزمن نتأرجح بين انزلاق تدريجى نحو التصعيد المفتوح، وبين إدراك ضرورة وجود تسوية سياسية. وفى هذه البيئة، تقف أسواق الطاقة، والاقتصادات الكبرى، والترتيبات الإقليمية، جميعها على حافة تغيير لاستيعاب أبعاد هذه البيئة الجديدة التى قد تستمر لشهور أو لسنوات. وما سيحسم هذا التأرجح ليس فقط القوة العسكرية، بل القدرة على إدارة التوازن بين الردع والتفاوض، لحين الوصول إلى تفاهمات تعيد ترتيب المنطقة. وإذا كان الخيار الأقل كلفة اليوم هو العودة إلى الاتفاق الذى هاجمه ترامب، فإن هذه العودة ستكون بمثابة اعتراف ضمنى بفشل استراتيجيته، وستشكل نهاية سياسية مؤلمة لرجل راهن على القوة فخسر أمام حنكة قيادة استخدمت المضيق بعدما أيقنت أن قوة أعتى الجيوش لا تنفع إذا توقف النفط.

باحث فى مجال السياسة والعلاقات الدولية

 

مقالات اليوم

قد يعجبك أيضا

شارك بتعليقك

بوابة الشروق 2026 - جميع الحقوق محفوظة