ما تيسر من سيرة الحب «2»… حديث الروح

الأحد 8 مارس 2026 - 6:55 م

كانت دعوة على العشاء قدمها سفير باكستان فى القاهرة السفير عامر شوكت لى ولعدد من زملائى فى قناة القاهرة الإخبارية

فى منزله بحى جاردن سيتى، بعد زيارته لنا فى مقر القناة حيث أشاد بما اعتبره أداءً إعلاميا مميزا، فى مدخل المنزل الفخم يضع السفير صورة لسيدة الغناء العربى أم كلثوم وإلى جوارها السفير سجاد حيدر السفير الأسبق لباكستان فى القاهرة وهو يسلمها شهادة تكريم بعد أن شدت من أشعار الشاعر والفيلسوف الهندى/ الباكستانى «محمد إقبال»  بواحدة من أجمل أغنياتها «حديث الروح».

 يفخر السفير بحضور أم كلثوم الدائم فى منزله، وهو حال كل سفراء باكستان السابقين، وقد كانت الصورة وصاحبة الصورة مدخلا لحديث طويل عن الفن والثقافة والتصوف، والعلاقات المصرية الباكستانية.

فأما  «حديث الروح» التى لحنها رياض السنباطى وغنتها أم كلثوم لأول مرة يوم 4 مايو عام 1967 بدار سينما قصر النيل فهى مزج بديع من قصيدتين كتبهما «إقبال» هما قصيدة «الشكوى» وقصيدة «جواب الشكوى».

وقد كتبهما «إقبال» باللغة الأوردية وترجمهما فى سبيكة إبداعية واحدة الشيخ الصاوى شعلان والسفير الباكستانى الأسبق فى القاهرة محمد حسن الأعظمى.

أما «محمد إقبال» فهو الشاعر والفيلسوف والسياسى والمناضل الهندى الكبير، وقد ولد فى ولاية البنجاب سنة 1877 ودرس الفلسفة فى بلاده وبعدها ارتحل إلى بريطانيا ثم ألمانيا ليكمل دراساته للفلسفة والسياسة والاقتصاد ثم عاد إلى الهند ليبدأ دفاعه عن قضية قيام دولة باكستان، لكنه رحل عام 1938 قبل نحو عقد من إعلان الدولة.

كان إقبال يكتب بالهندية والأوردية والفارسية إضافة إلى الكتابة باللغتين الإنجليزية والألمانية، وكان فى عصره واحدا من كبار رجال الفكر فى العالم الإسلامى، وهنا أترك لكاتبنا الكبير أحمد حسن الزيات الحديث عن إقبال حيث يقول: «إن إقبال نبت جسمه فى رياض كشمير، وانبثقت روحه من ضياء مكة وتألف غناؤه من ألحان شيراز، لسان لدين الله فى العجم يفسر القرآن بالحكمة ويصور الإيمان بالشعر ويدعو إلى حضارة شرقية قوامها الله والروح وينفر من حضارة غربية تقدس الإنسان والمادة».

تعرفت على محمد إقبال للمرة الأولى من خلال غناء أم كلثوم وموسيقى برنامج «حديث الروح» الذى كان يقدم لسنوات طويلة على شاشة التليفزيون المصرى، إلا أننى بعد أن قرأت له وعنه ازدادت محبتى له، فقد كان متصوفا نبيلا ومناضلا صلبا

 كان هنديا، هذا صحيح لكنه كان يمتلك قلبا عربيا بامتياز

فى إحدى قصائده التى حملت عنوان «إلى الأمة العربية» يقول إقبال:

كيف انقضى حلفكم وانفض سامركم

وكان بالأمس مثل العقد منتظما

توحدت فى قديم الأرض أمتكم

ما بالها انقسمت فى أرضكم أمما

قد خادعتكم من المستعمرين يد

سم العقارب فى أكمامها استترا

يا أيها العربى انظر لعصرك فى

دنيا يفوز بها من أحكم النظرا

كان ذلك فى ثلاثينيات القرن الماضى، غير أن هذا النداء مازالت تتردد أصداؤه فى عصرنا هذا بحثا عمن يجيب

عن الحرب والحب.

قبل يومين كنت أتابع أخبار الحرب الإسرائيلية الأمريكية على إيران وتداعياتها الكارثية التى طالت عددا من أقطارنا العربية، فأدرت مؤشر الراديو فى السيارة فإذا بصوت أم كلثوم وهو يشدو بأغنية حديث الروح، لكنى وعلى غير عادتى حين استمع لهذه الأغنية لم أسرح فى معانيها وعذوبة كلماتها وألحانها، بل وجدتنى أستعيد ما عرفته وقرأته عن محمد إقبال، وقصيدته «إلى الأمة العربية».

حين كتب إقبال هذه القصيدة لم تكن «إسرائيل» قد ظهرت إلى الوجود، لكنها كانت حاضرة بجرائم العصابات الصهيونية فى فلسطين، ودعم الدول الاستعمارية لها فى المحافل الدولية.

حين كتب إقبال هذه القصيدة كانت غالبية الأقطار العربية ترزح تحت نير الاستعمار متعدد الجنسيات، لكنها كانت تناضل من أجل الاستقلال والحرية وعيونها تراقب ما يدور فى فلسطين

إن المأزق المركب الذى يعيشه العرب حاليا يعكس عمق الأزمة التى حذر منها إقبال قبل نحو قرن من الزمان.

فلو كانت كلمة العرب موحدة لما احتاجوا لاتفاقات دفاع مع أى من الدول الكبرى، ولما ظهرت قوى إقليمية مدفوعة بمشاريع هيمنة تسعى للسيطرة على إقطارنا العربية.

ولو كانت كلمة العرب موحدة لما توسعت وهيمنت وتوحشت إسرائيل على هذا النحو.

 

 

 

مقالات اليوم

قد يعجبك أيضا

شارك بتعليقك

بوابة الشروق 2026 - جميع الحقوق محفوظة