استدعاء كوندليزا رايس ومشروع «الفوضى الخلاقة»

الأحد 8 مارس 2026 - 6:55 م

لم يكن مستغربًا أن يستدعى الرئيس الأمريكى دونالد ترامب وزيرة خارجية بلاده السابقة كوندليزا رايس صاحبة نظرية «الفوضى الخلاقة»، التى بشرت بها الولايات المتحدة قبل عقدين باعتبارها المدخل إلى تأسيس «الشرق الأوسط الجديد».

المشروع الذى أعلنته رايس كان يمثل رؤية استراتيجية لإعادة ترتيب خريطة الإقليم على نحو يسمح بترسيخ الهيمنة الأمريكية، ويضمن فى الوقت نفسه تفوق إسرائيل بوصفها الحليف الأكثر موثوقية لواشنطن فى المنطقة.

عقب لقائها القصير مع ترامب نهاية الأسبوع الماضى، دعت رايس إلى «التعامل مع إيران بشكل نهائى»، مشيدة بما وصفته بـ«العملية العسكرية الجريئة» التى أسفرت عن مقتل المرشد الأعلى الإيرانى على خامنئى.

رايس ترى أن الهدف الأساسى لأى تحرك عسكرى ضد طهران يجب أن يكون شل قدرتها على الرد، وتحييدها كقوة مؤثرة فى توازنات المنطقة.

هذه التصريحات لا يمكن فصلها عن المشروع الأوسع الذى دافعت عنه رايس منذ سنوات؛ فمفهوم «الفوضى الخلاقة» الذى تبنته نهاية عام 2005، يقوم على فكرة مفادها أن الوصول بالمجتمعات إلى درجة عالية من الاضطراب قد يفتح الطريق لإعادة تشكيلها على أسس جديدة.

بهذا المعنى، استخدم المصطلح لتبرير الغزو الأمريكى للعراق عام 2003، باعتبار أن الفوضى التى نتجت عنه يمكن أن تكون مدخلًا لولادة نظام إقليمى مختلف.

لكن ما جرى لاحقًا أظهر أن الفوضى التى بشرت بها الإدارة الأمريكية لم تكن «خلاقة» بالمعنى الذى تم الترويج له؛ فما شهدته العراق ومن قبلها أفغانستان يثبت أن الهدف الأمريكى كان ولا يزال ضرب أُسس الدول التى من الممكن أن تشكل خطرًا على إسرائيل أو تتحدى إرادة واشنطن.

بالتوزاى؛ تطورت داخل إسرائيل رؤية أخرى لمستقبل المنطقة؛ فبينما تحدث الرئيس الإسرائيلى الأسبق شيمون بيريز فى كتابه «الشرق الأوسط الجديد» عن إمكانية بناء شراكات اقتصادية وسياسية بين إسرائيل ودول المنطقة، اتجهت الحكومات اليمينية اللاحقة إلى تصور مختلف يقوم على ترسيخ التفوق الإسرائيلى باعتباره شرطًا لأى نظام إقليمى جديد، فيما عرف بـ«سلام القوة».

فى هذه الرؤية لم يعد الهدف مجرد إدماج دولة الاحتلال كدولة طبيعية فى المنطقة، بل إعادة صياغة موازين القوى فيها بما يضمن هيمنة إسرائيل على مقدرات وإرادة شعوب الشرق الأوسط.

ومن هنا أيضا يمكن فهم الاستراتيجية التى يدافع عنها رئيس الوزراء الإسرائيلى بنيامين نتنياهو، والتى تقوم على تغيير «الواقع الاستراتيجى فى الشرق الأوسط» بإضعاف مجموع دوله وتفكيك أى كيان يمثل خطرًا على دولة الاحتلال وعلى رأسهم إيران التى يطالبها الرئيس الأمريكى بـ«الاستسلام غير المشروط».

قبل أيام من عملية «طوفان الأقصى»، عرض نتنياهو من على منصة الأمم المتحدة خريطة لما سماه «الشرق الأوسط الجديد»، وهى خريطة تقوم على توسيع دائرة التطبيع مع إسرائيل دون أى إشارة إلى قيام دولة فلسطينية.

الآن لم يعد نتنياهو يتحدث فقط عن إسرائيل كدولة تسعى إلى إقامة علاقات طبيعية مع محيطها ولو على حساب القضية الفلسطينية، بل كقوة تسيطر على الإقليم، وتمتلك القدرة على فرض معادلاته السياسية والأمنية.

من هذه الزاوية يصبح ضرب إيران، خطوة ضمن مسار أوسع يهدف إلى وضع الإقليم بالكامل تحت الوصاية الإسرائيلية.

نجاح إسرائيل فى تحقيق مثل هذه الأهداف لن يغير فقط موازين القوى، بل سيحمل رسالة ردع واضحة إلى جميع دول الإقليم مفادها أن قدرتها على الوصول إلى خصومها تمتد إلى أى مكان فى الشرق الأوسط، حسبما هدد نتنياهو من قبل.

قبل عقود، لخص المفكر المصرى جمال حمدان طبيعة العلاقة بين المشروع الصهيونى والغرب بقوله إن الإمبريالية العالمية والصهيونية التقتا على طريق واحد هو المصلحة الاستعمارية المشتركة، بحيث يصبح «الوطن اليهودى» قاعدة متقدمة تخدم مصالح القوى الكبرى فى المنطقة.

لم يكن ذلك توصيفًا أيديولوجيًا لمفكر ينتمى إلى المشروع القومى العربى الذى وضع أسسه الرئيس الراحل جمال عبد الناصر، بقدر ما كان قراءة مبكرة لمسار الأحداث؛ فالوقائع التى تكشفت لاحقًا أكدت أن إسرائيل تمثل الامتداد الطبيعى للمشروع الغربى فى المنطقة، وأن كل حديث عن شراكات استراتيجية بين الولايات المتحدة ودول الشرق الأوسط يبقى فى نهاية المطاف محكومًا بحدود المصالح الأمريكية وتفوق إسرائيل على محيطها.

ذلك هو جوهر الشرق الأوسط فى العقيدة الأمريكية القديمة المتجددة.. إقليم يعاد تشكيله وتفرض معادلاته تحت الهيمنة الإسرائيلية.

مقالات اليوم

قد يعجبك أيضا

شارك بتعليقك

بوابة الشروق 2026 - جميع الحقوق محفوظة