لدينا أعظم وأقوى جيش فى العالم، هذا ما صرّح به الرئيس ترامب وهو يصف القدرات العسكرية الأمريكية التى تبلغ ميزانيتها ما يقارب التريليون دولار سنويا، مستندةً إلى قواعد علمية وبحثية وتكنولوجية وصناعية هائلة أتاحت لها ذلك القدر من القوة العسكرية الجبارة التى استند إليها الرئيس ترامب فى شن الحرب على إيران للمرة الثانية خلال فترة لم تتجاوز السنة، وهو قرار بشن حرب عدوانية متكاملة الأركان، بموجب العلاقات السياسية الدولية، وبموجب قواعد القانون الدولى وميثاق الأمم المتحدة، التى لا يعترف بها الرئيس ترامب ولا يقيم لها وزنا فى مقابل إيمانه بنظرية القــوة الغاشمة فى العلاقات الدولية.
إن الولايات المتحدة تدرك تمامًا أهمية وخطورة الموقع الجيوسياسى والاستراتيجى لإيران، وهو موقع تتقاطع فيه خطوط النقل والتجارة الدولية من وإلى القارة الآسيوية والعالم، وهو مجمع لشبكة هائلة من خطوط النقل البرى والسكك الحديدية التى تبنيها الصين وروسيا بالتعاون مع إيران، كما أنه يشمل أيضًا الحدود الإيرانية مع باكستان وأفغانستان ووسط آسيا والجنوب الروسى وتركيا، الأمر الذى يجعل من إيران بلدًا فاعلًا ومؤثرًا فى أى ترتيبات سياسية أو اقتصادية.
وما يصعّد من الأهمية الاستراتيجية لإيران هو موقعها الحاكم والمسيطر على مضيق هرمز ومدخل الخليج العربى، وإمكاناتها ومواردها الاقتصادية الضخمة كثالث أكبر مصدر للنفط فى منظمة الأوبك، فضلًا عن امتلاكها احتياطيات هائلة ومؤكدة من النفط والغاز والمعادن، بما يجعل منها مطمعًا لشركات النفط الأمريكية، وهى جميعها اعتبارات تجعل من إيران هدفًا للمخططات الاستراتيجية الأمريكية.
جوهر المعضلة الإيرانية بالنسبة للولايات المتحدة وحلفائها يكمن فى أن النظام الإيرانى الحالى قد رفض لقرابة الخمسين عامًا الاندماج فى منظومة الهيمنة الأمريكية والغربية أو التماهى معها، واختار أن تكون إيران مستقلة بمنأى عنها، وحتى عندما اختار الشراكة وإقامة العلاقات مع دول كبرى مثل الصين وروسيا، كانت هذه الشراكة تقوم على الاستقلالية والتكافؤ إلى حد كبير.
النظام الإيرانى الذى وضع ضمن سياساته لفترة طويلة دعم محور المقاومة فى سوريا ولبنان واليمن والعراق، وبرغم أن هذا المحور كان محدود القدرات مقارنة بالآلة العسكرية الأمريكية والإسرائيلية، إلا أنه تمكن إلى حد كبير من تقديم نموذج مقاوم يأبى الهيمنة الأمريكية والغربية على مقدراته، وهى هيمنة لا ترضى بأقل من الانصياع والخضوع.
هنا يتركز مكمن العداء بين إسرائيل والنظام الإيرانى الحالى، فبالإضافة إلى دعم محور المقاومة، لم يتوانَ النظام الإيرانى عن تطوير وبناء قدراته العسكرية، وأهمها منظومات المسيّرات والصواريخ الباليستية، والتى استخدمها بالفعل فى قصف البلدات والمستعمرات الإسرائيلية فى فلسطين المحتلة، كما أنه طور قدراته النووية بشكل أقلق إسرائيل التى هى بالفعل قوة نووية عسكرية تأبى أن تحوز دولة غيرها فى الشرق الأوسط على مثل هذا السلاح الاستراتيجى.
فى إسرائيل تبرز ملامح ما يمكن تسميته بعقيدة درع يهودا، وهى رؤية تتجاوز بها إسرائيل مفهوم الدفاع عن النفس لتصل إلى مفهوم الهيمنة المطلقة، وبذلك فوجود النظام الإيرانى يضع أمام إسرائيل عائقًا كبيرًا لتنفيذ استراتيجيتها فى الشرق الأوسط وتنفيذ مخططاتها التوسعية فيه، وهو ما يؤكده حديث رئيس الوزراء الصهيونى نتنياهو عن تحالف يجمع إسرائيل مع الهند ودول أخرى؛ لمواجهة ما يسمى بالتحالف الشيعى بقيادة إيران، والتحالف السنى الصاعد فى إشارة إلى التعاون السعودى ــ التركى ــ الباكستانى.
