الوقت لم يحن بعد لاستخلاص أى نتائج لما سيسفر عنه العدوان الأمريكى الإسرائيلى على إيران، ومع ذلك ففى حدود ما يتوافر من معلومات مؤكدة، يمكن إثارة بعض القضايا التى قد تفيد فى رسم طريق للوطن العربى فى المستقبل، وأهمها ما يتعلق بتوصيف ما يجرى من حرب على إيران، ومدى الفائدة من وجود قواعد عسكرية فى الدول العربية، وما إذا كانت هناك مشروعات عربية لتوقى تكرار هذا العدوان على دول عربية أخرى فى المستقبل.
عدو إسرائيل اللدود هو التقدم العلمى فى أى من دول الشرق الأوسط:
العدوان الأمريكى الإسرائيلى على إيران هو بكل تأكيد لا يقوم على أى أساس قانونى. لم تشكل إيران خطرا داهما على الولايات المتحدة ولا على إسرائيل. لم يثبت أى من المتحدثين باسم الحكومتين المعتديتين أنه كان لإيران خطط لهجوم على أى منهما، وذكر مدير الوكالة الدولية للطاقة النووية أن إيران ليس لديها سلاح نووى وليس بمقدورها صنعه فى الوقت الحاضر، وفضلا على ذلك فلو افترضنا أن الحكومة الإيرانية انتهكت التزاماتها بموجب اتفاقية حظر انتشار الأسلحة النووية، فليست الولايات المتحدة ولا إسرائيل، اللتان لم توقعا على هذه المعاهدة وتمتلكان أسلحة نووية، هما المخولتين للتدخل باسم المجتمع الدولى لوقف مثل هذا الانتهاك إن كان قد حدث.
مثل هذا التوصيف لما قامت به هاتان الدولتان كحرب لا تستند إلى أى أساس من القانون هو مهم للتذكير به فى وجه تركيز الإعلام المصرى وتصريحات المسئولين التى تتجاهل هذا الجانب وتركز فقط على بعض ما أدى إليه من هجوم إيرانى على القواعد العسكرية الأمريكية فى دول الخليج، والإعراب عن التضامن مع هذه الدول، وهو بكل تأكيد مطلوب ومرغوب، ولكن بشرط وضعه فى إطاره الصحيح، وهو أنه أحد تداعيات عدوان على دولة شقيقة ينبغى ليس فقط شجبه ولكن استخلاص الدروس النافعة للمستقبل منه.
دواعى تصميم الرئيس الأمريكى على بدء هذه الحرب، والتى حذر منها قادة القوات المسلحة وخبراء العلاقات الدولية فى الولايات المتحدة، واضحة. هو بحاجة لصرف اهتمام الرأى العام الأمريكى عن تورطه فى الفضائح الجنسية التى كشف عن بعض ملامحها ما خرج من ملف جيوفرى إبستين، وإخفاقه تقريبا فى كل المبادرات التى تطوع بالدخول فيها، من تسوية النزاع فى أوكرانيا أو التخلص من ملايين من المهاجرين غير القانونيين فى الولايات المتحدة، أو الاستمرار فى فرض تعريفات جمركية بالغة الارتفاع مع كل شركاء الولايات المتحدة التجاريين، وذلك افتئاتا على سلطة مجلسى الكونجرس فى هذا الخصوص، ورغبته فى تحقيق نصر سريع وسهل يرفع من حظوظ مرشحى حزبه الجمهورى فى انتخابات التجديد النصفى بعد شهور.
ولكن إذا كان كثير من المعلقين فى الولايات المتحدة يجزمون بأن الذى قاد ترامب للدخول فى هذه الحرب غير مضمونة النتائج هو بنيامين نتنياهو رئيس وزراء إسرائيل، فلماذا جند نتنياهو كل مهاراته الدبلوماسية وما يملكه من أدوات ضغط على الرئيس الأمريكى ليدفعه إلى هذا الطريق؟ طبعا نتنياهو لديه أيضا دوافعه الشخصية، فهو يُحاكم بالفعل على تهم فساد، كما أنه يريد أن يغطى على مسئوليته عن الهزيمة التى ألحقتها حماس بإسرائيل فى السابع من أكتوبر ٢٠٢٣، وذلك بنصر استراتيجى على من تبقى من أعداء إسرائيل فى الشرق الأوسط بعد إتمام السيطرة على غزة والضفة الغربية وجنوب سوريا، وإضعاف حزب الله والتمدد فى جنوب لبنان، وسقوط نظام الأسد فى سوريا على يد جماعة لا تمانع فى الصلح مع إسرائيل.
