من يحكم الدولة الأمريكية؟

السبت 17 يناير 2026 - 6:25 م

فى كل مرة تشتعل فيها السياسة الأمريكية – وما أكثر هذه المرات منذ ٢٠١٦ – يعود إلى الواجهة سؤالٌ قديمٌ لم تُحسم إجابته منذ عقود، ألا وهو: من يحكم أمريكا؟ واشنطن العاصمة، حيث مقر السلطة الفيدرالية، أم حكومات الولايات الخمسين؟ هذا ليس سؤالًا دستوريًا فقط، بل سؤال عن طبيعة الدولة نفسها. فالولايات المتحدة لم تُبنَ كدولة مركزية تقرر ثم تُنفذ الأقاليم، بل كاتحادٍ هشّ بين كياناتٍ كانت تخشى تغوّل السلطة الفيدرالية بالقدر نفسه الذى كانت تخشى به الفوضى. ومن هنا بدأ جدل لا يعرف إجابة نموذجية أو نهائية حول طبيعة العلاقة بين الفيدرالى والمحلى (سلطة الولايات). فى هذا السياق، لم تكن الفيدرالية حلًا نهائيًا، بل تسوية تاريخية قابلة للانفجار كلما تغيّرت الظروف. اليوم، فى عهد ترامب، لم يعد الخلاف بين الفيدرالى والمحلى مجرد جدل قانونى حول الصلاحيات، بل صار مواجهة سياسية مكشوفة تحاول إعادة تعريف من يحكم الدولة، ومن يملك الحق فى تمثيل الشعب!


• • •
فى القرن التاسع عشر، كان الصراع حول «حقوق الولايات» فى جوهره صراعًا على معنى الاتحاد: هل هو عقد يمكن فكه إذا تغيّرت المصالح، أم دولة واحدة لا رجعة فيها؟ معارك التعرفة الجمركية فى ثلاثينيات القرن التاسع عشر، حين أعلنت ولاية كارولاينا الجنوبية فى ١٨٣٢–١٨٣٣ حقها فى تعطيل قانون التعرفة الفيدرالى داخل الولاية، فردّت واشنطن العاصمة وقتها بمنطق أن السيادة للاتحاد الفيدرالى لا للولاية، وأن تعطيل القانون خطوة على طريق الانفصال، حتى لو لم تُسمَّ بهذا الاسم! وهو مجرد مثال على هذه المواجهة المبكرة بين الفيدرالى والمحلى.


ثم تصاعد النزاع حول العبودية، خصوصًا مع قانون العبيد الهاربين عام ١٨٥٠، الذى حوّل ولايات الشمال إلى ساحة صدام مباشر مع واشنطن. ثم جاء قرار دريد سكوت من المحكمة العليا، الذى اعتبر الأفارقة ليسوا من المواطنين عام ١٨٥٧، مُعمّقًا الانقسام، ليعيد تعريف حدود سلطة الكونجرس والولايات معًا. كل هذه المحطات التاريخية فى تطور النظام السياسى الأمريكى تتجاوز الاقتصاد والأخلاق إلى سؤال السيادة. فالحرب الأهلية (١٨٦١–١٨٦٥) لم تكن فقط حربًا بين ولايات الشمال وولايات الجنوب، بل كانت حربًا على فكرة الانفصال نفسها. لكن انتصار الاتحاد فى النهاية ثبّت مبدأ أن الدولة كتلة واحدة، وأن الولاية لا تملك حق الخروج أو التمرد على السلطة الفيدرالية. خرجت أمريكا من القرن التاسع عشر بدولة موحدة بالقوة، لا بدولة متصالحة مع تعريف واضح للفيدرالية.


فى القرن العشرين، تغيّر ميزان القوى تدريجيًا لصالح واشنطن، لا لأن الولايات اقتنعت، بل لأن الأزمات فرضت دولة مركزية أكبر. الكساد العظيم (١٩٢٩–١٩٣٣) كان نقطة تطور مهمة لصالح واشنطن، حيث إن برنامج «الصفقة الجديدة» لم يكن برنامجًا اقتصاديًا فقط، بل توسعًا فى دور الحكومة الفيدرالية فى حياة المواطن اليومية، من الضمان الاجتماعى إلى تنظيم الأسواق. ثم جاءت الحرب العالمية الثانية، فتعاظمت سلطة الدولة الفيدرالية، وتكرست فكرة أن واشنطن هى مركز القرار حين يتعلق الأمر بالأمن القومى والاقتصاد العام.


