سيميائِيَّة الألوان
الأحد 8 مارس 2026 - 6:55 م
تنطلق السيميائية (semiotics) من التصور الدلالى للعلامات، فهى أثر يدل على معنى، أو علامة تشير إلى شىء معين، كما لو قلنا: الدخان علامة على النار؛ وهذا المثال انطلق منه العالم والفيلسوف الأمريكى (تشارلز ساندرز برسCharles Sanders Peirce) عندما نظر إلى الدخان بوصفه علامة حيّة تشير إلى وجود النار، وتدل على معنى الاحتراق (المدلول)، وقد يتفرع عن هذا المعنى مدلولات أخرى، بمعنى أن الدخان أنواع: دخان الحريق، ودخان المصانع، ودخان التدفئة، ودخان الشواء، ودخان الطبخ، ودخان البرد، ولكل دخان دلالاته المختلفة، وانطباعاته المتنوعة، فقد يكون مقبولًا، وقد يكون خلاف ذلك.
ويمكن أن ننظر إلى (الألوان) بوصفها علامة عميقة، وأثرًا دالًا على معنى (مدلول)، غير أن هذا المدلول قد يتغير بتغير السياقات التى يرد فيها، ومن هنا قد نجد لونًا يدل على معنيين متضادين، كالأسود مثلًا الذى قد يدل على معنى الحزن، وقد يرمز إلى معنى الفرح. ومثل ذلك الأصفر الذى قد يشير إلى الاستواء والنماء، وربما دلّ على القذارة والتلوث، وكذا اللون الأحمر الذى قد يشير إلى الحب، والأناقة، وقد يدل على الغضب، أو التحذير، أو الخطر، وهكذا فإن اللون علامة على معانٍ مختلفة، قد تكون إيجابية، وقد تكون غير إيجابية.
وبعيدًا عن الجانب النفسى، أو العاطفى، أو السلوكى الذى قد يكشف عنه العنصر اللونى، فقد اتخذ بعضهم من اللون وسيلة لتحليل الشخصيات، وأنماطها السلوكية، كما فعل (توماس إريكسون) فى كتابه (محاط بالحمقى)، حيث قسّم السلوك البشرى إلى أربعة ألوان رئيسة (DISC)، وذلك من أجل فهم الشخصيات، وتحسين التواصل، وهى: اللون الأحمر الذى جعله يرمز للقيادة والسيطرة، ثم اللون الأصفر الذى خصّه للشخص الاجتماعى، أو المتفائل، ثم اللون الأخضر للهادئ، أو الداعم، ثم اللون الأزرق للتحليلى، أو الدقيق. وقد هدف المؤلف من خلال هذا التصنيف إلى جعل اللون علامة سيميائية على سلوك الأشخاص وتصرفاتهم؛ وذلك لتسهيل التعامل مع أنماط الشخصيات المختلفة فى العمل والحياة بشكل عام.
إن للألوان علاماتها الدالة، ورموزها التى تحمل من المعانى النفسية، والإشارات الثقافية، والعادات الاجتماعية، ما يجعلها تتجاوز قيمتها البصرية المجردة، فليس اللون عنصرًا أيقونيًّا فحسب، بل إنه لغة تعبيرية مؤثرة فى حدّ ذاتها، حيث يحمل كل لون دلالاته الإيجابية، وربما السلبية، وقد يُستخدم فى مجالات عدة: فى الطب مثلًا، والهندسة، والتعليم، والفنون، والأدب، و(الديكور)، أو التصميم، وفى كل مجال يضطلع اللون بتوليد دلالات كثيرة، ومعانٍ عميقة، وربما مشاعر، وعواطف، وتأثيرات أخرى، حسية، وغير حسية.
ومن يتأمل فى فضاء اللون وعوالمه، سيجد أن لكل لون فى الوجود علاماته وأماراته، حتى فى عالم الفلك، فلون القمر الأبيض يدل على الجمال والتأمل، والضياء، ولون الشمس الأصفر يدل على الدفء، والطاقة، والإشراق، ولون الغيوم إذا اسوّد كان منذرًا بالمطر، ومؤشرًا على قرب نزوله، ومثل ذلك إذا تأملنا فى لون البروق، والنجوم، والكواكب، والمجرات، والمذنبات، والشهب، والجبال، والصحارى، والبحار، والأنهار، والأشجار، والرمال، وغيرها، فلكل لون منها إشارات، وإيحاءات.
فهد إبراهيم البكر
جريدة الرياض السعودية
النص الأصلى:
https://tinyurl.com/2j2z59nn
مقالات اليوم
قد يعجبك أيضا