لا شك أن تأثيرات الغارة العسكرية الأمريكية على فنزويلا، والتى جرت فى 3 يناير 2026، وأسفرت عن اختطاف الرئيس الفنزويلى نيكولاس مادورو والسيد قرينته، ثم تقديمهما إلى المحاكمة فى مدينة نيويورك الأمريكية طبقًا للائحة اتهام جنائية ضمت التآمر لتهريب مخدرات إلى داخل الولايات المتحدة الأمريكية، وغير ذلك من التهم، لم تقف عند حدود فنزويلا، بل تتخطاها إلى كل بلدان أمريكا اللاتينية، حيث كانت الغارة الأمريكية رسالة غير مباشرة موجهة إلى كل حكومات أمريكا اللاتينية بأن ما هو قادم مختلف عما مضى فيما يتعلق بنهج الإدارة الأمريكية الحالية فى التعامل مع ملفات أمريكا اللاتينية، التى تعتبرها واشنطن تاريخيًا الفناء الخلفى لها وتراها واقعة فى إطار التأثير المباشر على أمنها القومى ومصالحها العليا الاستراتيجية والأمنية والجيوسياسية والاقتصادية.فإذا أخذنا مثال حالة جمهورية كولومبيا، والتى تعرض رئيسها وحكومتها لإدانات مباشرة وواضحة من الإدارة الأمريكية الراهنة، فقد ظلت البلاد لسنوات طويلة فى الماضى يحكمها رؤساء وحكومات ذوو توجهات يمينية وفى حالة تحالف قوى، بل اعتبرها البعض حالة تبعية، مع الولايات المتحدة الأمريكية، وفى حالة عداء مع الدول المجاورة التى يحكمها رؤساء وحكومات ذوو توجهات يسارية، خاصة البرازيل والإكوادور وفنزويلا، بل كانت حكومات كولومبيا المتعاقبة فى حالة حرب مع الجماعات اليسارية المسلحة المناهضة للسلطة داخل حدود كولومبيا، والمدعومة أحيانًا من حكومات يسارية فى دول مجاورة، وصاحب ذلك تعقيدات متعلقة بأوضاع «كارتلات» مهربى وتجار المخدرات فى كولومبيا وفيما حولها، وتأثير ذلك محليًا لكن أيضًا على العلاقة مع واشنطن من جهة ومع دول الجوار من جهة أخرى، بل على مجمل علاقاتها الإقليمية والدولية من جهة ثالثة، حيث حصلت كولومبيا آنذاك على كميات ضخمة من المساعدات العسكرية والأمنية من واشنطن، وذلك فى إطار الحرب الأمريكية العالمية على المخدرات. وكانت كولومبيا فى تلك الحقبة التاريخية، أى خلال الخمس عشر عامًا الأولى من القرن الحادى والعشرين، هى ثالث أكبر دولة متلقية للمساعدات الخارجية الأمريكية على مستوى العالم.إلا أنه بعد توقيع اتفاقيات السلام فى كولومبيا فى 24 نوفمبر 2016 بين الحكومة اليمينية فى بوجوتا وثوار حركة فارك اليسارية، فإن أول رئيس جمهورية يمينى فى أول انتخابات رئاسية تالية لتوقيع تلك الاتفاقيات، «إيفان دوكى ماركيز»، كان أداؤه مخيبًا لآمال الشعب الكولومبى، بالرغم من تقديم الولايات المتحدة الأمريكية مساعدات إنسانية للبلاد بعد اتفاقيات السلام، من خلال وكالة المعونة الأمريكية، إلا أن تلك المساعدات تراجعت كثيرًا منذ جائحة كورونا، وهو ما حدا بالشعب إلى منح ثقته لـ«جوستافو بيترو»، مرشح اليسار ويسار الوسط فى انتخابات 2022 الرئاسية، إلا أننا نجد اليوم أن هناك انتخابات برلمانية محدد لها شهر مارس 2026، بينما هناك انتخابات رئاسية مقررة فى شهر مايو من نفس العام.