خواطر «شكسبيرية» فى ذكراه

السبت 25 أبريل 2026 - 5:45 م

 

(1)
شأنى شأن كل أبناء جيلى ممن تفتحت عيونهم على حب الأدب والقراءة من كتب الجيب، فى الثمانينيات ومطالع التسعينيات من القرن الماضى، أتاح لنا المشروعُ العظيم «روايات عالمية للجيب» (للناشئين)، الذى كان يصدر عن الهيئة العامة للكتاب، روائع الأدب العالمى فى كل العصور، مبسطة للناشئين.. كنت فى بدايات المرحلة الإعدادية حينما قرأت «حكايات من شكسبير»، وتعرفت على عدد من أشهر أعماله فى التراجيديا والكوميديا والدراما التاريخية!


أما المحطة التالية فكانت قبل دخولى الجامعة، وتعرّفى على مجموعة أعماله المترجمة إلى اللغة العربية بإشراف عميد الأدب العربى الدكتور طه حسين؛ وصدرت فى الستينيات من القرن الماضى بتوقيع نخبة من كبار المترجمين الأكاديميين والنقاد والمبدعين.


مع هذه المجموعة الرائعة من ترجمات أعماله إلى العربية، كانت البداية الحقيقية لقراءة روائع شكسبير ومسرحياته الكبرى: «هاملت»، «مكبث»، «تاجر البندقية»، «عطيل».. و«حلم ليلة صيف»، «ترويض الشرسة»، و«على هواك»، وغيرها.


(2)
إنه أحد الموهوبين من متعهدى العبقرية والإبداع والابتكار فى كل العصور! اكتملت على يديه كل مقومات ما يمكن أن يوصف بأنه «عبقرية الفن» وجماله وجنونه ومتعته المتجددة عبر العصور والقرون!


بالإضافة إلى المتعة الخالصة، سينفتح أمامك منجم خبرات إنسانية وشعورية مذهلة! ثيمات الأدب الكبرى من حب وجنون وانتقام وغيرة وازدواج ونفاق وصدق وعشق وخيانة وانهيار.. إلخ، مما شغل الإنسان وعاشه وخبره وصدر عنه منذ وجد على الأرض وحتى يومنا هذا!


ظهر شكسبير فى عصر بدت فيه آفاق “الفردية” صاعدة بلا توقف ولا حد، فردية مستعدة لتحدى أى قيد والتمرد على أى شرط.. كان هناك تنوع وثراء، ووسط المتناقضات والإشكاليات والأضداد التى كان يموج بها المجتمع الإنجليزى آنذاك، كان ضروريًا أن تبرق خلالها طاقة حديثة الانطلاق.


واستلزم التعبير عن كل ما كان يجب التعبير عنه كلمات؛ كلمات فخمة رائعة ذات قوة كعزائم السحر، وقيّض لعبقرية فريدة وموهبة فذة ونادرة أن تدرك هذا كله، وتستوعبه، ويتدفق على لسانها -وعبر كتابتها- أدب فخم، ولغة اكتمل نضجها، وتمتعت بثروة لفظية نادرة.
من هنا، ولهذا السبب وغيره من الأسباب، اختير يوم 23 أبريل من كل عام (وهو ذكرى ميلاد شكسبير) يومًا، بل عيدًا، للاحتفال باللغة الإنجليزية والثقافة التى تمثلها.


(3)
مع نهايات المرحلة الثانوية وبدايات الجامعة ظهرت ترجمات الراحل القدير محمد عنانى لمسرحيات شكسبير. كانت هذه نقلة أخرى بعيدة الغور والمدى فى اكتشافات أعمق وأوسع لعبقرية هذا الرجل؛ ترجمات عنانى لم تكن محض نقل للنصوص، وكان الله بالسر عليمًا! أبدًا؛ إنها ترجمات سياقية وثقافية شارحة، تقدم إضاءات وإيضاحات لزمن وعصر وثقافة كاملة مرت بأطوار انتقال وتحول، ورنت بأعينها إلى آفاق لا تحد، ساهم فى ذلك تلك الحركة الواسعة من النشاط الفكرى والعلمى والثقافى فيما عرف بعصر النهضة.


أدركت حينها لماذا أصبح شكسبير «أفضل معلم للكتابة الدرامية» فى عصره والعصور التالية وإلى ما شاء الله. هذه المقولة التى أطلقها صديقى الناقد الكبير محمود عبدالشكور فى معرض حديثه عن الكاتب المسرحى الأكبر والأشهر.


زاد هذا الإدراك رسوخًا وقناعة بما قرأته لدى العقاد فى رسالته الشهيرة «التعريف بشكسبير» من أنه ارتفع -بموازين النقد جميعًا- فى فن الرواية المسرحية: فن الخلق والإبداع فى تصوير النفوس وتصوير العلاقات بينها على السواء. وإذا استثنينا الرسل والأنبياء من أصحاب الأديان الكبرى، فليس فى أصحاب الأقلام منذ كتب الإنسان بالقلم عشرة يُعَدُّون معه فى الصف الأول الذى تقدم إليه بين الصفوف العباقرة العالميين.


(4)
تجربة شكسبير الفريدة، إذن، عبر أعماله ومسرحياته تثبت أن التجربة الفنية والإبداعية لا يمكن أن تتكرر. حتى لو أراد الفنان تقليد نفسه فلن يستطيع، وكذلك فإن دافع الإبداع ذاتى بحت، وبينما شرط التجربة العلمية أن تحقق نفس النتائج كمعادلة موضوعية تصدق فى كل زمان ومكان، فإن شرط الفن عكس ذلك على طول الخط، شرطه ألا يتكرر وأن يعبر عن رؤية ذاتية بالأساس وانفعال فريد واستجابة خاصة جدًا لكل ما يدور حوله، ولو كانت التجربة الفنية نسخًا متكررة لانتفى أن يكون هناك ضرورة للفن أصلًا!


قراءة مسرحيات شكسبير ملهمة، وكلما تعدد تفسير العمل الواحد منها كان معنى ذلك أن الإبداع ثرى وجدير بالبقاء والقراءة، وأنه قد انتصر على الزمن فأصبح جديرًا بالخلود، بينما مات صاحبه منذ قرون، وليست هناك كلمة نقدية نهائية، ولا تجربة فنية تتجاوز أخرى أو تحل محلها، ولا توجد نقطة فى نهاية سطر الفن أبدًا.


ما يزيد على 400 سنة على وفاة العبقرى، وما زال فنه متوهجًا، تزداد دوائر تلقيه وتتسع فى كل أنحاء المعمورة، تتعدد طبعاته ويُمثَّل على المسارح، ويلهم صناع الأفلام كى ينتجوا أفلامًا مأخوذة عنه بمعالجات جديدة، ولا يكف النقاد ودارسو الأدب ومؤرخوه عن الدرس والبحث والتفسير، ويبدو أن شكسبير سيظل متصدرًا ساحات الخلود فى الفن والإبداع الأدبى إلى ما شاء الله.

 

مقالات اليوم

قد يعجبك أيضا

بوابة الشروق 2026 - جميع الحقوق محفوظة