فى زيارة قمت بها منذ وقت قريب إلى نيويورك لاحظت فى أكثر من مكان أن بعض الشباب يقف على النواصى يدخن المخدرات فى الشارع بشكل علنى دون أن يتخفى أو يستتر. كانت الرائحة تلفت انتباهى وعندما أقف لأستطلع الأمر فإن الشباب كانوا يبتسمون فى مودة ويرفع بعضهم يده بالتحية مع عرض بالمشاركة!
يبدو أن الدنيا تغيرت دون أن أدرى. أعادت هذه المشاهد إلى ذهنى ذكريات قديمة عندما كثر الحديث فى المجتمع عن أزمة جديدة أضيفت إلى الأزمات التى عانى منها الناس فى مصر وهى أزمة نقص الحشيش فى الأسواق وارتفاع أسعاره إلى مستويات لم يصل إليها من قبل نتيجة حملات الداخلية على المهربين والتجار. وقتها امتلأت الصحف بالأعمدة الساخرة والرسوم الكاريكاتورية التى دعت إلى تدخل المسئولين لتوصيل الكيف لمستحقيه حتى يهدأوا و"يستكنيصوا" وإلا فإنهم قد يثيرون الاضطرابات والقلاقل وربما تتفتح أعينهم على المطالبة بحقوقهم الأساسية فى العمل والسكن والتعليم والعلاج!
وبعيدًا عن السخرية فإننى استمعت إلى رأى لأحد الحكماء كانت خلاصته أن أى مجتمع فى الدنيا يحتاج إلى قدر من التنفيس، والناس فى كل زمان ومكان توجد بينهم شريحة تتعاطى المخدرات، وهذه الشريحة ليست ثابتة لكن يدخل إليها كل يوم أعضاء جدد ويخرج منها أفراد جرّبوا ولم يقتنعوا. وقد رأيت بنفسى كيف يباع الحشيش فى هولندا تحت مظلة القانون، كما رأيت تجار الصنف يمرحون فى شارع سانت كاترين بمونتريال وفى مانهاتن بنيويورك، والتقيت كذلك من يبحث عن الهيرويين فى السالمية بالكويت.. ومؤخرًا عرفنا أن كندا سمحت بصرف الحشيش والماريجوانا لأصحاب المزاج من الصيدليات بوصفة طبية!
فى أوائل الثمانينيات كانت تلمع فى سماء القاهرة أسماء مدوية كالطبل مثل كُتكت وأم عنتر ومصطفى مرزوق، وهم تجار مخدرات أصدقاء للشعب، بضاعتهم جيدة وأسعارهم معقولة. كنت أسمع عنهم من بعض أصدقائى وأندهش من فكرة أن يشترى الناس الحشيش من الباطنية والجيارة وغيرهما على الملأ، ولم أكن أصدق حكاية من يقفون فى الحوارى وأمامهم طاولات يقومون بتقطيع الحشيش عليها ومعهم موازين دقيقة تؤدى عملها بالعدل والقسطاس، والباعة سعداء والمشترون راضون. عندما عرض علىّ أحد الأصدقاء أن يصطحبنى معه فى رحلة إلى الباطنية لشراء التموين الخاص به سألته عن معدلات الأمان فى الرحلة، فطمأننى بأنه حيثما توجد راحة البال يوجد الأمان!
وجدت نفسى أرحب بالعرض وأنا أشعر بالإثارة الممزوجة بقدر من الخوف. دخلنا الباطنية من جهة شارع الأزهر وكانت تقف عند المدخل قوة شرطة مسلحة، وعرفت من صديقى أنه من المستحيل أن يعثر البوليس على أى شىء عند عمل الحملات لأن النواطير يتولون الإبلاغ الفورى لدى أى تحرك للقبض على بائعى الصنف. كما أخبرنى بأن وجود الشرطة يكفل التعامل الأمين بين البائع والمشترى داخل الشارع خشية وقوع الخلافات التى قد تحمل ممثلى القانون على التدخل.. ورأيت للأمانة أن هذا هو جوهر القانون ومبرر وجود أجهزة الأمن.. أقصد إشاعة الوئام بين الناس وتغليبهم لروح الود!
شاهدت كل ما سمعت عنه ورأيت بعينى قوانين السوق والتجارة الحرة ومفاهيم الجات.. ودعه يعمل، دعه يمر، دعه يلف فى السولوفان!
مال صديقى على أحد البقالين وأحضر لى بسطرمة وجبنة رومى وزيتون وعيش فينو لأنه يعلم أن هذا هو أكثر ما يعدل مزاجى!
جلست على حجر بالحارة آكل البسطرمة وأرقب عمليات البيع والشراء وأتابع صديقى يتقدم فى الطابور المنتظم ويحصل على مبتغاه.. الغريب أن أحدًا فى الطابور لم يحاول أن يتجاوز دوره أو يتقدم على الآخرين كما اعتادت الناس أن تفعل فى طابور الجمعية أو السينما أو أى طابور! واصلنا توغلنا داخل الباطنية حتى نهاية الحارة ثم صعدنا مرتفعًا بدأ يعلو ويعلو، وأدركت بعد أن صعدت قليلًا أننا فوق جبل من الزبالة والركام والأتربة. أكملنا الصعود وكان الليل قد بدأ يرخى سدوله.
سألت صديقى عن الغرض من صعود التل فأخبرنى أنه سيقوم بضرب حجرين فى إحدى العشش المنتشرة فوق قمة جبل الزبالة. جدير بالذكر أن هذا التل قد أزيل وأقيمت مكانه حديقة الأزهر. جلست بجوار صديقى داخل عشة رثة وأنا أتابع بعينىّ الجالسين بجوارنا على الأرض ولكل مجموعة صبى يقوم بالتخديم عليها فيحضر الفحم ويضبط الجوزة ويوقع بإمضائه فوق كل حجر. بذل الصديق محاولات يائسة لحملى على التجريب حتى أكون جزءًا من الأحداث لا شاهدًا عليها، لكن حكاية انتقال الجوزة من فم لفم كانت شيئًا مقرفًا بالنسبة لى، ومن ثم حسمت قرارى بالرفض القاطع. كانت العشة مظلمة وكذلك العشش المجاورة وكان ضوء شمعة أو مصباح جاز فى كل عشة يكفى لرؤية خيالات مخيفة على الحوائط، وانتشر الضحك المتصاعد من العشش فى جنبات الجبل رغم أن النكت والإيفيهات الصادرة عن الجالسين كانت شديدة السماجة وليس بها ما يضحك غير أن ضعف الإحساس لدى أهل الكيف كان يسهل ضحكهم على أى شىء!
فجأة دوى فى الظلام صوت جهورى أجش كأنه صادر من جوف تنين صارخًا على مقربة من أذنى: الحكومة يا توفيق!
لم أعرف مَن هو توفيق ولكن الشموع انطفأت وساد الهرج، وما أدرى إلا وصديقى يشدنى من يدى ويدفع بى إلى الجانب الآخر من المنحدر، وإن هى إلا لحظات حتى تعثرنا ووقعنا وتدحرجنا، ثم وجدت نفسى أقوم مدفوعًا بالرعب وأجرى وحدى مبتعدًا فى طريق صلاح سالم وفى داخلى تدوى الصيحة التى لم أنسها أبدًا: الحكومة يا توفيق!