وتشير استطلاعات الرأى الأخيرة فى البلاد إلى أن حظوظ اليسار محدودة فى الحالتين، خاصة فيما يتعلق بفرص الرئيس الحالى جوستافو بيترو، صاحب التوجهات اليسارية والمعادية بشكل علنى وواضح للسياسات الخارجية الأمريكية وللمصالح الرأسمالية العالمية، الضئيلة فى إعادة انتخابه مرة أخرى، وذلك بالرغم من تدخلات فى عدة مناسبات لوزيرة خارجيته روزا يولاندا مابى، للتخفيف من حدة بعض تصريحاته والحد من الانعكاسات السلبية لتلك التصريحات على العلاقات بين بوجوتا وواشنطن.وتشير الغالبية العظمى من التقديرات إلى أن غالبية الكولومبيين يتجهون إلى التصويت لمرشح اليمين فى الانتخابات الرئاسية المقبلة، وأن جزءًا من أسباب ذلك التحول هو رغبة قطاعات متزايدة من الشعب الكولومبى فى تجنب الصدام المباشر مع الولايات المتحدة الأمريكية، التى من الواضح أن إدارتها الحالية غير راضية عن الحكم القائم اليوم فى بوجوتا، بالإضافة إلى غضب تلك القطاعات من تراجع مؤشرات الأداء للاقتصاد الكولومبى حاليًا، الذى يواصل تراجعه الذى بدأ مع الرئيس اليمينى السابق ويستمر مع الرئيس اليسارى الحالى، ما قد يجعل كولومبيا أكثر احتياجًا لعلاقات وثيقة، أو على الأقل إيجابية، مع الولايات المتحدة الأمريكية فى المرحلة المقبلة.وربما ينظر قطاع كبير من الشعب الكولومبى إلى حالة جمهورية السلفادور، والتى كانت على علاقات وثيقة مع الصين الشعبية وكان كبار مسئوليها يهاجمون السياسات الأمريكية والغربية، ويقفون فى الخندق المناهض لها، إلا أنه بعد تولى الرئيس الأمريكى دونالد ترامب مقاليد السلطة فى البيت الأبيض فى يناير 2025، فإن الحكومة السلفادورية تحولت مائة وثمانين درجة وتبنت سياسات تحالف وثيق مع واشنطن وخرجت من دائرة النفوذ الصينى، فيما يبدو أنها حصلت على صفقة حوافز أفضل من الإدارة الأمريكية الراهنة، لكن يجب الأخذ فى الاعتبار أن السلفادور واحدة من أصغر دول واقتصادات أمريكا اللاتينية، وبالتالى، احتياجاتها الاقتصادية ستكون بالتأكيد أقل من الدول الأكبر حجمًا وسكانًا واقتصادًا فى المنطقة، مثل كولومبيا. وبالإضافة إلى كولومبيا، فإن هناك انتخابات من المقرر إجراؤها خلال عام 2026 فى كل من البرازيل وكوستاريكا وهايتى وبيرو، وتشير غالبية استطلاعات الرأى فى الدول الأربع إلى أن نتائج الانتخابات المنتظرة لن تختلف كثيرًا عن النتائج المتوقعة فى كولومبيا، والتى أشرنا إليها فى الفقرات السابقة من هذا المقال، وأنه، سواء لاتساع حالة من عدم الرضا أو السخط الشعبى تجاه نتائج أداء الحكومات اليسارية الحالية أو للرغبة فى تجنب صدامات مباشرة مع الولايات المتحدة الأمريكية فى ظل التوجهات الخاصة بالإدارة الأمريكية الراهنة، وأيضًا فى ضوء ما يمكن اعتباره دروس حالة فنزويلا، فإن معظم التوقعات والتقديرات تتنبأ بأن الغالبية من الناخبين فى تلك البلدان من المتوقع أن تقوم بالتصويت لصالح أحزاب اليمين ومرشحيهم فى تلك الانتخابات المقبلة. وتأتى هذه التوقعات بعد عدة سنوات فقط من توقعات سابقة جاءت على النقيض منها تمامًا، وبرزت