ثم جاء ملف الحقوق المدنية. هنا ظهرت مفارقة كاشفة، حيث كان خطاب حقوق الولايات، الذى قُدّم تاريخيًا بوصفه حماية للخصوصية المحلية، يُستخدم فى جنوب الولايات المتحدة كغطاء سياسى وقانونى لتثبيت نظام الفصل العنصرى ومقاومة أى تدخل من واشنطن. وفى المقابل، جاء تدخل الحكومة الفيدرالية عبر القضاء والتشريع فى الخمسينيات والستينيات ليكسر هذا المنطق ويفرض حدًا أدنى من المساواة بوصفها حقًا وطنيًا لا امتيازًا محليًا. فى تلك اللحظة، بدا أن الدولة المركزية قد تكون قوة تصحيح وتحرير، لكن النتيجة غير المقصودة كانت أن توسّع واشنطن أصبح طبيعيًا ومبررًا فى نظر قطاعات واسعة من الأمريكيين، بينما تعلّمت الولايات أن الفيدرالية لم تعد مساحة تفاوض متكافئ بقدر ما أصبحت واقعًا مفروضًا يمكن الاعتراض عليه جزئيًا، لكن يصعب التراجع عنه أو التمرد عليه.


• • •
هذه الخلفية مهمة لفهم ما فعله ترامب مؤخرًا. قبل ترامب، كانت المعارك الفيدرالية تُدار غالبًا عبر قنوات معروفة: دعاوى قضائية، تفاوض على التمويل، أو تفاهمات بيروقراطية تقلل من صخب النزاع. حتى حين كان الخلاف حادًا، كان يُقدَّم باعتباره اختلافًا فى طريقة تنفيذ السياسات لا فى شرعية المؤسسات. لكن ترامب نقل الخلاف إلى مكان مختلف، حيث جعل الصراع على الصلاحيات جزءًا من حرب داخلية على تعريف الدولة، وصوّر الولايات والمؤسسات الفيدرالية كخصوم سياسيين لا كأطراف فى نظام واحد. هنا تغيّرت اللغة، وتغيّر معها معنى الفيدرالية فى وعى الشعب الأمريكى بقطاعاته المختلفة.


أخطر ما فى أسلوب ترامب أنه لم يتعامل مع الفيدرالية كآلية توزيع سلطات، بل كأداة تعبئة وتجنيد. حين تتخذ ولاية موقفًا مغايرًا، لا تصبح «ولاية تستخدم حقها»، بل تصبح «ولاية تعرقل إرادة الشعب» كما يعرّفها هو. وحين يتدخل القضاء أو حاكم الولاية وشرطتها، لا يصبح الأمر «توازنًا للسلطات»، بل يتحول عنده وعند فريق إدارته إلى «تمرد من حكام ديمقراطيين على سلطة البلاد، وبشكل متواطئ ضد مصالح الشعب الأمريكى».


فلنأخذ ملف الهجرة مثالًا واضحًا على هذه المواجهة. الصراع الذى تصاعد حول صلاحيات شرطة الهجرة خلال الشهور الأخيرة لم يكن مجرد خلاف حول حادثة بعينها، بل كان خلافًا أعمق حول من يملك حق تعريف الأمة الأمريكية، ومن يحدد ما يُسمى بـ«مصلحة الشعب». قرارات متشددة تصدر من المستوى الفيدرالى، تقابلها ولايات ومدن ترفض التنفيذ الكامل أو تعلن نفسها «ملاذًا»، فى تحدٍ صريح لواشنطن. هنا لا تكتفى الولاية بالطاعة أو الاعتراض، بل تطرح منطقًا سياسيًا مختلفًا، وكأنها تقول إن هناك تصورًا آخر لأمريكا يمكن أن يُدار من الداخل.


ثم جاء ملف الصحة العامة ليكشف الصورة نفسها، ولكن بصورة أكثر وضوحًا. الخلاف بين الحكومة الفيدرالية والولايات لم يكن فقط حول إجراءات صحية، بل حول سؤال أبسط وأخطر: من يملك حق اتخاذ القرار عندما يتعلق الأمر بالجسد والحياة اليومية للمواطن؟ مع اختلاف تعريف الخطر وحدود الإلزام، بدا أن الدولة يمكن أن تنقسم من الداخل بسهولة. والنتيجة أن الفيدرالية، حين تتحول إلى ساحة صراع سياسى، تجعل المواطن رهينة المكان الذى يعيش فيه، فتختلف حقوقه وخدماته وقواعد حياته من ولاية إلى أخرى، لا لأن القانون واحد ويُطبق بشكل مختلف، بل لأن السياسة نفسها أصبحت مختلفة.


