حرب أم لا حرب؟
احتواء محتمل بالتفاوض أم مواجهة مفتوحة بالسلاح؟
السيناريوهات كلها مطروحة بالقدر نفسه.
لا يمكن ترجيح سيناريو، أو استبعاد آخر.
تتضارب السيناريوهات المحتملة من لحظة إلى أخرى.
إنها طبيعة شخصية الرئيس الأمريكى «دونالد ترامب» فى إدارته للأزمات الدولية.
اعتاد أن يعطى إشارات متعاكسة، الشىء ونقيضه فى الوقت نفسه، بدواعى الإرباك المقصود، أو بغير تخطيط وقصد.
استبعد الحرب واصفًا قرار وقف الإعدامات بحق (800) متظاهر بـ«الحكيم».
عاد بعد ساعات ليلوح مجددًا بإسقاط حكم المرشد «على خامنئى».
«إيران تحت قيادته أسوأ مكان فى العالم للعيش فيه».
فى التصريحين المتناقضين بدا الرئيس الأمريكى رجلًا تحكمه أهواؤه.
فى الأول، أراد أن يعزو لنفسه نجاحًا كبيرًا فى إجبار القيادة الإيرانية على ما يريد بذريعة حماية المتظاهرين.
وفى الثانى، بدا كرد فعل على وصف «خامنئى» له بأنه «مجرم يتحمل مسئولية التحريض المباشر على الاضطرابات التى ألحقت بإيران أضرارًا مادية وبشرية هائلة».
بنص كلام «خامنئى»، فهو لا يريد جر بلاده إلى الحرب، لكنه لم يكن مستعدًا لتلقى الاتهامات دون رد، حتى لا يبدو النظام كله ضعيفًا وهشًّا.
بين التهدئة المراوغة والحرب المحتملة تداخلت السيناريوهات المتضاربة عند هدف واحد: «تفكيك النظام الإيرانى».
بدا مثيرًا للالتفات أن الإيرانيين ينفون تمامًا أن تكون قد صدرت أية أحكام بالإعدام بحق المنخرطين فى الاحتجاجات الشعبية، التى شملت البلد كله.
أرقام الضحايا محل سجال بالغ الحدة إيرانيًا ودوليًا.
المحتجون يصلون بها إلى مستويات غير مسبوقة، تأكيدًا على شدة القمع ووحشيته.
السلطات بدورها تركز على سقوط أعداد كبيرة للغاية من رجال الأمن بيد مسلحين، فى تفرقة واضحة بين الاحتجاجات الشعبية المشروعة والعصابات المسلحة، التى تحركها أجهزة استخبارات أمريكية وإسرائيلية تمويلًا وتسليحًا.
باعتراف «ترامب»، فإنه لا تتوافر لديه معلومات مدققة عن أرقام الضحايا، لكنه بدا مندفعًا إلى الحرب قبل أى تحقق.
فى الوقت نفسه تأكدت أخبار عن تدخلات خليجية وأوروبية وإسرائيلية، بحسابات متناقضة، تطلب إرجاء الحرب.
يخشى الخليجيون أن تمتد كتل النيران إلى بلدانهم المجاورة.
وكان خفض مستوى التحذير الأمنى فى قاعدة «العديد» الأمريكية بدولة قطر مؤشرًا على ابتعاد شبح الحرب.
يميل الأوروبيون إلى التشدد المفرط فى فرض العزلة الدبلوماسية والتجارية على طهران دون انجراف إلى الحرب، التى قد تؤذى مصالحهم الاستراتيجية والنفطية.
ويطلب الإسرائيليون وقتًا إضافيًا للاستعداد العسكرى الدفاعى قبل أية مواجهة جديدة مع الصواريخ الباليستية الإيرانية الأكثر تقدمًا وتدميرًا.
بتقدير راجح فإن «ترامب» لا يريد أن يتورط فى حرب طويلة الأمد، لكنه لا يستبعد الفكرة كليًا.
يميل إلى ضربات محدودة ومؤلمة حتى لا يقال إنه تراجع مضطرًا، فيما يضغط حليفه رئيس الوزراء الإسرائيلى «بنيامين نتنياهو» على أن تكون الحرب شاملة وتفضى نتائجها إلى إسقاط النظام.
بمعنى آخر، فهو يريدها حربًا بالوكالة للتخلص من صداع الدور الإيرانى فى المنطقة.
خيار الحرب تعارضه النسبة الأكبر من الأمريكيين، فيما هاجس «ترامب» الرئيسى خسارة الانتخابات النصفية لمجلسى الكونجرس فى الخريف المقبل.
