كان يومًا بصباح مختلف. نهضت من فراشى وكلى رغبة عارمة فى أن أتمرد على عادة من عادات آخر الأيام. كنت قد عودت نفسى، أو عودتنى سياقات الزمن فى آخر تجلياته، على افتتاح نهارى بمشاهدة قنوات تليفزيونية كانت فى يوم غير بعيد من المفضلات أو من المفروضات. حدث فى الأيام الأخيرة أن تعمق إحساسى بأن بوادر يأس مختلطة بمؤشرات قلق وعلامات ضيق ومظاهر نكد تزحف لتهيمن على مجمل سلوكياتى، ممتدة ساعة بعد ساعة لتؤثر أيضًا، أو خشيت أن تؤثر، على الشكل وتفاصيل الوجه إلى حجم الجسم منتهية برزانة العقل.كان لا بد من تغيير وضع لم يعد استمراره محتملًا. أذكر أن ظنى، ولم يكن فى غير محله، راح إلى تحميل القنوات الملتصقة بـ«صباحاتى» مسئولية تدهور الوضع. وبالفعل جاء هذا الصباح ومعه القرار أن أبدأ التمرد بالانتقال إلى مشاهدة قنوات أخرى غير تلك التى لم نكن، القنوات وأنا، نفترق فى أى صباح على امتداد سنوات عديدة.• • •أخذنى «الريموت» إلى مكان بعيد جدًا، أخذنى إلى حيث صور للبهجة والفرحة والأغانى المرحة والرقص الناطق بالمعانى الراقية. اكتشفت أننى أمام صور عن احتفال شعب الصين بعيدين، عيد مولد سنة جديدة، سنة الحصان، برمز الشجاعة والمستقبل. وعيد ميلاد الربيع. غلبتنى مشاعر الإعجاب والانبهار وبعض الحنين لا أنكره وانزاحت بعض مظاهر القلق.تساءلت: كيف أمكن لشاشة، أعرف قدر اتساعها، استيعاب راقصات وراقصين بالآلاف، ولا أبالغ فى الرقم، يرقصون، وممثلون وممثلات بالمئات يتحركون وعلى وجوههم الأقنعة التاريخية ويرفلون فى ملابس معبرة وموحية بعظمة مرحلة أو أخرى فى التاريخ؟تساءلت مرة أخرى، كيف أمكن لشاشة أن تنقل هذه الاستعراضات بنفس ألوانها الزاهية والناطقة فى آن. أجزم وبكل الثقة والاطمئنان بأن الاحتفال الذى شاهدت والذى استمر لساعات أربع أو أكثر نجح فى أن ينقلنى من العيش فى حال سبق أن وصفت وشرحت، حال عالم تخبو أنواره، إلى العيش فى حال عالم مفعم بالأمل والثقة فى المستقبل، حال عالم عادت تضاء كل مصابيحه.شاهدت أيضًا على شاشة تلك القناة صور شعب من الشرق أو من الجنوب مثل شعب بلادى، شاهدته ينتهز فرصة شهر الصيام لينجح ويفرح. رأيت ألوانًا ومظاهر من البهجة والتفاؤل والأمل حرمتنى منها قنوات غربية طالما صبغت صباح أيامى بلون العتمة وحاولت أن تعيد صياغة حياتى بغير ما تمنيت وبغير ما أستحق. قنوات راحت تنعى بعبارات أو تلميحات مختلفة انحدار الغرب أو تعلن، غير آسفة، اقتراب نهاية حقبة فى تاريخه. تنعى نهاية إيمانه بقيم الحقوق والديمقراطية أو هى تكشف عن شبكات جاسوسية نسجها أغنياء لابتزاز أغنياء آخرين ومسئولين ورؤساء وأمراء وأميرات. سمعنا عن أدلة تدين عظماء فى الفن والأدب والعلم، تدين ماضيهم ومستقبلهم مرورًا بحاضرهم. شاهدنا جزيرة وقصورًا وطائرات خاصة ويخوتًا وكاميرات تصوير استخدمها الجواسيس لتصوير الرجال العظام مع