حصاد تحت النار.. إمدادات الأسمدة العالمية تحت الضغوط الجيوسياسية

السبت 25 أبريل 2026 - 5:50 م

كشفت الحرب التى شنتها الولايات المتحدة وإسرائيل على إيران فى فبراير عن عمق الترابط الاستراتيجى الوثيق بين شبكات التجارة الدولية، ومنظومات إمداد الطاقة، وسلاسل التوريد الغذائية. ولم يعد هذا الترابط مجرد سمة للتكامل الاقتصادى فى عصر العولمة؛ بل خلق منظومة متداخلة الأجزاء ومتشابكة الحلقات باتت قادرة على تحويل أى توتر جيوسياسى فى نقاط الاختناق البحرية، كمضيق هرمز، إلى سلسلة متلاحقة من الانهيارات، تتداعى على إثرها حركة التجارة وتدفقات الطاقة وإمدادات الغذاء فى غضون أيام معدودة.


• • •
فى خضم هذه التطورات، برزت سلاسل توريد الأسمدة كإحدى أكثر الحلقات هشاشة وتأثرًا بالاضطرابات الإقليمية؛ نظرًا لتموضعها كنقطة التقاء حيوية بين أسواق الطاقة، وشبكات النقل التجارى، وسلاسل الإمداد الغذائى. وتنبع هذه الهشاشة أساسًا من طبيعة صناعة الأسمدة ذات الاستهلاك الكثيف للطاقة، إذ يشكل الغاز الطبيعى ما بين 60% و80% من تكاليف الإنتاج، خاصة فى الأسمدة النيتروجينية كاليوريا والأمونيا. ومن ثم؛ ترتبط أسواق الأسمدة ارتباطًا عميقًا بديناميكيات أسواق الطاقة، لا سيما فى منطقة الخليج العربى، إذ تمثل، إلى جانب إيران، مركزًا رئيسيًا لإنتاج وتصدير نحو ثلث اليوريا عالميًا، وحوالى نصف الكبريت المستخدم فى الأسمدة الفوسفاتية. ومع إغلاق مضيق هرمز، الذى تمر عبره إمدادات ضخمة من النفط والغاز والأسمدة ومكوناتها، تعطلت بالتزامن عمليات الإنتاج، وإمدادات المواد الأولية، والخدمات اللوجستية للتصدير. وهكذا، سرعان ما تحولت المواجهة الجيوسياسية إلى صدمة عرض مركبة فى سوق الأسمدة تهدد بشكل مباشر استقرار النظم الزراعية والأمن الغذائى العالمى.


ولم يكن مفاجئًا أن تكون دول المنطقة من بين الأكثر تأثرًا بهذه الاضطرابات على مستوى العالم، فقد أظهرت أزمات سابقة، كجائحة كورونا والحرب الروسية الأوكرانية، درجة الانكشاف العالية التى تعانيها سلاسل الإمداد فيها؛ غير أن المقارنة مع التأثيرات التى لحقت بسلاسل الإمداد إبان بداية الحرب الروسية الأوكرانية تشير إلى أن الأزمة الحالية قد تكون أشد وطأة؛ فالقرب الجغرافى يضع المنطقة بأكملها فى قلب نطاق التوتر، لا على هامشه، فى وقت تتضاءل فيه البدائل المتاحة لتأمين الإمدادات بسبب تدهور الأوضاع الأمنية، وإغلاق بعض الحدود، وضعف البنية التحتية. وعلى خلاف الأزمة السابقة التى تركزت آثارها فى عدد محدود من موردى الأسمدة، ولا سيما روسيا وبيلاروسيا، يمتد الاضطراب الحالى ليشمل ممرات التصدير الخليجية برمتها، ما يضاعف من تداعياته إقليميًا وعالميًا.


