أثار – ولابد أن يثير – ما حدث للرئيس الفنزويلى، وكذا التهديد بالاستيلاء – سلمًا أو حربًا – على جزيرة «جرينلاند» – وهى جزء من إقليم دولة الدنمارك – جدلاً متصاعدًا؛ وكانت الحجة فى الحالتين: المصلحة القومية لدولة معينة، مما أثار موجة من التساؤلات على الصعيدين الأكاديمى والسياسى حول فحوى حجة «المصلحة القومية» كسند مذهبى للسياسة الخارجية للدول. ولا ننسى أن هذه الحجة أصبحت ركنًا أساسيًا من أركان تبرير السياسات الخارجية لمختلف الدول، منذ أن أصدر «مورجنثاو» فى أربعينات القرن العشرين كتابه «السياسة بين الأمم» Politics among Nations مناديًا بالمصلحة القومية National Interest محركًا للسياسات الخارجية للدول، ومبررًا مذهبيًا معينًا لها فى نفس الوقت.
ومنذ ذلك الحين دار الحوار الأيديولوجى حامى الوطيس بين المدرسة «الواقعية» المتمسكة بالمصلحة القومية، وبين التيارات «المثالية» التى ترى فى السياسات الخارجية تطبيقًا للقيم على نحو ما صاغه «دافيد إيستون»، القائل بأن «السياسة» هى عملية «التخصيص السلطوى» للثروات أو القيم الاقتصادية دون اعتبار للقيم بالمعنى الفلسفى كمرشد للأخلاقيات Ethics... هذا من جهة، ومن جهة أخرى، فقد ظل بعض مفكرى علم السياسة على اعتقادهم (موضع الجدل) بأن السياسة الخارجية لمختلف الدول ما هى إلا تطبيقات عملية متنوعة للقيم العليا Top Value بلغة «التحليل السياسى»، وأهمها العدالة والمساواة، إضافة إلى فكرة «التقدم» كباعث على الانتقال عبر أطوار التاريخ البشرى.
• • •
ما بين المدرسة الواقعية، المتذرعة بالمصلحة القومية، والتيارات المثالية المتسلحة (محل الجدل) بالأخلاقيات المطلقة للقيم العليا، جاءت التيارات ذات المنزع الاجتماعى بأشكال مختلفة، وخاصة من خلال القول إن السياسات الخارجية تمثل مصالح الطبقات الاجتماعية على اختلافها. ومن هذا، قال بعضهم إن المجتمعات والدول التى تحركها الطبقات العاملة تميل إلى التفاعل السلمى بين الأمم وفق قاعدة المساواة المجردة، بينما – كما قالوا – تميل الدول والمجتمعات التى تحركها مصالح الطبقات (البورجوازية) إلى اتباع سياسات الهيمنة الاستعمارية على الصعيد الخارجى.
والحق أن هذا جدل قديم نسبيًا، فإن الاستعمار الأوروبى الغربى لقارات آسيا وإفريقيا وأمريكا اللاتينية استند مذهبيًا إلى دعائم متنوعة من قبيل «نشر الرسالة الحضارية» بين الشعوب المتخلفة أو (الهمج)! وكانت الحروب الاستعمارية المختلفة فى العصور الحديثة، القائمة على فكرة «الفتح» – فتح الأسواق – مثل «حرب الأفيون» ضد الصين، وحروب وممارسات أخرى متنوعة المشارب، مثل الاحتلال البريطانى لمصر فى مطلع ثمانينيات القرن التاسع عشر تحت ستار «تسديد الديون»، وحرب الاحتلال الفرنسى لكل من فيتنام فى أقصى الشرق، والجزائر فى الشرق أيضًا ولكن عند جناحه المغربى، أو ما كان يسمى «الغرب الإسلامى».
هذا الجدل المذهبى الجديد – القديم نسبيًا – يعود بنا بالضرورة إلى أهمية وضع ركائز «أخلاقية – إنسانية»، إن صح استخدام مثل هذه التعبيرات فى الوسط الدولى المأزوم حاليًا. الركائز الأخلاقية – الإنسانية تجعل فكرة «العمران» – أساسًا قوميًّا وعالميًّا للسياسات – بديلا عن العنف والحرب وأداتهما الممثلة فى قتل البشر (حتى حدود الإبادة الجماعية Genocide) كما جرى فى غزة الفلسطينية مؤخرًا، وفى التخريب المتعمد، على نحو ما أشار بعض متفلسفة وطننا العربى، من أن استخدام مصطلح «الاستعمار» استخدام مضلل منذ البداية، وكان الأجدر أن يسمى «الاستخراب».
• • •
فماذا بعد؟ إنه بدلًا من استخدام تعبيرات ذات ظلال مظلمة مثل «المصلحة القومية»، فإن من الأوفق أن نسعى إلى ما يمكن أن يسمى بالشراكة Partnership وبالأحرى العمل الجماعى التشاركى Collective Participatory، وخاصة على مستوى أقاليم العالم النامى منفردة – إفريقيا وآسيا والعالم اللاتينى – وعلى المستوى متعدد الأقاليم، سعيًا إلى الرفاهية المشتركة للإنسانية (المعذبة).
وماذا يمنع مثلا من أن نترك الثروات عبر المحيطات وفى القطبين الشمالى والجنوبى ملكًا مشتركًا للبشرية، على نحو ما كان يقال فى سبعينيات وثمانينيات القرن الماضى حول «الإرث المشترك للإنسانية»، ذلك بدلًا من أن تسعى هذه الدولة أو تلك لانتزاع بعض الثروات بالقوة العارية أو المجسدة، سعيًا على نهج العنف والتخريب، و«الأنانية القومية» المتعصبة.
فهل نفعلها حقًا؟ هل نستعيد الجوهر الإنسانى - الأخلاقى الحقيقى «للإنسان - الإنسان» بدلًا من العودة إلى «بواعث القطيع» من الحيوانات غير المستأنسة؟!
هذه «الاستعادة للجوهر الإنسانى» هى ما يجب أن نعمل عليه، ونسعى من أجله جميعًا، سيرًا صعودًا على معراج الحق والخير والجمال.
أستاذ باحث فى اقتصاديات التنمية والعلاقات الدولية