قمة نيودلهى وتحولات القوة الرقمية

الأربعاء 25 فبراير 2026 - 6:35 م

فى مرحلة تتغير فيها معايير القوة العالمية بسرعة غير مسبوقة، أصبح الذكاء الاصطناعى أحد أبرز العوامل المؤثرة فى رسم ملامح النظام الدولى. البيانات تحولت إلى مورد استراتيجى، والرقائق الإلكترونية أصبحت مكونًا أساسيًا فى الأمن الصناعى والتقنى، والبنية التحتية الرقمية باتت جزءًا من مفهوم السيادة الوطنية. هذه التحولات دفعت التكنولوجيا إلى قلب الحسابات السياسية والاقتصادية للدول الكبرى والاقتصادات الصاعدة على حد سواء.
ضمن هذا السياق انعقدت «قمة الهند لتأثير الذكاء الاصطناعى»، لتجمع بين قادة دول ومسئولين رفيعى المستوى ورؤساء شركات تقنية عالمية ومستثمرين يتعاملون مع المستقبل بوصفه مسارًا استراتيجيًا لا مجرد فرصة سوقية. النقاش تجاوز حدود التطبيقات التقنية ليصل إلى قضايا المعايير والتنظيم وسلاسل الإمداد والتحالفات الصناعية. المسألة المطروحة تمس كيفية إدارة التحول الرقمى العالمي، وتحديد الأطر التى تنظم استخدامه وتأثيره.
الحضور لم يقتصر على وزراء ومسئولين، بل ضم رؤساء شركات عالمية ومستثمرين وصنّاع سياسات يدركون أن النقاش يتصل بالبنية الاقتصادية للعقود المقبلة. مراكز البيانات والحوسبة الفائقة وسلاسل الإمداد التقنية أصبحت موضوعًا سياديًا يرتبط بالقدرة على النمو والاستقرار والمنافسة.
المشهد فى نيودلهى عكس انتقال الذكاء الاصطناعى إلى مستوى جديد من الأهمية. الحديث دار حول الاستثمار فى البنية التحتية الرقمية، وحول ضمان الاستخدام المسئول، وحول التوازن بين التطوير والحوكمة. هذا التحول يعكس إدراكًا متزايدًا بأن التقنية أصبحت عاملًا مركزيًا فى حسابات الاستقرار والنمو والمكانة الدولية.
الوثيقة الختامية، التى حظيت بدعم 86 دولة ومنظمتين دوليتين، حملت دعوة لبناء ذكاء اصطناعى «آمن وموثوق وقوى». الصياغة الجامعة جاءت نتيجة نقاشات مكثفة عكست تنوعًا فى المقاربات. الاتفاق على أهمية التقنية كان واضحًا، فيما انصب الحوار على كيفية تنظيمها وضمان استخدامها بصورة مسئولة ومتوازنة.
الجانب الاقتصادى للقمة كان مؤشرًا مهمًا على حجم التحول. تعهدات استثمارية بلغت 270 مليار دولار، بينها 250 مليارًا للبنية التحتية الرقمية و20 مليارًا لدعم التقنيات العميقة ورأس المال الجرىء، تؤكد أن الذكاء الاصطناعى أصبح محورًا فى التخطيط طويل الأمد. هذه الاستثمارات تعكس إدراكًا بأن البنية الرقمية تشكل ركيزة أساسية فى القدرة التنافسية الوطنية.
داخل القمة، طُرحت رؤى متعددة بشأن الإطار التنظيمى. الأمم المتحدة قدمت تصورًا لإطار عالمى منظم استنادًا إلى الطبيعة العابرة للحدود للتحديات الرقمية. فى المقابل، ركزت الولايات المتحدة على أهمية الحفاظ على مرونة الابتكار وسيادة القرار الوطنى فى إدارة التطور التقنى، نظرًا لسرعة تغير هذا القطاع. المقاربتان تعكسان سعيًا لإيجاد توازن بين التنظيم والديناميكية، مع وجود قناعة مشتركة بأهمية إدارة المخاطر.
الحضور الصينى جاء منسجمًا مع التوازنات الدولية القائمة. توقيع بكين على البيان يعكس حرصها على المشاركة ضمن إطار التوافق العام، بالتوازى مع استمرارها فى تطوير قدراتها فى مجالات الرقائق المتقدمة والحوسبة الفائقة وسلاسل الإمداد. هذه القطاعات تُعد استراتيجية لجميع القوى الكبرى، والتحولات الجارية فيها ترتبط بإعادة تشكيل البنية الصناعية الرقمية عالميًا. الاتجاه العام يشير إلى تعزيز البنية التحتية التقنية بما ينسجم مع الأولويات الوطنية لكل دولة.
الهند أدارت هذا التوازن بدقة سياسية واضحة. رؤية رئيس الوزراء ناريندرا مودى للذكاء الاصطناعى «المتمحور حول الإنسان» أضفت بعدًا تنمويًا على النقاش، وربطت التقنية بمفاهيم الرفاه والتنمية الشاملة. هذا الطرح ساعد فى بناء أرضية توافقية تتيح مشاركة أطراف متعددة ضمن صيغة مقبولة.
ومن أبرز نتائج القمة توقيع اتفاقية «باكس سيليكا» بين الولايات المتحدة والهند لتأمين سلاسل إمداد السيليكون والرقائق الإلكترونية. هذه الخطوة تعكس إدراكًا لأهمية المكونات التقنية فى معادلات القوة الحديثة. الرقائق أصبحت جزءًا محوريًا فى الصناعات المدنية والعسكرية، ويُنظر إلى استقرار سلاسل إمدادها باعتباره عاملًا مؤثرًا فى الاستقرار الاقتصادى والأمنى.
القمة لم تحسم النقاش حول الحوكمة العالمية للذكاء الاصطناعى، لكنها أكدت أن هذا المجال أصبح جزءًا دائمًا فى جدول السياسات العليا للدول. التحدى يتمثل فى تطوير أطر تنظيمية قادرة على مواكبة سرعة الابتكار، مع الحفاظ على بيئة تسمح بالتطوير المستمر والاستثمار طويل الأمد.
التحول الجارى يرتبط بإعادة تعريف مفهوم القوة فى القرن الحادى والعشرين. القدرة على تطوير التقنيات وبناء بنيتها التحتية والمشاركة فى صياغة معاييرها التنظيمية أصبحت من عناصر التأثير الدولى. الدول التى تستثمر فى البنية الرقمية وتشارك فى تحديد الأطر والمعايير تعزز موقعها فى النظام العالمى المقبل.
قمة نيودلهى أظهرت بوضوح أن الذكاء الاصطناعى أصبح جزءًا من هندسة التوازنات الدولية. الخوارزميات مكونات فى معادلة النفوذ. البنية التحتية الرقمية باتت عنصرًا من عناصر الاستقرار والسيادة. فى هذه المرحلة، يتحدد موقع الدول بقدرتها على الجمع بين الابتكار والمسئولية والاستثمار طويل الأمد والمشاركة فى صياغة المعايير. المشهد الذى عكسته القمة يشير إلى أن المرحلة المقبلة ستتسم بترابط أوثق بين التقنية والجغرافيا السياسية، حيث يتقاطع الاقتصاد الرقمى مع معادلات القوة العالمية بصورة غير مسبوقة.

خالد راشد الزيودى

جريدة الخليج الإماراتية

مقالات اليوم

قد يعجبك أيضا

شارك بتعليقك

بوابة الشروق 2026 - جميع الحقوق محفوظة