مع مطلع العقد الثالث من القرن الأول من الألفية الثالثة، وكانت آنذاك تتنبأ بأن بلدان أمريكا اللاتينية تقف على أعتاب «موجة وردية» جديدة، أى حقبة جديدة ومتجددة من المد اليسارى، وأن الأيديولوجيات والتوجهات اليسارية، على تنوع أطيافها، سوف تستعيد بريقها فى بلدان القارة، كما كان عليه الحال فى زمن الحرب الباردة، وهى توقعات تزامنت مع عودة الرئيس البرازيلى اليسارى «لولا دا سيلفا»، إلى مقعد الرئاسة فى بلاده، وانتخاب الرئيس اليسارى جوستافو بيترو لمنصب رئيس الجمهورية، وذلك لأول مرة فى التاريخ السياسى المعاصر لكولومبيا. وربما تكون من الدوافع لتلك التحولات المتوقعة الآن أيضًا هو تطلع قطاعات متزايدة من شعوب دول القارة إلى الاستفادة من علاقات جيدة مع الولايات المتحدة الأمريكية لجذب استثمارات خارجية، خاصة أمريكية، ضخمة، سواء حكومية أو من القطاع الخاص، وكذلك الحصول على مساعدات اقتصادية وعسكرية كبيرة من واشنطن، وربما أيضًا الحصول على امتيازات أو معاملات تفضيلية فى التبادل التجارى بين تلك البلدان والولايات المتحدة الأمريكية، بالإضافة إلى شمول تلك البلدان بمظلة الحماية العسكرية الأمريكية، فى حالة تعرضها لأى اعتداء خارجى.إلا أن السؤال هنا هو: هل ستكون الإدارة الأمريكية الحالية على استعداد لتلبية تلك المطالب والتطلعات من جانب شعوب بلدان أمريكا اللاتينية، إذا ما صدقت استطلاعات الرأى الحالية وصوتت تلك الشعوب لأحزاب ومرشحى اليمين، أم أن الإدارة الأمريكية الراهنة تود السيطرة على مقدرات بلدان أمريكا اللاتينية بلا أى مقابل تدفعه واشنطن أو على أقصى تقدير بمقابل محدود، قد يتمثل فى مساعدات عسكرية واقتصادية متدنية ودون ضمانات لتدفق الاستثمارات الأمريكية على تلك البلدان، وأيضًا مع فرض تعريفات جمركية على صادرات تلك البلدان إلى الولايات المتحدة الأمريكية، وهو الأمر الذى بالتأكيد لن يكون مرضيًا لشعوب بلدان أمريكا اللاتينية ولا لتطلعاتها الاقتصادية والأمنية من جراء انتخاب اليمين وتحسين العلاقات مع واشنطن، بل قد تنظر حينذاك تلك الشعوب إلى الصين الشعبية، وإلى مبادرتها المعروفة باسم «مبادرة الحزام والطريق»، باعتبارها تمثل الخلاص الاقتصادى لها وتتجه إلى تبنى شراكات مع بكين، قد تعيدها مرة أخرى، للتحول بعيدًا عن الوجهة الأمريكية، كما حدث أكثر من مرة من قبل فى التاريخ المعاصر لأمريكا اللاتينية، وبالتالى تعود بلدان أمريكا اللاتينية على المستوى الداخلى إلى دورة تاريخية جديدة من التصويت لصالح أحزاب اليسار ومرشحيه.
مقالات اليوم جميل مطر أنوار فى الشرق وظلام فى الغرب حسن المستكاوي لماذا تنجح أو تفشل صفقات؟! عماد الدين حسين لماذا لا نمنع جراهام من دخول العواصم العربية؟ محمود محي الدين «الدولار الأفعوانى» والرسوم الجمركية علي محمد فخرو أى استجابة عربية وإسلامية لطبول الحرب؟ قضايا اقتصادية أزمة غاز جيوسياسية فى أعقاب حرب أوكرانيا قضايا تكنولوجية قمة نيودلهى وتحولات القوة الرقمية
قد يعجبك أيضا
شارك بتعليقك