فى الاختِلاف

الجمعة 16 يناير 2026 - 6:42 م


أثار فيلم «الست» زوبعة من الجدل العنيف بين الناس؛ من شاهدوه ومن اكتفوا بالسماع عنه، من تخصصوا فى النقد السينمائى ومن اندرجوا تحت بند المتلقى العادى. البعض لم ير فى العمل سوى إساءة دامغة تستدعى الانتفاض، وبعض آخر تحدث عن معالجة فنية رائعة تستحق الإشادة والثناء، وبين الفريقين تاه التقييم المتأنى الرزين، واختلت موازين الانحياز الموضوعى، وتحول الخلاف فى وجهات النظر إلى اتهام مباشر.

تقول الحكمة العربية: «لولا اختلاف الأذواق لبارت السلع»، والمعنى أن تعدد الاتجاهات والتفضيلات قد يؤدى إلى ترويج الشىء ونقيضه فى آن، ويصنع برحًا واسعًا للتجريب والابتكار. الأزياء مثال واضح: أنواع وأشكال لا حصر لها، تجد جميعها الزبون المناسب الذى يرغب فيها ويسعى وراءها. الطعام مثال آخر، والاختراعات التى تُستحدث كل يوم ضمن طائفة الحلويات والمخبوزات وغيرها؛ تجد من يصطف فى طابور طويل ليتذوقها، ومن يخصص من وقته الثمين ليصل إليها ويبتاعها؛ رغم أن ثمة من يسخر منها ويأنف تناولها ويفضل عليها التقليدى المجرب الذى يتمتع بالبساطة ووضوح المذاق.

يعتمد استقبال المرء لما حوله من مؤثرات وأحداث على طبيعة شخصيته وصفاته: ميله للتشاؤم أو الاستبشار، قدرته على رؤية الجوانب الإيجابية أو تمركزه حول السلبيات، قدرته على طرح الأسئلة أو اكتفائه بما تلقى من معطيات. يعتمد كذلك على مفردات البيئة التى تحيط به، وعلى خبراته وخلفيته الثقافية والتعليمية وعلاقاته وحصيلته المعرفية بوجه عام.

على هذا، قد يتباين الرفقاء بل والأخوة فى نوعية اختياراتهم وأفعالهم، والمثل يقول: «صوابعك مش زى بعضها»، أى منها القصير والطويل والعريض رغم أن كفًا واحدة تضمها جميعًا.

فى الرؤساء الذين حكموا الولايات المتحدة نموذج دال؛ هؤلاء المنتمون للحزب الديمقراطى يُفترض أن يسيروا على مبادئ واضحة وأسس معلومة، وهؤلاء القادمون من الحزب الجمهورى يُفترض أيضًا أنهم ملتزمون بتعاليم وخطط محددة، لكن التجربة العملية تثبت وجود فوارق شاسعة بين أداء الرؤساء من أعضاء الحزب الواحد؛ فوارق تنعكس لضخامتها على العالم بأسره، وتعيد بعض الأحيان تشكيله.

يقول المأثور العربى: «هبت الريح فماّلح شكى وماّلح شكر». الظرف واحد، والأجواء واحدة، والحرفة أيضًا؛ لكن صاحب القارب الأول يخشى العاصفة ويظن فيها الشر، بينما الثانى يأمل أن تدفعه وتساعده وتهون عليه الجهد. الشكوى والشكر نقيضان، والقولة توجز المشاعر المتفاوتة التى قد تعترى البشر إزاء الحدث نفسه.

ويذكر فى هذا السياق بيت الشعر الذى أنشده أبو الطيب المتنبى: «بذا قضت الأيام ما بين أهلها.. مصائب قوم عند قوم فوائد».

لا يوجد دليل وحيد مفصل يجب أن يتبعه الناس فى تأدية أعمالهم، وتحقيق أغراضهم، وتناولهم لأمور حياتهم؛ إذ «كل شيخ وله طريقة»، وما من داعٍ أبدًا لتوحيد الطرق ودمجها أو اختزالها؛ بل الأجدى ترك الحرية لمن شاء أن يستكشف سبلًا غير مطروقة، أو يسعى لفتح أبواب موصدة؛ لعله يصبح أولًا فى ارتياد آفاق جديدة، وينجز ما لم يتأت إنجازه عبر الأدوات والآليات المعروفة.

الاختلاف أمر بشرى وطبيعى تفرضه السليقة؛ لكنه قد يغدو بعض المرات عملًا عمديًا مدبرًا. يقال: «خالف تُعرف»، والمراد أن ما يجذب الانتباه هو الشىء الشاذ عن محيطه، أما ما تماثل وتشابهت صفاته؛ فيمر به المرء دون أن يلحظه.

فإذا أراد الواحد أن يلفت النظر؛ أتى بما يجافى المألوف ويخرج على المعتاد، والأمثلة كثيرة؛ أتفهها شخص يقود دراجة نارية ذات صوت عالٍ يصم الآذان ويفزع الناس فى بيوتهم. الدراجة غير مصممة لتصنع مثل هذه الضوضاء، إنما يتم العبث بأجزائها لتصبح أداة للتظاهر والتباهى، وكذلك لمضايقة الآخرين. سلوكيات عدة تمضى على هذا المنوال، يرغب أصحابها فى أن يكونوا محط الاهتمام ومركز الكون، وكثيرًا ما يتسببون فى أضرار بالغة للمجموع؛ خاصة ما كانوا فى موضع سلطة.

إذا كان الاختلاف سنة الحياة وناموسها، فإن التلاقى فى الصفات والميول وجه آخر؛ وارد ومحبب، يقارب بين الناس ويعزز الود والتفاهم. يقال عن التشابه الذى يجمع أشخاصًا بغير سابق معرفة: «الطيور على أشكالها تقع»، وفى الأمثال الشعبية نجد: «ما جمع إلا أما وفرق»، ومن الأقوال الطريفة فى هذا الإطار: «اتلم المتعوس على خايب الرجا»، والإشارة تستدعى البسمة إلى الشفاه، إذ التلاقى على أرضية الفشل وسوء الحظ أمر جائز متكرر.

ويمضى المأثور الدينى بالتوازى مقررًا أن «الأرواح جنود مجندة، فما تعارف منها ائتلف وما تناكر منها اختلف».

يتداول اللسان الشعبى فى الإطار ذاته قولًا موسيقيًا له وقع راقص، والعادة أن نستخدمه ما تناغم شيئان أو شخصان وظهر بينهما تجانس واضح، نقول فى هذه الحال: «كل شيللو يشبهللو»، وضم الكلمات فى الكتابة دليل على كيفية نطقها، أما أصلها فكالتالى: «كل شىء له ما يشبهه»، وقد درجنا على اختصار كلامنا بما يسهل الوصول للمراد وييسر عملية التسجيل والحفظ فى الذاكرة.

اختلاف الرأى لا يفسد للود قضية، وقبول النقد من شيم العقلاء والحكماء، أما الغضب ومحاولة فرض توجهات بعينها على الآخرين فكبر وغرور؛ ينمان عن فقدان الثقة بالنفس وضيق الصدر. والحق أن الأنظمة السياسية ما استقرت أركانها ودعائمها، وسرى العدل بين أرجائها؛ فتحت المجالات أمام مختلف الأطياف للتعبير عن رؤاها ومعتقداتها.

مقالات اليوم

قد يعجبك أيضا

شارك بتعليقك

بوابة الشروق 2026 - جميع الحقوق محفوظة