x قد يعجبك أيضا

يحيى حقى و«القصة القصيرة»

السبت 17 يناير 2026 - 6:30 م

(1)
يحيى حقى أحد سادات كتابة القصة فى أدبنا الحديث والمعاصر؛ كان له دور بارز فى تأصيل هذا الفن فى تربة الثقافة العربية الحديثة، وأثبت أن اللغة العربية، شأنها شأن كل لغة حية مبدعة، قادرة على تجسيد وتصوير أعقد المشاعر وأكثرها غموضًا وتلونًا واستبهامًا، كما كان من القلة المبدعة ذات الثقافة الفنية الرفيعة.
ينتمى يحيى حقى إلى ما عُرف فى تاريخ الأدب المصرى والقصة المصرية بالمدرسة الحديثة التى ضمّت أدباء مجدّدين فى العشرينيات، منهم أحمد خيرى سعيد، والأخوان شحاتة عبيد وعيسى عبيد، ومحمود طاهر لاشين، وحسين فوزى (السندباد)، والأخوان محمد ومحمود تيمور، ويحيى حقى، وهؤلاء جميعًا يمثلون تطورًا مهمًا وخطيرًا فى حركة الأدب الحديث فى مصر، وفى القصة القصيرة على وجه الخصوص.
تفرد حقى بين كتّاب هذه المدرسة وكتّاب جيله عمومًا بالالتفات الذكى الرهيف إلى تطور أشكال الكتابة والأساليب الأدبية؛ كان واعيًا تمامًا بأن الكتابة هى «البحث عن لغة الكتابة وقدرتها على خلق هويتها وحساسيتها الخاصة».
ولهذا أدار يحيى حقى إبداعه القصصى، بل أدبه كله تقريبًا، على فهم عميق ودقيق لإشكال اللغة والصراع معها؛ كان يقول: «إن الصراع مع اللغة هو تقريبًا قوام حياتى، لأنى أعتقد أنه لا إبداع إلا من خلال اللغة، والإبداع هو الكشف عن عبقرية اللغة».
من ناحية أخرى، كان حقى من القلة المبدعة القادرة على استقصاء الأساليب الكتابية وتتبعها، وإدراك الفروقات بينها على مستوى التراكيب والعبارات والألفاظ، وصولًا إلى الإيقاع والموسيقى؛ وباقتدار يرصد الانتقالة الكبرى من «المنفلوطية» إلى «الطهحسينية» إن جاز التعبير، يقول:
«ورغم انبهار الشباب حينئذٍ بأسلوب المنفلوطى، فإن تأثيره عليهم كان قد خفّ حين ظهر طه حسين بأسلوبه الذى اختص به وحده، كابتدائه المقال بواو العطف: «وقيل»، على سبيل التندر، إنه يقلّد مبيّضى النحاس الجوّالة فى شوارع القاهرة، وكلهم من سوهاج، وهم يصرخون: وابيض النحاس و... ثم تكراره للجملة القصيرة الواحدة، بالإثبات والنفى والاستفهام والتعجب، كحكاية مقاله المشهور «وللمعلمين قضية»، فقد هام حينئذٍ كثير من الشباب - وبخاصة طلبته فى الجامعة - بتقليد هذا الأسلوب. حظٌّ لم يفز به العقاد، ولا المازنى؛ لأن طه كان مجددًا جريئًا، والشباب يحب الجرأة والتجديد. وحين نجا هؤلاء المقلدون فيما بعد من قيد الأسر، لا أظن أنه قد غضب لعقوقهم، بل حمد لهم هذا التحرر؛ لأنه دليل امتلاك الذات».


(2)
هذه الملاحظات النافذة والتأملات الدقيقة هى التى تشكل قوام الذوق، وقوام المعرفة والوعى بجنس أدبى خطير وصعب المرتقى مثل «القصة القصيرة»، وقد كان يحيى حقى من كبار كتّابها وقرائها ونقادها على السواء؛ لأن القصة القصيرة هى فن الاقتناص والتركيز والتكثيف والإيحاء. ويخطئ من يظن أن «قصيرة» هنا تعنى الحجم أو عدد الكلمات أو الصفحات! أبدًا!
كان يحيى حقى واعيًا بمتطلبات اللحظة التاريخية التى يقدم فيها لهذا الفن إبداعًا ونظرًا، كتابةً وتنظيرًا، يقظًا تمامًا لما يجب العزوف عنه من أشكال وأساليب ظلت متوارثة ومكرورة على مدى القرون تلو القرون، وداعيًا إلى استحداث ما يستوعب التطور الحادث فى الحياة والبشر والعلاقات الإنسانية، بما يتوافق معها ويقدر على تصويرها والتعبير عنها؛ يقول:
«كان علينا فى فن القصة أن نفك مخالب شيخ عنيد شحيح، حريص على ما له أشد الحرص، تشتد قبضته على أسلوب المقامات، أسلوب الوعظ والإرشاد، والخطابة، أسلوب الزخارف والبهرجة اللفظية والمترادفات، أسلوب المقدمات الطويلة، والخواتيم الرامية إلى مصمصة الشفاه، أسلوب الواوات والفاءات والثمّات والمعذلكات، والرغمذلكات، واللاجرمات، والبيدأنات، واللاسيمات، أسلوب الحدوتة التى لا يُقصد بها إلا التسلية.
كنا نريد أن ننتزع من قبضة هذا الشيخ أسلوبًا يصلح للقصة الحديثة، كما وردت لنا من أوروبا، شرقها وغربها، ولا أتحول عن اعتقادى بأن كل تطور أدبى هو فى المقام الأول تطور أسلوب. كان علينا أن نضرب على يد من يحكى لنا قضية جنائية، ويقول: اكتبوها فهى قصة جميلة حقًا، ونقول له: القصة شىء مختلف أشد الاختلاف».


(3)
بهذا الوعى وهذه اليقظة الإبداعية والفنية كرّس يحيى حقى (1905–1987) حضوره الباذخ ضمن كبار كتّاب القصة القصيرة، وأحد آباء الكتابة الأدبية المصرية والعربية، وترك إرثًا مدهشًا ومذهلًا من الكتابة الروائية والقصصية ما زالت قادرة، حتى وقتنا هذا، على إبهار قارئها وإمتاعه وإثارة خياله، وإنعاش خلايا التذوق الفنى والجمالى لمن يبحثون عن الجمال والإبداع.
وعلى قدر ما فى كتابته من تسامح وإنسانية وقدرة على الفكاهة لا تُبارى، فإنه يفتح عينى قارئه على هموم كان غافلًا عنها، ويفجّر ألغامًا لم يكن يتوقعها، ثم سرعان ما يمسح الهمّ عن نفسه بابتسامة حانية.
وهو يبتسم معه بالفعل، ولكن ذلك الشجن الخالى من القسوة ومن المرارة سيبقى مصاحبًا لقارئه دائمًا، مثل لحن جميل يتردد صداه فى نفسه، ويدفعه دفعًا إلى أن يعيد قراءة «يحيى حقى» فى كل ما كتب، لكى يسترجع النغم مرة بعد أخرى.

مقالات اليوم

قد يعجبك أيضا

بوابة الشروق 2026 - جميع الحقوق محفوظة