خلافًا لمسار سلفه الإمام الأكبر جاد الحق على جاد الحق، شيخ الأزهر، الذى نجح فى تحييد المؤسسة الدينية الأهم عن تجاذبات السياسة وحرص على إبقائها على مسافة من السلطة، جاء الدكتور محمد سيد طنطاوى، شيخ الأزهر الراحل، الذى ورغم مكانته العلمية واجتهاداته الفقهية، أثار جدلا واسعا بسبب مواقفه الداعمة لنظام الرئيس الأسبق حسنى مبارك، قبل أن يصحح الدكتور أحمد الطيب، شيخ الأزهر الحالى، ليعيد للمؤسسة استقلالها.
منذ توليه مشيخة الأزهر عام 1996، قادما من منصب مفتى الديار المصرية، وحتى وفاته عام 2010، اتخذ طنطاوى مواقف وضعته، ومعه المؤسسة، فى مواجهة دائمة مع قطاعات واسعة من النخب السياسية والإعلامية فى مصر، فمن «فتوى جلد الصحفيين»، إلى لقائه بالرئيس الإسرائيلى ومواقفه من «التطبيع»، لم تتوقف معارك الرجل إلا بوفاته إثر أزمة قلبية خلال وجوده بالسعودية.
فى نهاية عام 2007، تسللت إلى بعض الصحف المستقلة والمعارضة أخبار عن تدهور الحالة الصحية للرئيس الأسبق حسنى مبارك، وهو ما فتح بابا واسعا للتكهنات حول مسألة خلافته؛ وفيما جندت السلطة آنذاك صحفها وقنواتها لنفى ما وصفته بـ«شائعة مرض الرئيس»، خرج طنطاوى بفتوى تدعو إلى «جلد الصحفيين» الذين نشروا تلك الأخبار.
برر الشيخ فتواه بقوله إن الله تعالى عاقب من يروجون الشائعات ويثيرون الفتن ويقذفون غيرهم بالباطل بـ«ثمانين جلدة»، وعدم قبول شهادتهم ونبذهم اجتماعيا؛ ومع تصاعد الغضب داخل الوسط الصحفى، نُصح الشيخ بالتراجع، فنقل عنه قوله إن ما ذكره بشأن حد الجلد هو حكم شرعى عام لا يستهدف فئة بعينها.
وكما أشعل الرجل معركة مع الصحفيين بسبب «أخبار صحة مبارك»، خاض معركة أخرى إثر اتهامه بـ«التطبيع» بعد مصافحته الرئيس الإسرائيلى الراحل شيمون بيريز عام 2008، ما أثار مطالبات بعزله. وبرر طنطاوى موقفه بأنه لا يعرف شكل بيريز، وأن المصافحة كانت ضمن عدد من الأشخاص الذين تقدموا إليه، معتبرا الأمر طبيعيا، خاصة أن «دولته معترف بها».
لم يكن طنطاوى، رحمه الله، على وفاق مع الصحافة، إذ كان إدراكه لدورها يقتصر على نقل ما يقوله المسئول، وهو تصور يعكس غياب الفهم لوظيفة الصحافة بوصفها سلطة رقابية تعمل لصالح المجتمع. ولم يكن فى ذلك استثناء عن نمط مألوف فى علاقة رجال الدين بالسلطة فى بلادنا، حيث درجت الأنظمة على «اتخاذ بطانة دينية» تبرر مواقفها وتوجهاتها، على النحو الذى وصفه عبد الرحمن الكواكبى فى كتابه الأشهر «طبائع الاستبداد ومصارع الاستعباد».
فى المقابل، يمكن اعتبار الإمام الأكبر الدكتور أحمد الطيب استثناءً على هذه القاعدة؛ فقد قرر الرجل، منذ توليه المشيخة عام 2010، النأى بنفسه عن تأييد السلطة، واختار أن يمضى على خطى أسلافه من الأزاهرة الكبار، بدءا من الشيخ عبد الله الشرقاوى الذى قاد الثورة ضد الاحتلال الفرنسى، مرورا بالمشايخ الأنبابى وعليش، والعدوى، والخلفاوى الذين انحازوا للثورة العرابية وأفتوا بخيانة الخديوى توفيق الذى انحاز للإنجليز، وصولا للإمام جاد الحق على جاد الحق الذى فشلت سلطة مبارك فى تطويعه رغم ما يربطه بالرئيس الراحل من علاقات قديمة.
تمكن الطيب من صناعة مكانة راسخة فى النفوس. لم تأت هذه المكانة من فراغ، فقد نجح فى استعادة دور الأزهر بعد سنوات من التغييب والتطويع، وبدا خلال هذه السنوات أكثر انفتاحا، بآرائه الفقهية التقدمية فى قضايا المرأة وقبول الآخر والتعايش الدينى، مع تمسكه باستقلال المؤسسة عن السلطة.
هذا المسار جعله هدفا لحملات استهداف متكررة، لكنه لم يتراجع، وأصر على المضى فى طريق اختاره عن قناعة، مستلهما تاريخ الأزهر كحارس للضمير العام.
لم تتشكل مكانة الطيب باستقلاله الفقهى فحسب، بل بانحيازه الواضح للقضايا القومية والإنسانية، وفى القلب منها القضية الفلسطينية، حيث أكد فى أكثر من مناسبة «مشروعية المقاومة الفلسطينية».
تتابعت مواقف الطيب المناهضة ليس للاحتلال الإسرائيلى وجرائمه فقط بل الرافضة والناقدة للتطبيع والمطبعين والداعمين للكيان الصهيونى والصامتين عن انتهاكاته للحقوق الفلسطينية.
وخلال العامين الأخيرين، ومع حرب الإبادة غير المسبوقة على قطاع غزة، كان الطيب حاضرا بمواقف واضحة تطالب بوقف المجازر، وتحمل العرب والمسلمين والعالم، حكاما ومحكومين، مسئولية ما يجرى من جرائم.
هذه المواقف جعلت من الرجل أيقونة، وجعلت الصحافة تتابع تصريحاته وتنقلها، بينما تعامل هو مع الإعلام باحترام وتقدير لدوره فى رفع وعى المجتمع، وهو ما تجلى بوضوح فى لقائه الأخير مع مجلس نقابة الصحفيين الأسبوع الماضى.
حفر الإمام الأكبر أحمد الطيب سيرته بمواقفه واعتزازه بنفسه واحترامه لمكانة المؤسسة التى يترأسها، وسيقف المؤرخون طويلا أمام تجربة الرجل الذى أعاد للأزهر استقلاله ودوره، فى عصر اختلط فيه الحق بالباطل وضاعت فيه القيم والمعايير.