«النيرفانا» على حبل يهتز!

السبت 25 أبريل 2026 - 5:55 م

أحبّ السير الذاتية للفنانين الكبار، خاصة إذا كُتبت بصدق واحترافية، لأنها تبدو حكاية مزدوجة عن رحلة الفنان فى سبيل التحقق والاكتشاف والإبداع؛ أى صراعه لتطويع أدواته، واستغلال ما أُتيح له من فرص، وفى نفس الوقت، وبالأساس، اكتشاف نفسه كإنسان له نقاط ضعفه وقوته، ولحظات نجاحه أو فشله.


وهذه سيرة نموذجية فى تحقيق ذلك، بل لعل هذا الكتاب الصادر عن دار لغة للنشر والتوزيع، حاملًا مذكرات الممثل الأمريكى الفذ آل باتشينو بعنوان «الفتى الحبيب»، ومن ترجمة المتميزة رولا عادل، من أفضل كتب السنوات الأخيرة المترجمة.


فى الكتاب هذا التقاطع بين الإنسان والفنان، وهذا التضفير لسيرة هذا الرجل النيويوركى الفقير ذى الأصل الإيطالى، والذى كانت أمه تختصه بلقب «الفتى الحبيب»، وبين سيرة مسرحياته وأفلامه وأدواره، والحقيقة أن الممثل يعتمد فى أداء أدواره على ذاكرته الإنسانية، وخبرته الحياتية، بنفس القدر الذى يعتمد فيه على خياله وإحساسه.


إنسانيا، يتحدث آل باتشينو عن أمه التى انفصلت عن والده، وأدخلته عالم مشاهدة الأفلام مبكرًا، وعن والده الذى حاول أن يقيم الجسور مع ابنه، دون نجاح يُذكر، وعن جده وجدته كبديلين ساهما فى تحقيق بعض التوازن، وعن الحياة مع عصابة من أصدقاء المراهقة فى برونكس، مات غالبيتهم من تعاطى المخدرات، ولكنهم كانوا رفاق الحرية.


الأسرة المفككة جعلته عازفًا عن الزواج، وجعلته خائفًا ومنعزلًا، ولكن اكتشاف المسرح، وعالم شكسبير وتشيخوف، واكتشاف مدارس لتدريب الممثل، أبرزها بالطبع تجربة «استديو الممثل»، ووجود أصدقاء لعبوا دور «الملاك الحارس» فى رعايته وتقديم المشورة، بل وانتقاء الأدوار المناسبة، كل ذلك ساعده فى مسيرته العملية.


لكنه أيضًا واجه مشكلاته بنفسه، وكانت نقطة تحول أساسية فى حياته عندما لجأ إلى طبيب، لمساعدته على الإقلاع عن إدمان الخمور والمخدرات، ودومًا، وطوال حياته، لا يستغنى عن المرأة، من الرائعة جيل كلايبورج، وتيوزداى وايلد، ودايان كيتون، إلى آخر ارتباطٍ له مع شابة صغيرة، أنجب منها طفله نورمان، وكان باتشينو وقتها قد تجاوز سن الثمانين!


فنيّا، تهدينا المذكرات دروسًا عظيمة، دون أن يتقمص باتشينو دور الحكيم، فالفن عمومًا عنده تعلّم واكتشاف وشغف أبدى، وهو يتحدث بإعجابٍ لا حد له عن ممثلين عظماء؛ مثل: مارلون براندو، وبول نيومان، وداستين هوفمان، وجاك نيكلسون، وعن أساتذة فن التشخيص لى ستراسبورج، وإيليا كازان، ويسجل إعجابه أيضًا بروبرت دى نيرو زميل المشوار، ولكنه تعلّم أيضًا من ممارسة التمثيل نفسه، واكتشف بنفسه وعمليّا الفوارق بين سيطرة ممثل المسرح على أدائه، وبين عناصر أخرى تؤثر على أداء ممثل السينما، وقد صار باتشينو أيقونة نادرة فى المجالين: المسرح والسينما.


لا يتردد باتشينو فى إعادة تقييم أدواره بكل الصدق، ولا يتردد فى الاعتراف بأزمة قرار المنتجين باستبعاده أثناء تصوير دوره فى «الأب الروحى» الجزء الأول، لولا تصوير مشهد المطعم الذى أقنع الجميع بموهبته، ولا ينسى باتشينو أن يتحدث ضاحكًا عن عدم إجادته للغة الإيطالية، وللرقص، ولقيادة السيارات، مما جعل مشهد الزفاف فى صقلية معاناة ومشكلة كبيرة.