ويكتسب توقيت هذه الأزمة حساسية إضافية، إذ يتزامن مع انطلاق الموسم الزراعى الربيعى؛ حيث يبلغ الطلب على الأسمدة ذروته، فى ظل سوق عالمية تعانى أصلًا من ضغوط هيكلية ناجمة عن تراجع الإنتاج الأوروبى منذ عام 2022، واستمرار القيود التى تفرضها بعض الدول المنتجة على صادراتها. وفى هذا السياق، يصبح الإنتاج الزراعى فى المنطقة، التى تعتمد على الواردات لتلبية ما بين 40% و60% من احتياجاتها من السعرات الحرارية، أكثر عرضة للمخاطر. وتزداد حدة هذا الانكشاف بفعل الخصائص البيئية السائدة، حيث تقع معظم دول المنطقة ضمن نطاقات قاحلة أو شبه قاحلة، وتعانى تربتها من ضعف المحتوى الغذائى وارتفاع الملوحة، إلى جانب ندرة الموارد المائية؛ مما يجعل الاعتماد المكثف على الأسمدة ضرورة لا خيارًا، وهو ما يفسر تجاوز معدلات استخدامها للمتوسطات العالمية، خصوصًا الأسمدة النيتروجينية التى ينبغى إضافتها بشكل دورى كل موسم لعدم احتفاظ التربة بتأثيرها. وفى ضوء ذلك، فإن أى اضطراب فى إمدادات الأسمدة، سواء نتيجة اختناقات سلاسل التوريد، أو تقلبات أسعار الطاقة، أو قيود التصدير، ينعكس بسرعة على تراجع الإنتاجية الزراعية. فمع تزامن صدمتى الطاقة والأسمدة، يجد مزارعو المنطقة أنفسهم بين ضغطين متعاكسين: تصاعد التكاليف وتراجع الإنتاجية. فمن ناحية، يقوض ارتفاع أسعار الوقود والرى والنقل الجدوى الاقتصادية، خاصة لدى صغار المزارعين الذين تمثل الأسمدة وحدها ما بين 30% و50% من تكاليفهم؛ مما يضغط على هوامش ربحهم المحدودة. ومن ناحية أخرى، يلجأ كثيرون إلى تقليص استخدام الأسمدة فى محاولة لاحتواء هذه الضغوط؛ مما ينعكس سريعًا على الإنتاجية. وقد أظهرت تجارب عام 2022 أن خفض استخدام الأسمدة بنسبة 15% إلى 30% قد يؤدى إلى تراجع الإنتاجية بنحو 20%، بما يحمله ذلك من تبعات اقتصادية واجتماعية تمس سبل عيش واستقرار المزارعين والمنتجين.


• • •
لا تقف التداعيات عند حدود المزرعة، بل تمتد إلى الأمن الغذائى، إذ يؤدى تراجع الإنتاج المحلى إلى توسيع فجوات الاستيراد فى وقت تشهد فيه الأسعار العالمية ارتفاعًا متسارعًا. فقد زادت أسعار الغذاء عالميًا بنسبة 2.4% بين فبراير ومارس، مع توقعات باستمرار الضغوط خلال الأشهر المقبلة مع انتقال أثر ارتفاع تكاليف الأسمدة، والتى تظهر تداعياته فى فترة تتراوح بين ستة وتسعة أشهر. وتشير تقديرات إلى احتمال زيادة معدلات انعدام الأمن الغذائى فى المنطقة بنحو 14%، ما يعنى اتساع دائرة الجوع فى سياق يعانى أصلًا من هشاشة مزمنة، حيث يعيش نحو 30% من السكان فى أوضاع غذائية غير مستقرة. ولا تقل التداعيات السياسية لهذه الأزمة خطورة عن الاقتصادية؛ إذ لطالما شكّلت صدمات الغذاء ومدخلات إنتاجه شرارة لاضطرابات واسعة ومحفزًا مباشرًا لعدم الاستقرار. فقد فجّرت أزمة 2008 أعمال شغب فى أكثر من ثلاثين دولة، فيما كانت الارتفاعات الحادة فى أسعار الغذاء أحد العوامل التمهيدية لانتفاضات الربيع العربى عام 2011، وسرّعت أزمة الغذاء والأسمدة فى سريلانكا عام 2022 من الانهيار الاقتصادى والاضطرابات السياسية.