فتيات قصر. هؤلاء تركوا ثروة سيئة السمعة تقدر بست ملايين وثيقة كلها تعكس لحظة انطفاء بعض مشاعل حضارة الغرب. هذه فى التاريخ ليست الحالة الفريدة التى تقدم فيها نخبة سياسية على إعلان نهاية حضارة تقودها فتتولى بنفسها مسئولية إطفاء مصابيح النور فيها ليعم الظلام، وقد رأيناه، رأينا الظلام يهم بأن يعم. إن عدت الآن، وسوف أعود حتمًا، أعود إلى الشارع العتيق فى مصر. هناك سوف أجد الفرحة على وجوه أطفال حملوا فانوس رمضان بألوانه المرحة وفى صحبته أغانيه الرائعة، أغانى كلها كلمات فرح وسعادة. هنا، والآن، نجد فى كثير من بلاد الجنوب ألوان ورايات وصور ولوحات على جدران البيوت. هنا، والآن، نجد نوعًا من فرح عاش لبعض السنة مؤجلًا أو مكبوتًا، لكن الناس تعرف أن لهم موعدًا معه لا يغيب عنه. يأتى الفرح ومعه الألوان والملابس الملونة والعرائس والأحصنة الملونة والمأكولات والحلوى الشهية.• • •عشنا أيامًا أو أسابيع تصلنا بالهمس ثم بالصخب فى العتمة التى راحت تحل بالغرب، تصلنا تسريبات عن فضائح تمس العائلة المالكة الإنجليزية، واحدة من أقدم العائلات الملكية فى العالم، وأخرى، أو من نفس النوع، تمس قادة فكر وفلسفة وقانون وتاريخ داخل قلاع علم فى أمريكا وبريطانيا وفرنسا ودول غربية أخرى، وفضائح ربما كانت الأسوأ تمس سمعة النخب السياسية الحاكمة فى عدد كبير من هذه الدول ودول أخرى فى عالم الجنوب تابعة أو مقلدة أو عاجزة. هذه الفضائح وكثيرة غيرها أضافت إلى حال الغرب المتدنى تدنيًا أشد على سلم السقوط المتدرج منذ نهاية عهد الاستعمار، والمتسارع منذ بدء سقوط نظام الهيمنة قرب نهايات القرن الماضى.انتهى عهد الاستعمار كما وصفه المؤرخون وقد عشنا فى عالمنا العربى آخر مراحله، ويبدو أننا مقدمون على مرحلة بعثه من جديد. نعيش مقدمات هذا البعث. نعيش تجربة الإبادة، عشناها ونعيشها فى غزة والضفة ويعيشها آخرون فى شكل مطاردة الملونين فى بلاد الفرنجة وفى بلاد من تشبه بهم. نعيش أصداء فضيحة الغرب المدوية التى نظمها المدعو إبستين وأجهزة استخبارات إسرائيلية وغير إسرائيلية ورجال أغلبهم يهود متطرفون وبالغو الثراء، جلبوا الفتيات القاصرات من كل مكان ومن أجلهن جلبوا الشخصيات البارزة من كل الدول وسجلوا اللقاءات صوتًا وصورة، تسجيلات أثارت وما زالت تثير الرعب فى قلوب مئات الناس والفضول فى نفوس ملايين البشر.عدنا نعيش نهبًا لحملة غرس أو التذكير بحقيقة أن الإرهاب مصطلح ابتكره قادة فى الغرب لضمان استمرار هيمنته علينا شعوبًا ودولًا. كم تساءلنا وتبادلنا التساؤل فيما بيننا، تساءلنا ببعض الخبث إن كانت «القاعدة أو داعش» أصابت بالضرر إسرائيليًا واحدًا أو مصلحة صهيونية فى أى مكان. ألم يخرج علينا الرئيس الأمريكى قبل أيام قليلة جدًا بمداخلة فى غير مكانها ولا زمانها إنما شاء أن يذكرنا بحقيقة لعله خاف أن تغيب عنا، تحدث عن رئيس دولة عربية جديد فى منصبه فقال بوضوح واعتزاز «أنا أتيت به»، وراح يمدح فى أدائه كحاكم؟ رد صحفى أمريكى مرموق على هذه المداخلة وكان حاضرًا بالقول هامسًا ومتسائلًا، «ومن أتى بك يا سيادة الرئيس؟»، وأضاف الصحفى، قائلًا: «نحن محتلون والمحتل هو آيباك». أعترف بأننا ببعض آخر من هذا الخبث الذى تناولنا به حقيقة موضوع القاعدة وداعش، عشنا نتساءل عن حقيقة وجهة ولاء أعضاء الكونجرس الأمريكى الذين تلقوا تمويلًا كافيًا من آيباك ومن أثرياء اليهود، أهى أمريكا أم إسرائيل؟! نتساءل أيضًا عن من يقف وراء مقتل الرئيس جون كنيدى وعملية تفجير برجى مانهاتن فى نيويورك يوم التاسع من سبتمبر، ونتساءل عن العقل أو العقول التى خططت وضغطت من أجل شن حرب على العراق. ونتساءل إلى يومنا هذا، وبخاصة بعد كل ما قرأنا من وثائق إبستين عميل الموساد، نتساءل عن سبب مقنع وراء انحياز مسئولين كبار غربيين لإسرائيل، سبب غير الابتزاز. ثم وقعت المقابلة الأشهر بين تاكر كارلسون الصحفى الأمريكى الشهير وهاكابى السفير الأمريكى فى إسرائيل، وهى المقابلة التى شغلت الإعلام الغربى لأيام عديدة متتالية وأثارت من جديد قضية «ولاء الأمريكيين لمن»، لأمريكا أم لإسرائيل؟ وبخاصة وقد صارت أمريكا على بوابة الدخول إلى انتخابات جديدة. هذه القضية نفسها مثارة منذ زمن فى ألمانيا وبالتحديد منذ نهاية الحرب العالمية الثانية، لكن تحت عناوين أخرى. تزداد أهميتها مع كل زيادة فى تدهور مكانة الجماعة السياسية الغربية فى نفوس الناس، أمريكيين كانوا أم أوروبيين، ولعلها صارت إضافة مهمة إلى أسباب جزع هؤلاء المواطنين وإلى دوافع قلقهم على مستقبل أمن الغرب ككل ورخاء واستقرار أوطانهم كل على حدة. لا جدال فى أن قناعة صارت تسود فى أوروبا وربما فى خارجها أيضا تؤكد أن حربًا أمريكية إذا نشبت ضد إيران، فإسرائيل المحرك لنشوبها والمستفيد منها، وهذه ليست المرة الأولى. سمعت جورجيا ميلونى، رئيسة وزراء إيطاليا، تقول عن العام الماضى بأنه كان عامًا صعبًا على إيطاليا وعلى أوروبا، وأن العام الجديد سوف يكون أصعب. أظن أننى لا أختلف مع جوهر ما قالت السيدة ميلونى، فليكن ما يكون. إلا أننى أتمنى أن يكون وقعه علينا أخف وطأة وأقل صعوبة عسانا نواصل استمتاعنا بما يتيحه لنا الشهر الكريم بألوانه وأضوائه واحتفالاته من فرص فرح وبهجة ورضا بالحال.
مقالات اليوم حسن المستكاوي لماذا تنجح أو تفشل صفقات؟! عماد الدين حسين لماذا لا نمنع جراهام من دخول العواصم العربية؟ محمود محي الدين «الدولار الأفعوانى» والرسوم الجمركية وليد محمود عبد الناصر أحداث فنزويلا وتداعياتها بالنسبة لأمريكا اللاتينية علي محمد فخرو أى استجابة عربية وإسلامية لطبول الحرب؟ قضايا اقتصادية أزمة غاز جيوسياسية فى أعقاب حرب أوكرانيا قضايا تكنولوجية قمة نيودلهى وتحولات القوة الرقمية
قد يعجبك أيضا