لا يولد الممثل الناضج مرة واحدة، وإنما من خلال التعلم والاكتشاف الدائمين، ومن محاولة التوازن الصعب تجاه ما يسميه باتشينو «السير على الحبل»، وأعتقد أنه كان يسير على الحبل المهتز طوال الوقت، إنسانيّا وفنيّا، سواء عبر البحث عن الأدوار المميزة، أو من حيث الاستقرار العائلى والمادى، وكم تعرض للإفلاس والنصب، بسبب إسرافه، وفشله فى إدارة أمواله.


استوقفتنى كثيرًا مسألة «الطريقة المنهجية» فى الأداء، فى رأى باتشينو أنها مساحة للتجريب والاكتشاف، أكثر من كونها قواعد جامدة، ولكنها واضحة الهدف، بأن يمتلك الممثل الشخصية، فكأنها تنطق بلسانه هو، والحالة بأكملها تشبه حالة «النيرفانا»، والسعادة الروحية الخالصة، والوصول إلى الراحة والتوازن الكامل، عندها لا يفكر الممثل فى شهرة أو أموال، وإنما يمارس متعة ذاتية، لا توازيها أى متعة أخرى.


التكنيك عند باتشينو ليس غاية أبدًا، ولكنه وسيلة للوصول، وأداة لاستفزاز قدرات الممثل الكامنة، وتقديمها بصورة طبيعية، ويضرب مثلًا بجهد كبير بذله فى دراسة حركة الأشخاص مكفوفى البصر، من أجل أداء دوره العظيم فى فيلم «عطر امرأة»، ذهب للجلوس وللكلام معهم، وعاد ليطلب من طفلته أن تمثّل له ما تتخيله عن حركة الشخص الكفيف، فأذهلته بحركة فطرية متقنة، أفضل من أدائه.


فى الكتاب تفاصيل وكواليس أدواره المميزة، وأفلامه التى أخفق فيها، أو لم تحقق نجاحًا، ولكنه كان دومًا عاشقًا لمهنته، لذلك كتب وأنتج ومثّل فيلمًا فنيّا مميزًا هو «البحث عن ريتشارد»، عن تجربته فى تقديم مسرحية «ريتشارد الثالث»، وقد كان يحن دومًا للمسرح، حتى وهو فى ذروة نجاحه السينمائى، وكان يقوم بدعم وتمويل أفلام صغيرة، أحب المشاركة فيها.


بدون هذا الشغف الدائم لا معنى للحياة، حتى التقدم فى السن، لا يمكنه أن يهزم الروح، وحب الاكتشاف، اكتشاف المهنة والحياة معًا.


فى سن الخامسة والثمانين مثلًا، يتمنى باتشينو تقديم مسرحية «الملك لير» برؤية جديدة، ويحلم بمغامرة فنية تمكنه من إيجاد حلول تقنية، لتحويل تجربة تشخيص دور جديد إلى «نيرفانا»، تمتع الممثل، قبل أن تمتع الجمهور.


مذكرات ممتعة، أضافت إليها المترجمة رولا عادل هوامش تفصيلية ممتازة، جعلت الكتاب أكثر إمتاعًا، أما معنى الرحلة فلم يذكره باتشينو صراحة، لأنه يكره النصائح، ولكنه يصل إليك رغم ذلك قويّا ومؤثرًا.


سر النجاح فى هذا المزيج بين البساطة والتعقيد، وبين الإنسان والفنان، وفى أن تقف دومًا لتأمل تعقيد ذاتك وصراعاتك الداخلية، وتعقيد هذه الهبة الربانية التى نسميها الموهبة، والتى تحتاج سعيًا وجهدًا وعملًا أضعاف حجمها.


قدرُنا أن نمشى فوق حبال تهتز، وأن نحاول باستمرار، فإذا نجحنا حصدنا إعجاب وتصفيق جمهور يشاهد مغامرًا شجاعًا، وإن سقطنا حصدنا التعاطف مع من حاول واجتهد، فى مواجهة الصعاب والمخاطر.

مقالات اليوم

قد يعجبك أيضا

شارك بتعليقك

بوابة الشروق 2026 - جميع الحقوق محفوظة