هذا التفتت يغيّر الداخل الأمريكى قبل الخارج؛ لأن الدولة حين تفقد قدرة التنفيذ الموحد للسياسات، تفقد أحد أعمدة القوة فى الدولة الحديثة، أى القدرة على تحويل المشروع إلى قرار سياسى، وتحويل القرار إلى مخرجات. فالسياسة الأمريكية اليوم لا تدور فقط حول صراع البرامج الحزبية، بل أصبحت صراع قدرات: ولاية تتحدى، وسلطة فيدرالية ترد، وقضاء يجمد الإجراءات دون أن يحسمها بالضرورة، ثم تُعاد المعركة بصيغة أخرى، وهكذا.


النتيجة ليست توازنًا صحيًا دائمًا كما درسناه كطلاب ودرّسناه كأساتذة عن النظام الأمريكى وتوازن السلطات فيه، بل تصبح عملية استنزاف تتطلب مناهج ورؤية جديدة للسياسات الأمريكية. عندما تصبح الدولة فى حالة نزاع مستمر على من يملك السلطة، يتحول النظام السياسى الداخلى إلى معركة مفتوحة، وتصبح كل الملفات قابلة للتسييس. كل هذا فى النهاية ينعكس على الاقتصاد، وعلى الاستثمارات، وعلى فكرة التخطيط الطويل، بل وحتى على الأمن العام والسلم الداخلى. من يصدق إننا نقول ونكتب هذا الكلام عن الولايات المتحدة بعد مرور ربع قرن من القرن الحادى والعشرين، بعد أن كنا نقوله بالأمس القريب عن الدول النامية؟


• • •
وهكذا، فالمواجهة فى عهد «أمريكا ترامب» ليست مجرد «سلطة فيدرالية تبدو سلطوية فى مواجهة سلطات الولايات الديمقراطية» أو العكس. المسألة هنا أعمق: ترامب أعاد إحياء فكرة أن الفيدرالية يمكن استخدامها كسلاح ضد الخصم الداخلى، لا كآلية حكم. فإذا كانت الولاية المعنية من المعسكر الآخر، تُحاصر بالخطاب، أو تُستخدم ضدها أدوات التمويل والإنفاذ، أو تُستدعى المعركة إلى المحكمة كمعركة كسر عظام لا تنفيذ قوانين. وفى المقابل، تعلّمت الولايات نفسها أن المقاومة ليست دفاعًا قانونيًا فقط، بل بناء شبكات سياسات بديلة وتحصينها تشريعيًا. هذا يعنى أننا أمام نظام يتجه نحو «فيدرالية حزبية»، أى ولايات لا تختلف فقط فى السياسات، بل تختلف أيضًا فى عقدها الاجتماعى بين الدولة والمجتمع.


وهنا يأتى سؤال المستقبل: هل هذا مسار مؤقت مرتبط بشخص ترامب؟ الإجابة التى تهمنا ليست فى نوايا الرجل، بل فى القواعد والأعراف التاريخية التى كسرها فى النظام السياسى الأمريكى. ترامب كسر أعرافًا مؤسسية كانت تمنع تحويل الخلاف الفيدرالى إلى حرب حول سؤال الشرعية. فعندما تُكسر القواعد والأعراف، لا تعود بسهولة، حتى لو تغيّرت الإدارة. لأن الأطراف الأخرى تتعلم: الولاية تتعلم كيف تتحدى، والفيدرالى يتعلم كيف يعاقب، والقضاء يصبح أكثر تسييسًا، والإعلام يتحول إلى جبهة حرب. وهذا هو التحول البنيوى فى الولايات المتحدة اليوم، الذى يجب دراسته جيدًا، سواء فى قاعات العلم، أو مراكز الأبحاث والسياسات، أو حتى على مستوى الدبلوماسية وصنع قرار السياسة الخارجية فى مصر والعالم العربى.


أستاذ مشارك العلاقات الدولية، والمدير المشارك لمركز دراسات الشرق الأوسط بجامعة دنفر

مقالات اليوم

قد يعجبك أيضا

بوابة الشروق 2026 - جميع الحقوق محفوظة