إذا خسر الحزب الجمهورى الانتخابات الوشيكة فسوف تتقوض سيطرته على مجلسى الشيوخ والنواب، بما يتبعه من عواقب سياسية وقيود غليظة على تصرفاته وسياساته شبه الانفرادية فى بلد يُفترض فيه خضوعه للعمل المؤسسى، لا أهواء الرئاسات.
ومعضلته الجوهرية إخفاق سياساته الاقتصادية فى خفض نسب التضخم وكبح غلاء الأسعار.
لا يراجع سياساته بقدر ما يبحث عن حلول بالسيطرة على الموارد الطبيعية فى دول أخرى.
البترول الإيرانى هدف مباشر.
يصعب تسويغ دخول ثلاثة حروب متزامنة أمام الرأى العام الأمريكى: حرب برية غير مستبعدة مع فنزويلا لإحكام السيطرة على ثرواتها النفطية، وحرب من نوع آخر مع الحلفاء الأوروبيين حول جزيرة جرينلاند، وهذه أخطر وأفدح دون طلقة رصاص واحدة، تنهى التحالف الغربى وتقوض حلف «الناتو».
إذا ما اندلعت حرب واسعة مع إيران فإنها تنذر بانهيارات كبرى فى الشرق الأوسط كله، لا إيران وحدها.
تفكيك إيران يعنى – بالضبط – جر المنطقة إلى فوضى ضاربة، عرقية وطائفية ومذهبية.
إنه الشرق الأوسط الجديد تحت القيادة الإسرائيلية شبه المطلقة.
القضية ليست إيران، بل الحقائق الجيوستراتيجية فى المنطقة كلها، طبيعتها وموازين القوى فيها ومستقبلها.
إيران ميدان للصراع على المنطقة، وليست الصراع كله.
لم تكن نصرة المظاهرات والاحتجاجات الشعبية هدفًا أمريكيًا حقيقيًا، بل محض ذريعة تدخل لتفكيك إيران.
على خلفية أزمة اقتصادية خانقة تضرب الإيرانيين بقسوة بالغة، وانخفاضات غير مسبوقة فى قيمة العملة المحلية، اكتسبت مطالب الاحتجاجات شرعيتها وزخمها.
كان انقطاع التيار الكهربائى فى بلد يملك احتياطات ضخمة من النفط والغاز داعيًا للتساؤل عن الإهمال والفساد وضرورات الإصلاح فى بنية النظام نفسه.
تجمعت فى بوتقة الاحتجاجات شرعية الغضب مع التوظيف السياسى والاستخباراتى لإسقاط النظام على خلفية أدواره فى دعم القضية الفلسطينية.
لم يُعهد عن «ترامب» أى دعم للتحركات الشعبية؛ كل ما يعنيه فى الأزمة الإيرانية المتفاقمة توظيفها لمقتضى أهدافه ومراميه الحقيقية البترولية والاستراتيجية.
بمناسبة أو بغير مناسبة تحرض إسرائيل دومًا على ضرب إيران.
فى اجتماع ضم «ترامب» و«نتنياهو» أخيرًا بمنتجع «مارالاجو»، استجاب الأول لما طالب به الثانى من توجيه ضربة قاصمة لإيران، بدلًا من الضغط عليه لتنفيذ استحقاقاته فى خطة السلام المدعاة بغزة.
كانت نقطة التوافق: تفجير المنطقة وإعادة رسم خرائطها من جديد بالحديد والنار، دون أفق سياسى يأخذ فى اعتباره أى حقوق لأبناء المنطقة كلها، لا الفلسطينيين وحدهم.
«المساعدات فى الطريق».
كان ذلك تعهدًا ترامبيًا بتدخل ما يساعد المتظاهرين، دون أن يحدد طبيعته وحجمه ومداه وما بعده.
ما البديل؟!
ترك كل شىء مفتوحًا للتكهنات والسيناريوهات المتضاربة.
كانت دعوته للمتظاهرين الغاضبين بالسيطرة على مؤسسات الدولة، أو تفكيكها بمعنى أوضح، نقطة تحول جوهرية فى احتواء الأزمة الإيرانية المتفاقمة.
أفضى التدخل المفرط إلى عكس أهدافه.
ما يحدث الآن بالضبط: إرجاء لا إلغاء لسيناريوهات الحرب.
إرجاء لإشعار آخر بقوة الحقائق وحدها.