الطب فى المجتمع العربى بين العلم والخرافة

السبت 25 أبريل 2026 - 5:50 م

لماذا أصبحت تجد الخرافة فى العصر الحالى طريقها بسهولة إلى عقول المتعلمين؟ العلم والخرافة لا يجتمعان، لأن منطقهما مختلف، وحين نتحدث عن «عقول المتعلمين» فليس بالضرورة أن يكون هؤلاء من العلماء المرموقين أو المشهورين أو حاملى الشهادات العليا، ولكن يكفى أن يكون الشخص قد حصل على قدر معقول من التعليم الجامعى لنستنكر عليه أن يصدق الدجل والخرافة، بل ويروج لها أيضًا! أخطر ما فى الخرافة المعاصرة أنها لم تعد تظهر فقط فى صورة دجال القرية، أو فى شكل وصفة شعبية متوارثة، أو رجل يبيع الوهم لمن لا يملكون طريقًا آخر. هذه الصور ما زالت موجودة بالطبع، لكنها ليست الأخطر. الأخطر اليوم أن الخرافة صارت تعرف كيف تدخل من باب العلم نفسه: من باب الشهادة، واللقب، والبالطو الأبيض، والمصطلحات الطبية، والثقة الزائدة فى النفس.


• • •
لذلك فالسخرية من الناس الذين يصدقون كلامًا غريبًا عن العلاج والمرض رغم أهميتها لأنها ببساطة طريقة هامة لتفكيك الخرافة والحث على عدم التطبيع معها، إلا أن المسألة أعقد من ذلك. كثيرون يصدقون الخرافة لا لأنهم أغبياء، بل لأنهم خائفون. يخافون من المرض، من المستشفيات، من تكلفة العلاج فى ظل ظروف اقتصادية صعبة، من الدواء وآثاره الجانبية، من تجربة طبيب لم يسمعهم جيدًا، أو من نظام صحى يتعامل معهم كملفات وأرقام وتحاليل ولا ينظر إلى شخوصهم واحتياجاتهم. فى هذه اللحظة، يأتى شخص واثق، يتحدث ببساطة، ويقول لهم إن الحل أسهل مما يظنون، وإن العلم الرسمى يخفى الحقيقة، وإن الدواء تجارة، وإن الشفاء فى وصفة طبيعية أو نظام غذائى أو اكتشاف شخصي. هنا لا يبيع هذا الشخص الخرافة فقط، بل يبيع الطمأنينة أيضًا ومن هنا يتمكن من الترويج لبضاعته (أفكاره) بسهولة!


لكن الطمأنينة المؤقتة قد تؤدى إلى خراب وندم لاحق. واللغة الواثقة ليست فى حد ذاتها دليلاً على الخبرة أو الصحة العلمية، كما أن الشهادة المهنية، مهما كانت رفيعة، لا تمنح صاحبها حق تحطيم قواعد المعرفة. الطبيب، أو الأستاذ، أو الباحث، يمكن أن يخطئ. بل إن خطأه أخطر من خطأ غير المتخصص، لأن الجمهور يمنحه ثقة أكبر. ولهذا تحديدًا ينبغى أن نميز بين الشخص ومكانته من جهة، وبين صحة الفكرة التى يطرحها من جهة أخرى. العلم لا يقوم على محبة الناس لقائل الكلام، ولا على قوة حضوره، ولا على كثرة متابعيه، بل على طريقة محددة فى التفكير والاختبار والمراجعة.


• • •
للعلم ثلاث أعمدة، تميزه عن غيره وبدون هذه الأعمدة الثلاثة لا يمكن وصف أى معرفة مهما ظهرت كأنها منسقة ومنمقة بأنها علم، وهذه الأضلاع هى: التجربة، والمناظرة، والتراكم.


التجربة هى أول ما يفرق العلم عن الانطباع أو الملاحظات العابرة. كل إنسان لديه حكايات. هذا جرب شيئا فتحسن، وذاك ترك دواءه وشعر أنه أفضل، وثالث استخدم وصفة معينة فظن أنها سبب الشفاء. هذه الحكايات قد تكون صادقة من حيث الشعور الشخصي، لكنها لا تكفى لإثبات علاقة علمية. الإنسان يميل بطبيعته إلى الربط بين الأشياء التى تحدث معًا. وقد يتحسن المريض لأسباب كثيرة: لأن المرض كان فى طريقه للانحسار، أو لأن جسده استجاب ببطء لعلاج سابق، أو لأن حالته النفسية قد تحسنت، أو لأن التشخيص الأول لم يكن دقيقًا، أو لأن ما حدث كان استثناء لا قاعدة.