موقف إسرائيل من البرنامج النووى الإيرانى هو انعكاس لموقف ثابت يخشى من التقدم العلمى فى أى دولة عربية أو شرق أوسطية ويسعى لإجهاضه قبل أن يتطور وينتهى بقدرة تكنولوجية واقتصادية وعسكرية تجعل من أى منها ندّا لإسرائيل. والدلائل على ذلك كثيرة، منها موقف إسرائيل من برنامج الصواريخ فى مصر الذى كانت الحكومة المصرية تسعى لتطويره بالتعاون مع علماء ألمان، فجندت المخابرات الإسرائيلية عميلا ألمانيا أمدها بمعلومات عن هؤلاء العلماء مما دعاها لإرسال طرود متفجرة لهم كشفت عنها السلطات المصرية بعد تفجر بعضها، ولكنهم غادروا مصر بعدها. ومن هذه الدلائل كذلك غارات إسرائيل على المفاعل النووى العراقى فى يوليو ١٩٨٠، ثم انخراط عملائها فى اغتيال العلماء العراقيين الذين عملوا أو اقتربوا من برنامج الأبحاث العلمية العراقية فى ظل صدام حسين، وذلك بعد غزو القوات الأمريكية للعراق فى مارس ٢٠٠٣، ونشاطها الكثيف بعد ذلك فى ملاحقة واغتيال العلماء الإيرانيين المرتبطين ببرنامج إيران النووى.
مخطط إسرائيل الكبرى التى تمتد من النيل إلى الفرات، والذى يراه سفير الولايات المتحدة فى إسرائيل تلبية لوعد توراتى، لا يستقيم ووجود دولة أخرى فى الشرق الأوسط تملك من القدرات العلمية والتكنولوجية ما يمكنها من أن تقف ندّا لإسرائيل حتى ولو لم تناصبها العداء. أنظار إسرائيل الآن متوجهة إلى تركيا، ولا شك أنها تتابع عن كثب ما يجرى فى مصر. وقد كانت بالفعل وراء إثارة مسألة تجربة متواضعة أجراها عالم مصرى فى مفاعل إنشاص النووى منذ عقود، وكانت وراء تحريكها كقضية تستدعى القلق، وذلك فى إطار الوكالة الدولية للطاقة النووية.
ما جرى ضد إيران من جانب إسرائيل التى تدفع الإدارة الأمريكية وراءها هو صيحة تحذير للدول التى لديها إمكانية دفع التطور العلمى والتكنولوجى، وليس فقط فى مجال الطبيعة النووية، ففروع العلم مترابطة، واستخداماتها العسكرية مفتوحة، والإسرائيليون على وعى حاد بذلك.
قيمة القواعد العسكرية
كان إنهاء وجود القواعد العسكرية الأجنبية فى الوطن العربى شعارا للحركة القومية العربية فى خمسينيات القرن الماضى، إدراكا من قادة هذه الحركة أن هذه القواعد هى أداة ضغط على حكومات الدول التى تتواجد فى أراضيها، وأن المقصود بها هو استخدامها على النحو الذى يخدم استراتيجيات الدول التى تتبعها هذه القواعد. ولذلك خرجت المظاهرات ضد وجود هذه القواعد فى البحرين فى مارس ١٩٥٦، وذلك إبان زيارة وزير الخارجية البريطانى سلوين لويد، وانتهز جمال عبد الناصر فرصة خروج القوات البريطانية والفرنسية من مصر بعد عدوانهما مع إسرائيل فى ١٩٥٦ ليلغى اتفاقية الجلاء الموقعة فى أكتوبر ١٩٥٤، والتى كانت تمنح بريطانيا حق العودة إلى قاعدتها فى منطقة قناة السويس فى حالة أى عدوان على مصر أو دول الجامعة العربية أو تركيا. ثم توصلت تونس بعد استقلالها لإلغاء وجود فرنسا فى قاعدة بنزرت في أكتوبر 1963، وهو ما فعله معمر القذافى بعد ثورة الفاتح من سبتمبر ١٩٦٩ عندما أنهى الوجود البريطانى فى قاعدة طبرق.