• • •
الولايات المتحدة والدول الغربية التى فرضت كل أشكال المقاطعة والحصار على إيران يبدو أنها أدركت أن تلك الوسائل باتت غير كافية لإسقاط النظام الإيرانى الذى تمكن طوال الخمسين عامًا الماضية من البقاء والاستمرار ومواصلة العمل فى برنامجه النووى، وبناء ترسانة عسكرية ضخمة اتضحت قدراتها خلال المواجهة الأمريكية الإسرائيلية الماضية والحالية، وكذلك بناء قدرات اقتصادية تجاوز بها الحصار الاقتصادى والمالى الغربى المفروض عليه.
اليوم تقوم الولايات المتحدة وإسرائيل من جديد بالاشتراك معًا فى شن الحرب على إيران، حيث تم تقسيم الأدوار بقيام إسرائيل باستهداف البنية التحتية العسكرية وتدمير قواعد ومنشآت إنتاج وإطلاق الصواريخ الباليستية ومنصات الإطلاق، فى حين تتولى الولايات المتحدة توجيه الضربات إلى المنشآت المرتبطة بالبرنامج النووى الإيرانى والمعسكرات ومقرات الحرس الثورى ومقرات القيادة السياسية والعسكرية.
الحرب الأمريكية الإسرائيلية الحالية لا تستهدف فقط تدمير القدرات العسكرية الإيرانية واغتيال قيادات الدولة الإيرانية، بل تستهدف أيضًا إحداث حالة اضطراب وانهيار داخلى يمكن أن تؤدى إلى إسقاط النظام الإيراني، والرئيس ترامب نفسه خرج يطالب أفراد الحرس الثورى والقوات المسلحة الإيرانية بأن يُلقوا أسلحتهم فورًا، مضيفًا أن من يفعل ذلك سينال حصانة كاملة، أما من يرفض الاستجابة فسيواجه الموت، ومبشرًا الإيرانيين بأن اللحظة الراهنة تمثل فرصة تاريخية لتحديد مستقبلهم السياسى.
والسؤال الذى يطرح نفسه هنا هو: أى مستقبل سياسى يرغبه الرئيس ترامب للإيرانيين؟ هل هو مستقبل يستحضر فيه رضا بهلوى، ولى عهد الشاه الإيرانى السابق، وهو امتداد لأبيه الحليف العتيد للولايات المتحدة والذى أذاقت أجهزته الأمنية الشعب الإيرانى التنكيل والعذاب على مدى سنوات طويلة؟ وهو ذاته ولى العهد الذى وقف يبارك الحرب الأمريكية الإسرائيلية على وطنه إيران، والذى سبق له أن ارتدى القلنسوة اليهودية ووقف يذرف الدموع أمام حائط المبكى المزعوم، وهو من لا يعترف بالحقوق الفلسطينية ولا بالشعب الفلسطينى.
هل المستقبل السياسى الذى يريده الرئيس ترامب للإيرانيين هو مستقبل تقوم فيه حكومة إيرانية تنصبها وتباركها الولايات المتحدة وإسرائيل لتأتى بالشركات الأمريكية لاستغلال موارد إيران من النفط والغاز والمعادن؟ أم حكومة إيرانية تكون سياساتها كالخنجر فى خاصرة روسيا من الجنوب؟ أم حكومة إيرانية تجعل من إيران الجسر الشرق أوسطى بين إسرائيل والهند؟ أم حكومة إيرانية تتودد لإسرائيل وتتحالف معها على حساب الدول الخليجية والعربية وعلى حساب الحقوق العربية والفلسطينية؟
لا جدال على أن الهدف النهائى من تلك الحرب هو إخضاع إيران، فالنظام الإيرانى الحالى وتوجهاته وسياساته جميعها تتباين وتتناقض مع المخططات الأمريكية والإسرائيلية، لذلك بات يتعين التخلص منه وإزالته من الوجود. أما إيران الخاضعة فهى المنشودة لأنها ستخدم إلى حد بعيد الاستراتيجيات الأمريكية والإسرائيلية إقليميًا وعالميًا، ومن أجل ذلك كانت تلك الحرب.. وإن غدًا لناظره قريب.
أستاذ ومستشار الاقتصاد الدولى واللوجيستيات