نشرت جريدة الشرق الأوسط اللندنية مقالًا للكاتب العراقى وليد خدورى، يوضح فيه الصراع الجيوسياسى القادم على سوق الغاز الأوروبية فى مرحلة ما بعد الحرب الروسية - الأوكرانية، كما يشير خدورى إلى التحول الجذرى فى خارطة الإمدادات العالمية نتيجة صعود الولايات المتحدة كقوة تصديرية كبرى وتعدد البدائل المتاحة أمام أوروبا.. نعرض من المقال ما يلى: تَلوح فى الأفق أزمة جيوسياسية بين الدول الغازية، روسيا والولايات المتحدة، وغيرهما من تلك المنتجة للغاز، فى التنافس على تلبية الطلب فى السوق الأوروبية، التى تعد من كبرى أسواق الغاز عالميًا. هو نزاع متوقَّع بعد توقف الحرب الروسية - الأوكرانية، إذ ستُضطر أقطار السوق الأوروبية المشتركة إلى اتخاذ قرار جديد فيما يتعلق باستيرادها للغاز.خلفية المشكلة تكمن فى الحظر الذى فرضته هذه الأقطار فى فبراير 2022 على استيراد النفط والغاز الروسيين؛ عقابًا لغزو موسكو لأوكرانيا، بمشاركة كل من بريطانيا والولايات المتحدة. لكن اليوم باتت الولايات المتحدة دولة مصدّرة للنفط والغاز، كما أن بريطانيا مصدّرة للنفط ومكتفية غازيًا. لذا وقع عبء الحظر النفطى على أقطار السوق الأوروبية، ما فرض على دولها إجراء تغيير واسع فى سياستها لاستيراد الغاز، مع الأخذ فى الاعتبار أن تلك الجنوبية المطلة على البحر الأبيض المتوسط، أصبحت أكثر اعتمادًا على الغاز المصدّر عبر الأبيض المتوسط (اليونان، وإيطاليا، وفرنسا، وإسبانيا، والبرتغال)، بينما اضطرت الدول الشمالية (هولندا، والنمسا، وبالذات ألمانيا) إلى زيادة طاقتها لاستيعاب الغاز المسال. والدولة الأوروبية الوحيدة ذات الطاقة التصديرية الغازية المحدودة هى النرويج.• • •خلال الفترة الأخيرة، اختلفت سياسة أقطار السوق الأوروبية لاستيراد الغاز بشكل واسع، نظرًا إلى موقفها المعادى لروسيا فى الحرب الأوكرانية، وتخوفًا من اعتداءات روسية أخرى على دول أوروبية مستقبلًا. ففى يناير 2026، وخلال الحرب الأوكرانية، استوردت 60 فى المائة من الغاز المسال من الولايات المتحدة، مقارنةً بنحو 24 فى المائة استوردته قبل حرب أوكرانيا. ومعنى الفرق فى نسبة هذه الإمدادات هو ما تم الحصول عليه من أقطار أوروبا الشمالية (بالذات ألمانيا) من الغاز المسال الكندى والأمريكى.ما حصل هو ولوج شركات أمريكية خاصة منذ منتصف عقد العشرينات للقرن الحادى والعشرين، مع بداية التطوير التجارى للنفط والغاز الصخرى الأمريكى عام 2014-2015، مما قلب رأسًا على عقب الصناعة النفطية الأمريكية. فبعدما كانت الولايات المتحدة حتى حينه تستورد النفط والغاز من الخارج، أصبحت منذ النصف الثانى للعقد الثانى واحدة من كبرى ثلاث دول منتجة للنفط عالميًا، إلى جانب السعودية وروسيا. باتت دولة مصدّرة للنفط والغاز.بالفعل، طرأت تغييرات كبرى على صناعة الغاز المسال العالمية. ففى عام 2010، اشترت مجموعة «شل» ممتلكات وأصول شركة «بريتيش غاز» حول العالم؛ ومن ضمن الأصول التى اشترتها «شل» أصول وعقود فى صناعة الغاز المسال العالمية. وكانت إحدى هذه الطرق التى أدت إلى توسع صناعة الغاز المسال العالمية وإحداث تغيير جوهرى فى تجارتها، بدء توقيع عقود لشراء وبيع الغاز المسال لشحنات «سبوت»، أى على أساس العرض والطلب الحالى والجاهز فى الأسواق فى حينه. وهو ما أدى إلى توسع العمليات فى صناعة الغاز المسال، وإلى توسع «استراتيجى» فى صناعة الغاز المسال، ما حجز لها حصة مهمة من تجارة الهيدروكربون العالمية.. حصة لا تقل أهمية عن تجارة النفط الخام العالمية.