موقف الدول التى ما زالت تحتفظ بقواعد عسكرية لدول أجنبية، وخصوصا من الدول الكبرى، يمكن تفسيره بحاجة هذه الدول لضمان أمنها الذى لا تستطيع تأمينه فى ظل تهديدات لا تقدر وحدها، بحكم قلة سكانها، أن تواجهها من جانب جيران يفوقونها فى عدد السكان وقدراتهم العسكرية. ولكن وجود هذه القواعد يعرض هذه الدول لمخاطر لم تكن تتصورها عندما تستخدم هذه القواعد مباشرة أو بطريقة غير مباشرة فى الاعتداء على دول مجاورة. فهل تضمن ألا تستهدف هذه الدول التى تعرضت لعدوان انطلاقا من هذه القواعد، أو بمساعدة منها، هذه القواعد تحديدا أو حتى منشآت مجاورة تخدمها؟ وما هو موقف الدول التى توجد على أرضها هذه القواعد عندما تثبت التجربة أن هذه القواعد لم تقم بالمهمة المتوقعة منها وهى الدفاع عن هذه البلاد عندما تتعرض لعدوان؟
التضامن مع دول الخليج الشقيقة هو واجب أخلاقى ومشروع قانونا كما تقتضيه المصلحة المصرية والعربية، ولكن لا شك أن هذه الأسئلة تراود عقول المثقفين الخليجيين كذلك.
هل هناك من رادع للعدوانية الإسرائيلية؟
على الرغم من البون الشاسع بين القدرات العلمية والتكنولوجية والعسكرية التى تملكها إسرائيل، عدو التقدم العربى فى أى مجال، وما تملكه الدول العربية من قدرات، إلا أن فقر العقل العربى وعجز الإرادة والتمسك بالحلول الفردية من جانب كل دولة لن يؤدى إلى وقف شهية إسرائيل عن تحقيق مشروعها التوسعى، والذى يشمل السعودية كما يشمل مصر والأردن ولبنان وسوريا والعراق.
ليس هنا مجال التفصيل. ليس أقل من التحالف العسكرى سبيلا للوقوف أمام هذا المخطط. كانت هناك فى الماضى قيادة عسكرية مشتركة فى ظل الجامعة العربية فى 1964، وطرحت فكرة إعلان دمشق فى ١٩٩١ مارس أعقاب الغزو الصدامى للكويت فى ١٩٩٠. لم تستمر القيادة العسكرية المشتركة، وكان التعاون بين مصر وسوريا وراء النجاحات الأولية فى حرب أكتوبر ١٩٧٣، ولكن لم تعد مثل هذه الأفكار تتردد فى الوقت الحاضر، لكنها تكتسب أهمية أمام هذا العجز العربى عن مواجهة إسرائيل.
صحيح أن كل هذه الدول لا تستطيع فى الوقت الحاضر مجاراة التفوق الإسرائيلى فى مجال استخدامات العلم والتكنولوجيا المتقدمة فى أغراض الدفاع وأمور أخرى، ولكن العلم يفتح أيضا أبوابا لمواجهة الصواريخ والأسلحة المتقدمة. ابتكرت تركيا وإيران مسيرات احتاجتها روسيا، واستطاعت المقاومة الفيتنامية هزيمة الولايات المتحدة والفارق بين الطرفين شاسع.
التحالف العسكرى العربى مع تركيا وإيران، مصحوبا بإحراز التقدم فى مجال العلم وإدارة نظم الحكم على أساس من الرشادة، يفتح الباب أمام بناء رادع فى مواجهة عدو لا يريد أى تقدم لأى دولة أخرى فى الشرق الأوسط.
أستاذ العلوم السياسية بجامعة القاهرة