من مشربية توماس
الخميس 23 أبريل 2026 - 6:45 م
عندما فكرتُ فى مدخل لعرض كتاب توماس جورجسيان الصادر عام ٢٠٢٥ عن دار الشروق تحت عنوان «إنها مشربية حياتى- وأنا العاشق والمعشوق»، لم أجد أفضل من الجملة التى أوردها توماس نقلًا عن الكاتب الأرمنى الأمريكى ويليام سارويان فى وصف حال الأرمن «إذا التقى اثنان منهم فى أى مكان فى العالم فانظر لكى ترى كيف ستولد أرمينيا جديدة». المعنى المباشر لهذه الجملة هو أن الأرمن شعب متعدد المواهب وبالتالى فأينما وُجِد أبناؤه فإنهم يبرزون ويتألقون فى طيف واسع جدًا من المهن والحرف والثقافة والفنون ولم لا فى السياسة أيضًا؟ وهذا هو ما حدث مع هجرة الأرمن لمصر. وكتاب توماس مملوء بنماذج لا أول لها ولا آخر عن الجواهرجية والخياطين والموسيقيين والفنانين التشكيليين والممثلين والمصورين وتجار الجلود الأرمن الذين كانوا جزءًا أساسيًا من نهضة مصر فى النصف الأول من القرن العشرين، وهم الذين أهدوا مصر واحدة من أجمل فواكه الشتاء وربما أجملها على الإطلاق: ثمرة اليوسفندى. لكن المعنى غير المباشر للجملة التى تقول إنه حيثما يلتقى أى اثنين من الأرمن فإنهما يصنعان أرمينيا جديدة، فهو أن الشعب الأرمنى هو شعب معتد بهويته، ويمتلك إرادة مذهلة على تحمّل الصدمات ومقاومة الفناء، وهذا النوع من الشعوب إنما جاء ليبقى. وهكذا فعندما هاجر أبو توماس وجده وأخو جده إلى القاهرة هربًا من المذابح التركية ضد الأرمن فى عشرينيات القرن الماضى، فإنهم فعلوا كما فعل كل الأرمن.. حملوا أرمينيتهم معهم. تحوّل بيت الست روزيت أم توماس إلى أرمينيا صغيرة حيث الصلاة والأغانى والكلام والحواديت كلها باللغة الأرمنية، ولأن للذاكرة البصرية دورها فى تثبيت الهوية فإن صورة أرمينيا على الحائط كانت ضرورية لربط هنا بهناك. وعندما يولد الطفل توماس سيتشبع تلقائيًا بهذه المقدرة على الربط بين قاهريته وأرمينيته، أى بين هنا وهناك، تمامًا كما فعل محمود درويش الذى يكّن له توماس تقديرًا خاصًا لأنه كمثل معظم الفلسطينيين حمل معه وطنه حيثما ذهب. وسيظل توماس مصّرًا على التعبير عن ذكرياته بالفعل المضارع، تثبيتًا للجذور وفى الوقت نفسه للربط بين الأماكن والأزمنة. يزور أرمينيا مسلحًا بكلمات نجيب محفوظ عن أن الحياة قادرة على أن تمسح فى لحظة أحزانًا يعجز المحيط عن غسلها، وتتفتح شهيته على رائحة التقلية المصرية الشهية قبل صلاة الجمعة وهو محاط بأفراد أسرته الأرمنية بعد أن تشعّبت وتفرّع عنها أكثر من جيل. إنه الأرمنى المصرى شديد الاعتزاز بثنائيته حتى إذا وصفه أحدهم بالخواجة، رد عليه بخفة ظله المعهودة «ما خواجة إلا الشيطان». وفى الحقيقة فإن الشخص الذى لا يعرف أصول توماس جورجسيان لا يمكن له أن يشك لحظة واحدة فى كونه ابن بلد من الطراز الأول، وكل ما فى الأمر أنه ملوَن حبتين. وكم من عائلات مصرية أبًا عن جد لأبنائها نفس ملامحه.