هذا التغيير حصل توازيًا مع البدء السريع فى تشييد مصانع الغاز المسال على ساحل الولايات المتحدة الجنوبى، مانحًا زخمًا إضافيًا لتوسع هذه الصناعة. فتوقيت هذا التغيير والتوسع فى صناعة الغاز المسال العالمية، وبالذات الأمريكية، كان مواتيًا عند الانتهاء من تشييد المصانع والناقلات اللازمة على الساحل الأمريكى الجنوبى، ومع الغزو الروسى لأوكرانيا.طبعًا، هذه القدرة الأمريكية لتصنيع الغاز المسال، بالإضافة إلى استعمال الغاز الصخرى أيضًا لتلبية الطلب الأمريكى الداخلى للغاز الطبيعى، لم يكن متوافرًا عند المفاوضات الأوروبية مع الاتحاد السوفييتى فى منتصف عقد الثمانينيات للقرن العشرين، لذا لم تقتنع الأقطار الأوروبية فى منتصف عقد الثمانينيات بالضغط الأمريكى لعدم الاعتماد الكلى على الغاز «السوفييتى» الذى كان وافيًا لتلبية الطلب الأوروبى فى حينه.اختلف الوضع كذلك مع انتشار صناعة الغاز المسال وغير المسال ما بين منتصف عقد الثمانينيات عندما استثمرت الشركات الغازية الحكومية الروسية مليارات الدولارات لتطوير حقولها فى سيبيريا وتشييد خطوط الأنابيب طويلة المدى من الاتحاد السوفييتى السابق إلى الأسواق الأوروبية. فالاختلاف الجديد المهم خلال هذه المرحلة ما بين القرنين العشرين والحادى والعشرين هو نمو صناعة الغاز المسال عالميًا، بالذات فى دولة قطر، الكبرى عالميًا، حيث توسعت صادراتها شرقًا إلى الصين وغربًا إلى أوروبا، ناهيك إقليميًا بالتصدير إلى دولة الإمارات.• • •يكمن الخلاف الآن مع منتصف عقد الثمانينيات، فى وجود طاقة للشركات الخاصة الأمريكية لتزويد الأسواق الأوروبية برمتها. وهذا يعنى أن كلًا من الولايات المتحدة وروسيا لديهما طاقة تصديرية فى الوقت نفسه لتلبية الطلب الغازى الأوروبى. كما توجد طاقات تصديرية واسعة بالقرب من أوروبا، أهمها طاقة الغاز المسال القطرى التى لا يُستهان بها، حيث فى الإمكان أن توفر إمدادات إضافية لكل من الإمدادات الروسية أو الأمريكية. ومما يميز الإمدادات القطرية فى الوقت نفسه أن ثمن الاستثمار فى مشاريع الغاز المسال؛ من موانٍ وناقلات متخصصة، قد تم دفعه خلال العقود والسنوات الماضية.كما أنه متوافر لأوروبا خيارات عدة، بالإضافة إلى الغاز القطرى. فهناك طبعًا، ومنذ عقود، الغاز الجزائرى الذى يصدَّر عبر الأنابيب أو ناقلات الغاز المسال إلى أوروبا. وهناك اتصالات مستمرة ما بين إسرائيل وقبرص واليونان لتصدير الغاز الإسرائيلى إلى أوروبا. لكن تستمر هذه المفاوضات منذ فترة طويلة دون أى اتفاق نهائى. وهناك إمكانية لتسييل الغاز الليبى، حيث يوحد مصنع جاهز لذلك لكن لم يتم استعماله بعد. كما أن نيجيريا قد شيّدت أنبوبًا لتصدير الغاز وصل إلى المغرب. وهناك أيضًا إمكانية التصدير الواسع للغاز المسال من شرق إفريقيا عبر الناقلات المتخصصة للغاز المسال، والغاز الموزمبيقى جاهز للتصدير إلى أوروبا.تكمن «الأزمة الجيوسياسية» لأوروبا فى الخيار الذى ستتخذه بين الاعتماد على الغاز الروسى فقط أو الغاز الأمريكى. ومن الصعب على أوروبا الاعتماد على الغاز الروسى فقط، أو على الغاز الأمريكى فقط، إذ إن التعامل مع الطرف الأمريكى سيكون مع شركات خاصة. وهنا يُطرح السؤال: ماذا سيكون دور مصدّرى الغاز الآخرين من آسيا وإفريقيا، بل حتى من النرويج؟ خيارات ستثير أسئلة عدة ومشكلات متعددة لأوروبا.
مقالات اليوم جميل مطر أنوار فى الشرق وظلام فى الغرب حسن المستكاوي لماذا تنجح أو تفشل صفقات؟! عماد الدين حسين لماذا لا نمنع جراهام من دخول العواصم العربية؟ محمود محي الدين «الدولار الأفعوانى» والرسوم الجمركية وليد محمود عبد الناصر أحداث فنزويلا وتداعياتها بالنسبة لأمريكا اللاتينية علي محمد فخرو أى استجابة عربية وإسلامية لطبول الحرب؟ قضايا تكنولوجية قمة نيودلهى وتحولات القوة الرقمية
قد يعجبك أيضا
شارك بتعليقك