أفلام «قصيرة» كبيرة

السبت 17 يناير 2026 - 6:30 م

يبدو أننا نعيش فترة ذهبية يقودها شباب السينما المصرية فى مجال الفيلم الروائى القصير، والذى يظل نوعًا سينمائيًا صعبًا، يعادل القصة القصيرة فى الأدب، بعدد شخصياته المحدود، وبالخط والأثر الواحد الذى يتركه بعد المشاهدة، وبتلك اللمسة الشاعرية المكثفة، وبقوة لحظة التنوير الذكية والموحية.


لن أتحدث هنا عن أعمالٍ قصيرة من فترة بعيدة نسبيًا، حققت حضورًا أو جوائز فى مهرجانات كبرى، مثل «عيسى» لمراد مصطفى، و«ستاشر» لسامح علاء، و«صاحبتى» لكوثر يونس، ولكنى سأتوقف فقط عند ثلاثة أفلام قصيرة أخرى، كبيرة القيمة شكلًا ومضمونًا، شاهدتها مؤخرًا.


الفيلم الأول هو «B32 مشاكل داخلية»، الفائز بجائزة التانيت الذهبى لأفضل فيلم روائى قصير فى مهرجان قرطاج الأخير، والفيلم من تأليف هيثم دبور، وإخراج محمد طاهر، وهو ينطلق من موقفٍ واحد يبدو بسيطًا، لكى يلمس تناقضات داخلية نفسية واجتماعية، وبروح ساخرة وجريئة أيضًا.


الأب الذى يتابع مباراة للتنس تخوضها ابنته، تلفت سيدة يعرفها نظره إلى أن الابنة لم تعد صغيرة، هنا يتنبّه الأب إلى أن طفلة الأمس قد صارت أنثى، وأن عليه أن يراها بعين جديدة تمامًا، سواء وهى تحدّثه عن زملاء فصلها، أو عندما يفكر فى أن يشترى لابنته حمّالة للصدر.


نتابع الأب الخجول وهو يحاول أن يصف لبائع الملابس الداخلية ما يريد، فيقترح عليه البائع الشاب المحترف مقاسًا بعينه، وعندما يذهب الأب إلى محل لتغليف ما اشتراه، تطرده البائعة، معتقدة أنه يلمح من خلال حمّالة الصدر إلى أشياء أخرى، ونتابع لقطات سريعة لحوارات يتخيلها الأب لتقديم حمّالة الصدر لابنته، منها مثلًا أنها هدية الأم المتوفاة للابنة!


تفاجئه الابنة فيجلس الأب فوق حمّالة الصدر، يلمح ما يشبه تلك الحمّالة وقد ارتدتها الابنة فعلًا، تتراجع الكاميرا إلى الوراء فى نهاية مفتوحة، وفى تأكيد لمعنى هذه المسافة الواسعة بين الأب وابنته.


ضحكت كثيرًا على هذه المعالجة الذكية الساخرة، وعلى أداء محمد ممدوح البديع لدور الأب الصعب، حيث هناك دومًا ما لا يُقال، وكأن المشكلة فى داخل الأب، وهو ابن مجتمع يخاف أصلًا من الأنثى، ويريد أن يسيطر عليها؛ أى إن هذا الموقف البسيط المتكرر هو عنوان نظرة المجتمع للمرأة من الطفولة إلى سن النضوج. ربما كان ممدوح يستحق جائزة خاصة عن هذا الأداء المنضبط، حيث لا تعبير زائدا أو ناقصا، ولا مبالغة، وإلا تحوّل المأزق إلى هزل، بينما الأمر يدعو فعلًا إلى التأمل وربما القلق، وخصوصًا أن الأسرة التى اختارها هيثم تنتمى إلى طبقة أكثر انفتاحًا، وأعلى فى المستوى الاقتصادى.


الفيلم يقدّم لنا كذلك مخرجًا فاهمًا لا يستعرض، وإنما يعرف بالضبط كيفية خلق إيقاعه وجو حكايته، ويقدّم تكويناتٍ كثيرة للأب فيها مساحات واسعة فارغة، وقد عرفت أن محمد طاهر درس السينما، وحصل على الماجستير من الولايات المتحدة، وأعتقد أنه سيضيف الكثير إلى الدراما المصرية.