• • •
بطول ١٨٦ صفحة يأخذنا توماس جورجسيان لنمّر على أهم شوارع قاهرته التى شكّلت عقله ووجدانه ومزجت فى داخله بين هنا وهناك. شوارع حى شبرا.. حيث وُلد وتربّى ودخل الحضانة الأرمنية بشارع الترعة البولاقية وتردد على نادى الشرق الأدنى بشارع الخزندار والتقط له المصور صورة ستة فى تسعة فى استوديو فوبيس وزار الكنيسة وكل مستودعات الأيام الخوالى والذكريات. وشبرا هى حاضنة ملائمة تماما لفكرة الجمع والربط والتضفير التى لا يستطيع معها أحد أن يدعى امتلاك الحقيقة المطلقة ولا الاستئثار لنفسه بالوطنية الخالصة. ثم هناك شارع القصر العينى حيث كلية الصيدلة التى دخلها فى فترة كانت تموج فيها الجامعة بالصراع بين جماعات إسلامية تستعرض قوتها وتيار يسارى يتصدى لها. فى القصر العينى أيضًا يوجد مقر جريدة روزاليوسف التى أخذَت من عُمر توماس سنين ومن حواراته مع عمالقة الصحافة راقات. وعندما نمد خط شارع القصر العينى على استقامته سنجده ينتهى بنا إلى وسط البلد التى تعلّق بها قلب توماس وما يزال. ففى شارع عدلى كان يوجد محل إصلاح الأحذية لجده من ناحية أمه ومحل بابيك لأدوات التدخين الذى يمتلكه عمه، وفى شارع عبدالخالق ثروت كان يوجد بيت خالته، أما بيت خاله وجدته لأمّه ففى شارع شامبليون. لكن حدود وسط البلد فى حياة توماس جورجسيان أبعد كثيرًا من ذلك وتأثيرها أعمق كثيرًا من ذلك، ففيها سينمات راديو ومترو وميامى وريڤولى... إلخ وقهوة بعجر وكشرى جحا وميلفوى الأمريكين وكازينوهات شارع عماد الدين. ثم أن وسط البلد هو المكان الذى سمح لتوماس أن يرتدى قبعتين وأن يجمع بين نوعين آخرين من هنا وهناك. فمن ناحية ارتدى قبعة الصيدلى من خلال عمله بصيدلية مترو أثناء دراسته وبعد تخرجه، ومن خلالها كوّن شبكة واسعة جدًا من العلاقات مع زبائن جمعَت بينهم روشتات الأطباء وفرَقت بينهم أشياء كثيرة. وكأرمنى/مصرى ملتزم حرص توماس على توضيح أنه كان يدردش مع الزبائن فى وقت الراحة أو بعد انتهاء ساعات العمل، كى لا يتصور القارئ لا سمح الله أنه كان يلعب أثناء الشغل. ومن ناحية أخرى ارتدى توماس قبعة الصحفى من خلال كتابته فى جريدة الهوسابير ومعناها "الآتى بالأمل" باللغة الأرمنية ثم فى مجلة صباح الخير، وأعد رسالته للماچستير فى الجامعة الأمريكية بميدان التحرير عن تأثير الأعمدة اليومية على الرأى العام.
• • •
وعندما نصل إلى هذه القبعة الثانية التى استحلى توماس لبسها فى البداية ثم لم يعد يلبس سواها تاركًا عالَم الصيدلة إلى بلاط صاحبة الجلالة، سيكون علينا أن نقف طويلًا أمام جريدة الأهرام فى شارع الجلاء حيث سيأخذنا توماس ليعرّفنا على أسطوات المبنى أسطى أسطى، لنفهم منه أحد أسرار شطارته الصحفية: الاستماع للكبار للتعلّم لا للنشر. لم يكن توماس ساذجًا كى يضحّى بفرص الاستماع إلى توفيق الحكيم ونجيب محفوظ ويوسف إدريس وإحسان عبدالقدوس ويحيى حقى وكل عمالقة هذه الفترة فى مقابل أن يفوز بسبق صحفى حولهم ومانشيتات مغرية بالبنط الكبير. بل هو استمع وهضم وتعلم وعندما ذهب هؤلاء إلى خالقهم وجاءت لحظة الكتابة عنهم، اختار بعناية ما يقال وحجب ما لا ينبغى أن يقال.
• • •
إن السيرة الذاتية لتوماس جورجسيان من الغنى بحيث يصعب جدًا الإحاطة بها فى مقال، ففيها تفاصيل كثيرة عن أسرته قبل زواجه وبعده، وعن الأرمن المصريين الذين أضافت «يان» الموجودة فى نهاية أسمائهم لمصر بهجةً وغنىً وتنوعًا ما أحلاهم. فى سيرته حواديت عن تنقلاته من القاهرة لأمريكا فالدوحة ثم لأمريكا مرة أخرى. وفيها أيضًا رغم اللُطف الملازم لكل صفحاتها بعض مرارة التاريخ التى يصعب أن يخطئها إحساس القارئ.
مقالات اليوم
قد يعجبك أيضا