لذلك لا يسأل العلم: هل توجد حكاية مؤثرة؟ بل يسأل: هل توجد تجربة منضبطة؟ هل جُربت الفكرة على عدد كاف من الناس؟ هل وُجدت مجموعة مقارنة؟ هل أمكن تكرار النتيجة؟ هل ظهرت نفس النتائج لدى باحثين مستقلين؟ هل نعرف الأضرار كما نعرف الفوائد؟ هذه الأسئلة قد تبدو مملة للبعض، لكنها هى التى تحمى حياة الناس. فالطب ليس مجالًا مناسبًا للارتجال. خطأ صغير فى نصيحة عامة قد يدفع مريضًا إلى ترك علاج ضروري، أو تأخير جراحة، أو إهمال مرض سرطانى فى بدايته، أو استبدال الدواء بوصفة لا يعرف أحد حدودها، وقد يكلف كل هذا الشخص حياته كلها!


ثم تأتى المناظرة. العلم الحقيقى لا يطلب الحصانة من النقد. لا يقول لنا: صدقونى لأننى أعرف أكثر منكم. ولا يهرب من الأسئلة الصعبة باتهام الآخرين بالجهل أو المؤامرة أو خدمة شركات الأدوية. نعم، شركات الدواء يمكن أن تكون جشعة. نعم، الطب التجارى له مشكلاته وللأسف مع العصر الرأسمالى المتوحش فإن أخلاقيات شركات الدواء فى انحدار. نعم، المؤسسات الطبية ليست ملائكة، بل وهناك بالفعل أطباء بلا ضمير. لكن نقد هذه المؤسسات شيء، وهدم الثقة دفعة واحدة فى العلم كله شيء آخر. المناظرة العلمية تعنى أن الفكرة تدخل ساحة النقد: تُنشر، تُراجع، تُفحص، تُهاجم، يُعاد اختبارها، وقد تثبت أو تسقط أو تتعدل لاحقًا. أما الخرافة فتكره المناظرة لأنها تعيش على الإبهار. تحب الجملة القاطعة: «اكتشفت الحقيقة»، «هم لا يريدونكم أن تعرفوا«، «العلاج موجود لكنهم يخفونه»، «كل ما تعلمتموه خطأ»! هذه الجمل جذابة لأنها تمنح المستمع شعورا بأنه أصبح من القلة التى فهمت السر. لكنها فى الحقيقة تلغى العقل. فبدلًا من أن نسأل عن الدليل، ننشغل بالحكاية: هناك مؤامرة، وهناك بطل وحيد، وهناك جمهور عليه أن يصدق قبل أن يسأل، بل دون أن يسأل!


العلم لا يعمل بهذه الطريقة. العلم لا يخاف من قول: «لا نعرف بعد». لا يخجل من تعديل رأيه. لا يجد مشكلة فى أن يغير توصية قديمة إذا ظهرت أدلة جديدة. وهذا يقودنا إلى العمود الثالث: التراكم. المعرفة العلمية لا تولد كاملة فى رأس شخص واحد. حتى الاكتشافات الكبرى لم تظهر من فراغ. وراء كل تقدم علمى سنوات من تجارب فاشلة، وأسئلة صغيرة، وملاحظات متراكمة، ونقاشات، وتصحيحات، ومناظرات. لهذا يبدو العلم أحيانًا بطيئًا، متحفظًا، غير مجاملاً، لكن البطء والتحفظ والصراحة تأتى من كون العلم مسئولًا. الخرافة أسرع لأنها ببساطة لا تتحمل عبء الإثبات.