الفيلم الثانى هو «لما النور يطفى» للمخرج عبد العزيز النجار، وقد شاهدته وأدرت ندوته مع أفلام أخرى فى مهرجان الفيلم القصير، وفاز هذا الفيلم بجائزة البرج الذهبى لأفضل فيلم مصرى قصير.


انبهرت بالفكرة وتنفيذها أيضًا، لأن النجار صنع فيلمًا قصيرًا «ميوزيكال»، وأيضًا من خلال موقف واحد فقط، حيث نبدأ بمأذون يقوم بتطليق زوج من زوجته، فجأة ينقطع النور، فينتقل الزوج وزوجته إلى الداخل، ويتعاتبان، ثم يتحول العتاب، وسرد حكاية الزوجين وأسباب خلافاتهما، إلى الغناء والحركة الراقصة، ومع نهاية العتاب، وإدراك الطرفين بأنه لا بد لهما من التصالح، يعود النور إلى المكان.


المدهش حقًا أن النجار اختار زوجًا وزوجة عاديين تمامًا، والخلاف الزوجى ليس من الموضوعات المألوفة فى الأفلام الموسيقية، ولكن كلمات نوران والى وألحان مينا سامى رائعة، والكاميرا يقِظة، ترقص وتتحرك أحيانًا فى لقطة طويلة ممتدة، والحالة تصل إلينا بكل عواطفها وصراعاتها، ومن خلال الغناء والحركة، بينما يصبح قطع النور وعودته مجازًا ذكيًا يعبّر عن الفراق والعودة بطريقة بصرية وفى مكانها تمامًا.


قلت فى الندوة إن المخرج وفريق الفيلم يمكنهم أن يصنعوا فيلمًا ميوزيكال طويلًا، وإن تجربة نجاح فيلم «ولنا فى الخيال حب» لسارة رزيق تشجّع على ذلك، وقال عبد العزيز النجار إن لديه فعلًا مشروعًا لفيلم ميوزيكال طويل، أتمنى أن يجد منتجًا يدعمه، فهذه المواهب الكبيرة تستحق الفرصة.


أما الفيلم الثالث فهو «آخر المعجزات»، سيناريو وإخراج عبد الوهاب أحمد شوقى، عن قصة قصيرة لنجيب محفوظ من مجموعة «خمّارة القط الأسود» بعنوان «معجزة»، وقد مُنع عرض الفيلم، ثم صرّحت الرقابة أخيرًا بعرضه فى مهرجان القاهرة السينمائى.
الفيلم لم ينقل القصة، ولكن عبد الوهاب أعاد قراءتها وفقًا لنظرته الروحية.


فى قصة «معجزة» يبدأ الأمر فى حانة بلعبة اخترعها بطل القصة، إنه يبتكر أسماء وهمية تتحول إلى حقائق، فيصدّق نفسه وقدراته، ويعود إلى زوجته مؤمنًا بالفتوحات الروحية التى حققها، ورغم معارضة الزوجة، ينفصل الزوج مندمجًا فى دروشة بدعم من أحد المشايخ، يهمل الزوج عمله ككاتب حسابات، ولكنه يستيقظ على تلاعب بعض رواد الحانة، بإيهامه بأنه صاحب معجزات، فلا يحتمل الصدمة، يتشاجر معهم شجارًا مميتًا، ويدفع حياته ثمنًا لوهمه الذى اخترعه وصدّقه.


تتحول الدروشة الظاهرية فى الفيلم إلى تجربة صوفية كاملة، وتظهر ليحيى، كما أسماه الفيلم، امرأة تلعب دورها غادة عادل، تقول إنها حلمت به، وتحلّ له معادلة غامضة طلبها منه الشيخ، بالبحث عن نتيجة واحد زائد واحد، فتكتب له الفتاة الحل، وهو: «واحد زائد واحد يساوى واحد».


هنا إشارة واضحة تمامًا لفكرة فناء المتصوف فى الإله الواحد، وهنا اندماج صوفى صادق لا لبس فيه؛ أى إن فيلمنا جعل الوهم الهروبى تجربة خلاص تستحق الدفاع عنها، وعبر بناء سمعى بصرى متكامل.


تجارب شبابية واعدة تجعلنا نتفاءل كثيرًا بمستقبل السينما المصرية.

مقالات اليوم

قد يعجبك أيضا

شارك بتعليقك

بوابة الشروق 2026 - جميع الحقوق محفوظة