مؤشرات ومشاعر!
الأربعاء 17 ديسمبر 2025 - 8:45 م
فى مثل هذا الوقت من كل عام تتدفق التقارير من الحكومات والشركات والمؤسسات الدولية ومراكز البحث والنشر عن أداء ما جرى خلال العام وتوقعات عام مقبل. ومما يلفت النظر أن المؤشرات الاقتصادية الكلية مثل معدلات التضخم، والنمو الاقتصادى، والبطالة عندما يذكر المسئولون تحسنا فى مؤشراتها تقابَل فى أحوال كثيرة برفض واستهجان من عموم الناس. ولهذا التناقض أسباب يحسن بالمسئولين إدراكها وتداركها؛ حتى لا تتسع الفجوة بين ما يُعلَن من أرقام وما يُدرَك من دلالاتها، وحتى لا تستشرى الفجوة بين متخذى القرار والمتأثرين به.
وفى دراسة صدرت فى عام 2024 للاقتصاديين الزملاء فى «معهد بروكنجز» ريان كامينز، وبن هاريس ونيل ماهونى عن أسباب التناقض بين مؤشرات الاقتصاد الكلى الأمريكى وشعور الأفراد بمستويات معيشتهم، أظهرت مؤشرات البطالة أنها أقل من متوسطاتها منذ مطلع القرن، والاقتصاد أظهر نموا حقيقيا ملموسا، كما أن الأجور زادت بمعدلات أعلى من التضخم. فما هو السبب فى الانفصال الملحوظ بين مقاييس انطباعات المستهلكين، مثل رقم ميشيجان القياسى الشهرى لشعور المستهلكين المعمول به منذ عام 1978، ومؤشرات ثقة المستهلكين التى تصدر منذ عام 1967، عن المؤشرات الاقتصادية الكلية؟
وتذهب نتائج تتبع الفجوة بين شعور المستهلكين من المواطنين والمؤشرات الاقتصادية الكلية إلى العوامل الآتية لتفسيرها، والتى يمكن أن تعين، إلى حد ما، فى تفسير ظواهر مماثلة فى بلداننا:
أولا: الأثر السلبى المستمر للتضخم رغم تراجعه، ففى حين يركز المؤشر الاقتصادى الكلى على معدل ارتفاع السعر وقد يحتفى المسئولون بانخفاض معدل ارتفاعه، ولكن المستهلك معنى بالأساس بمستوى السعر نفسه الذى لم ينخفض.
ثانيا: إن تقدير المستهلك السلبى لزيادة الأسعار قد يكون أكبر من تقديره الإيجابى لزيادة دخله، بافتراض حدوث زيادة دخل تفوق زيادة أسعار ما يستهلكه.
ثالثا: الانحياز الإعلامى السلبى عن الاقتصاد؛ إذ تشير دراسة مشتركة للاقتصادى جولز فان بينسبيرجين عن الأخبار الاقتصادية على مدار قرنين، إلى أنها تنزع للسلبية منذ عام 1960.
رابعا: الانحياز السياسي، حيث تشير استطلاعات الرأى إلى انحياز سلبى أكبر للمواطنين من الحزب المعارض للحكم لا للمتغيرات الاقتصادية الجارية ذاتها، كما أن توقعاتهم أسوأ عن مستقبل الاقتصاد. وفى دراسة تطبيقية أجريت عام 2023، مقارنة بين الجمهوريين والديمقراطيين، أظهرت أن «الجمهوريين يشجعون بصوت أعلى ويستهجنون بضجيج أكبر».
ذكرت أن هذه التفسيرات للحالة الأمريكية قد تفيد إلى حد ما، فى غياب دراسات مماثلة، فى فهم ظاهرة التناقض بين المؤشرات الاقتصادية الكلية حال تحسنها وشعور المواطنين فى بلدان نامية. فالوضع فى البلدان النامية ذو اختلافات بيّنة يجب استجلاؤها؛ حتى لا ينبرى البعض بادعاء أن ما نراه من تناقض ليس مختلفا عما قد نجده فى «أمريكا وربما أوروبا وبلدان متقدمة أخرى».
وأول الاختلافات فى البلدان النامية، أن كثراً منها لا يتوافر بها مؤشرات دورية رقمية معلنة عن انطباعات المستهلكين وشعورهم، كتلك التى تستعين بها مثل هذه الدراسات التى أشرت إليها. وثانى الاختلافات، أن المؤشرات الاقتصادية الكلية فى أحوال كثيرة تعانى تأخرا فى إصدارها فى البلدان النامية، وهى بطبيعتها مؤشرات متباطئة ذات نظرة للوراء فى بحثها عما كان فى فترة زمنية سابقة ولا تلاحق الانطباعات الراهنة للمستهلكين. وثالث الاختلافات، هو ارتفاع حالات الفقر المدقع وسوء توزيع الدخل بما يجعل حالات التحسن النسبى، إن هى حدثت فعلا، ذات أثر متباين على عموم المواطنين وفقا لنصيبهم من الدخل والثروة. ورابع الاختلافات، هو مدى مصداقية الخطاب العام فى التعامل مع الأرقام الاقتصادية التى تصيبها موبقات الإنكار للواقع والتهوين من الآثار فى حالات تراجع الأداء، ثم تصيبها آفات المبالغة فى التكرار والتهويل من الإنجازات فى حالات التحسن النسبى.
ربما التبس الأمر على بعض المسئولين فى تفسير وممارسة مقولة منسوبة للقائد الفرنسى نابليون بونابرت مفادها أن «القائد هو تاجر أمل»، فالمقصود بهذا الأمل حتما ليس ضربا من ضروب الخيال، أو وعودا واهية. والأخطر أن يصدق المسئول ما يروّجه فيرتد إليه عمله بما يعقّد مسارات سعيه.
والفيصل فى هذا الأمر هو الاستناد إلى المعايير المعتمدة: فالمعايير وظيفتها القياس بانضباط واتساق، كما تهدف إلى تحقيق التوافق من دون تفاوت وانفلات، كما تهدف إلى تحديد نقطة مرجعية لنوعية الأداء. ولخطورة موضوع المعايير؛ خصص له البنك الدولى تقريره السنوى عن التنمية فى العالم لعام 2025، الذى صدر مؤخرا تحت عنوان «معايير للتنمية». ويدعو هذا التقرير إلى تبنى البلدان النامية المعايير والتوافق معها وتطويرها وهى فى سبيلها لتحقيق التنمية؛ ضارباً الأمثلة بتجارب ناجحة من الشرق والغرب فى اعتماد المعايير والمقاييس مكونا غير منظور من مكونات التحديث، لا تقل أهمية عن المكونات المنظورة كشبكات الطرق والموانى وسائر البنية الأساسية.
وفى استعراض التقرير للمعايير ودورها فى الأنشطة الاقتصادية والاجتماعية، لم يفته التأكيد أن المعايير يمكن البناء عليها فى دفع النمو وزيادة الكفاءة، وأن التنمية هدفها فى النهاية الارتقاء بمستوى معيشة الفرد بما يقضى على معضلة التعارض بين المؤشرات الكلية، وما يشعره المواطن إذا حققت المعايير ارتقاءً بالخدمات، خاصة التعليم والصحة. كما أنه من شأن المعايير أن تعين فى إدارة المخاطر، وزيادة القدرات الحكومية فى إنجاز عملها وضبط أولوياتها بما يضيّق الفجوة بين الأداء الاقتصادى الكلى وما يستفيد به المواطن ويشعر به.
نقلا عن الشرق الأوسط
مقالات اليوم
قد يعجبك أيضا