واليوم، فتواجه المنطقة أوضاعًا أكثر هشاشة، فى ظل ضغوط ضخمة على المالية العامة فى العديد من الدول، وتآكل القدرة الشرائية للمواطنين بفعل موجات التضخم المتكررة، وتراجع التمويل الدولى، إلى جانب محدودية وضعف شبكات الحماية الاجتماعية. ومع تداخل هذه العوامل، تصبح حكوماتنا ومجتمعاتنا أقل قدرة على امتصاص الصدمات، مما يهدد بتحويل أى ارتفاع حاد فى أسعار الغذاء أو المدخلات إلى عامل محفز للتوترات قد يعيد إنتاج دوامات عدم الاستقرار فى المنطقة.


ورغم بوادر التهدئة مؤخرًا ومفاوضات إعادة فتح مضيق هرمز، فإن واقع النظام العالمى الراهن المثقل بالتقلبات والمشحون بالصدمات يستدعى استجابةً سريعةً ومدروسةً من حكومات المنطقة توازن بين احتواء الأزمة وبناء القدرة على الصمود. فعلى المدى القريب، تبرز الحاجة إلى تدخلات فورية تحافظ على استمرارية الإنتاج الزراعى وتمنع تراجعه عبر توجيه دعم موجه ومؤقت لأسعار الأسمدة يضمن وصولها إلى المزارعين دون تشوهات واسعة فى السوق، وتوفير تسهيلات ائتمانية مرنة لصغار المنتجين. وبالتوازى، فإن السعى لتنويع مصادر الإمداد وبناء مخزونات استراتيجية يُعد أولوية لا تحتمل التأجيل لتقليل التعرض لصدمات الانقطاع المفاجئ. أما على المدى الأطول، فإن التحدى يتجاوز إدارة الأزمة نحو إعادة هيكلة النظم الزراعية عبر تبنى تقنيات الزراعة الذكية والزراعة الدقيقة التى ترفع كفاءة استخدام المدخلات، وتعزيز خصوبة التربة بأساليب مستدامة تقلل الاعتماد المفرط على الأسمدة والمدخلات، وتطوير أصناف أكثر تحمّلًا للظروف البيئية فى المنطقة. كما تبرز أهمية التنسيق الإقليمى بين دول المنطقة من خلال تطوير أنظمة إنذار مبكر لرصد اختناقات الإمداد، والاستثمار فى بدائل إنتاجية قائمة على الطاقة المتجددة لتقليل الارتباط بأسواق الغاز الطبيعى وتقلباتها، وتخفيف الاعتماد على الممرات البحرية الحساسة.

 


• • •
فى المحصلة، لم تعد أزمات الغذاء ومدخلات إنتاجه مجرد اضطرابات عابرة فى الأسواق، بل أصبحت ميزانًا دقيقًا لقدرة الدول على الصمود، ومقياسًا كاشفًا لهشاشة النظم الاقتصادية والسياسية أمام الصدمات. ففى عالم يتسم بعدم اليقين، لم يعد الأمن الغذائى ملفًا قطاعيًا أو شأنًا فنيًا معزولًا، بل غدا ركيزة أساسية للاستقرار، يُبنى بالجاهزية المسبقة، ويُدار بالرؤية الاستراتيجية الرشيدة، ويُصان بالقدرة على التكيف والاستجابة.


أستاذ اقتصاديات التنمية

مقالات اليوم

قد يعجبك أيضا

شارك بتعليقك

بوابة الشروق 2026 - جميع الحقوق محفوظة