التراكم لا يعنى أن العلم مقدس أو نهائى. بالعكس، من أجمل ما فى العلم أنه متواضع، يعرف أنه غير مكتمل، بشرى، مدنس. الدواء الذى بدا فعالا قد تظهر له آثار جانبية. النظرية التى بدت قوية قد تحتاج إلى تعديل لاحق. بروتوكولات العلاج تتغير. توصيات التغذية تتبدل. لكن هذا ليس دليلًا على فشل العلم، بل دليلًا على حيويته ومسئوليته. العلم يصحح نفسه لأنه يسمح بالخطأ ويصمم أدوات لاكتشاف هذا الخطأ. أما الخرافة فلا تصحح نفسها؛ إذا فشلت، اتهمت المريض بأنه لم يطبق الوصفة جيداً، أو اتهمت المنتقدين بأنهم أعداء الحقيقة والنجاح أو أنهم متآمرون!


• • •
هناك أيضا بعد أخلاقى لا يجوز تجاهله. الكلام فى الصحة ليس مجرد رأى. من حق أى إنسان أن ينتقد، وأن يسأل، وأن يشك، لكن ليس من حقه أن يقدم للناس يقينًا زائفًا فى مسائل قد تمس حياتهم. حين يتحدث شخص مؤثر عن المرض والعلاج، فهو لا يتكلم فى فراغ. هناك مريض يسمعه وهو فى لحظة ضعف. هناك أم قلقة على ابنها. هناك شخص خائف من السرطان. هناك مريض سكر أو قلب أو كلى يبحث عن أمل. الكلمة هنا قد تصبح قرارًا، والقرار قد يصبح خطرًا.


وهذا كله لا يعنى أن نغلق الباب أمام التفكير المختلف أو الطب الوقائى أو أهمية الغذاء والحركة والصحة النفسية. بالعكس، جزء كبير من أزمة الطب الحديث أنه تأخر أحيانًا فى التعامل مع الإنسان ككل، لا كعضو مريض فقط. لكن الفرق شاسع بين أن نقول إن نمط الحياة يساعد على الوقاية وتحسين الصحة، وبين أن نقول إنه بديل شامل عن العلاج. بين أن نشجع الناس على الأكل الصحي، وبين أن نحول الطعام إلى عقيدة علاجية تفسر كل مرض وتعالج كل شىء. بين نقد الإفراط فى الدواء، وبين دفع الناس إلى كراهية الدواء من حيث المبدأ.


المجتمع الذى يريد أن يحمى نفسه من الخرافة لا يحتاج فقط إلى مزيد من المعلومات، بل إلى تدريب أفضل على السؤال. لا تسأل فقط: من قال؟ اسأل: كيف عرف؟ أين الدليل؟ من راجعه؟ هل هناك إجماع؟ هل هناك خلاف علمى حقيقى أم ضجيج إعلامى؟ هل الكلام موجه لكل الناس بلا تمييز؟ هل يعد بنتائج مطلقة؟ هل يطلب منك أن تترك علاجا مثبتا؟ هل يعتبر كل ناقد عدوا أو جاهلًا أو مأجورًا؟ هذه الأسئلة البسيطة قد تنقذ حياة!


الخرافة لا تنتصر لأنها أقوى من العلم، بل لأنها أحيانا أدفأ منه وأسرع وأبسط. تقدم للناس إجابات نهائية فى عالم مرهق ومربك. أما العلم فيقدم احتمالات، ونسبا، وتحفظات، وشروطا. لذلك يبدو أقل جاذبية. لكنه، رغم كل عيوب المؤسسات التى تحمله، يظل الطريق الوحيد الذى اخترعه البشر لتقليل الوهم وزيادة الفهم.


العلم ليس لقبًا يحمله صاحبه إلى الأبد، وليس شهادة تعلق على الحائط، وليس لغة معقدة ترهب الناس. العلم طريقة فى احترام الحقيقة: تجربة قبل الادعاء، ومناظرة قبل اليقين، وتراكم قبل القفز إلى النتائج. وما لا يمر من هذه الأبواب الثلاثة قد يكون رأيًا، أو انطباعًا، أو أملًا، أو تجارة، أو خرافة جميلة المظهر، لكنه لا يصبح علمًا أبدًا!

 

أستاذ مشارك العلاقات الدولية، والمدير المشارك لمركز دراسات الشرق الأوسط بجامعة دنفر

مقالات اليوم

قد يعجبك أيضا

بوابة الشروق 2026 - جميع الحقوق محفوظة