نشرت مدونة ديوان التابعة لمركز كارنيجى للشرق الأوسط مقالا للكاتب أرميناك توكماجيان، يوضح فيه انحسار النفوذ الإيرانى وتآكل هيمنتها الإقليمية نتيجة تشكل منظومات أمنية وجيوسياسية جديدة معادية لها فى منطقتى المشرق العربى وجنوب القوقاز.. نعرض من المقال ما يلى:
يمر النظام الإيرانى حاليا بأوقات عصيبة، إذ اندلعت احتجاجات فى الداخل على نطاق لم تشهده البلاد منذ العام 2022، وتفاقمت بفعل تهديد الرئيس الأمريكى دونالد ترامب بالتدخل لإنقاذ المتظاهرين الذين يتعرضون للاعتداءات على يد النظام. هذا وأقدمت إدارة ترامب مؤخرا على اختطاف الرئيس الفنزويلى نيكولاس مادورو وزوجته، وهى حادثة تردد صداها فى طهران. قد يتمكن النظام الإيرانى من تجاوز تحدياته الداخلية، إلا أن ما يبعث على القلق أكثر هو التحولات الجيوسياسية والمنظومات الأمنية الناشئة فى محيطه المباشر، ولا سيما فى المشرق وجنوب القوقاز. فقد يكون قلب مسار هذه التحولات أصعب بكثير.
بعد سنوات من اليوم، قد يبدو خريف العام 2023 وكأنه شتاء جيوسياسى لإيران. فإلى الشمال من الجمهورية الإسلامية، أدى استيلاء أذربيجان فى سبتمبر 2023 على إقليم ناغورنو - كاراباخ بالكامل، وطرد سكانه الأرمن وقوات حفظ السلام الروسية، إلى إرساء منظومة إقليمية جديدة فى منطقة جنوب القوقاز أثارت قلق طهران. وفى غزة، أطلق هجوم حماس فى 7 أكتوبر ديناميات قوضت هيمنة إيران فى منطقة المشرق. وما زاد الأمور سوءا لطهران أن هاتين الساحتين تشابكتا أكثر فأكثر على مدى العقد الماضى. ولم يكن ذلك نتيجة تنامى النفوذ التركى والروسى فى المنطقتين فحسب، بل أيضا نتيجة ارتباطهما بالمسعى الإسرائيلى الرامى إلى إضعاف النفوذ الإيرانى. وفى الآونة الأخيرة، سعى مفاوضو ترامب، توم براك وستيف ويتكوف وجاريد كوشنر، إلى ترسيخ منظومات جديدة فى المشرق وجنوب القوقاز، حيث يعد إضعاف إيران أولوية قصوى.
لطالما امتد نفوذ روسيا وإيران وتركيا عبر الشرق الأوسط وجنوب القوقاز، إلا أنها أدت أدوارا أشد حزما فى كل من المنطقتين منذ انطلاق شرارة الانتفاضات العربية فى فترة 2010-2011، واندلاع حرب كاراباخ الثانية فى العام 2020. كذلك، برزت موسكو بوصفها طرفا رئيسا فى المنظومات الأمنية فى المشرق وليبيا، ما شكل تعديا على مجال نفوذ تركيا. ردت هذه الأخيرة بدورها فى كل من ليبيا وسوريا وأذربيجان، حيث ساعدت باكو خلال حرب كاراباخ الثانية، فأدخلت نفسها بذلك إلى منطقة كانت تعد لفترة طويلة بمثابة الفناء الخلفى لروسيا وإيران. وعلى النحو نفسه، نجحت إسرائيل، من خلال تزويد أذربيجان بالتكنولوجيا العسكرية فى حربها الناجحة ضد انفصاليى كاراباخ وأرمينيا فى العام 2020، فى كسب حليف استراتيجى على الحدود الإيرانية.
• • •
تسببت هذه المتغيرات، ولا سيما توطيد العلاقات بين إسرائيل وأذربيجان، بإزعاج لإيران، إلا أنها لم تشكل تهديدا وجوديا لها. لكن الأحداث بدأت تتسارع بشكل كبير فى خريف العام 2023، إذ أدت التطورات المزلزلة فى المشرق عقب هجمات 7 أكتوبر إلى رد إسرائيلى أعاد تشكيل الشرق الأوسط. فقد قوضت المنظومة الأمنية التى نشأت على خلفية هزيمة حماس وحزب الله، وسقوط الرئيس السورى بشار الأسد، الهيمنة الإيرانية التى كانت قد ترسخت بعد الانتفاضات العربية. واستبدلت إسرائيل «الحزام النارى» الإيرانى بحزام من المناطق العازلة بحكم الأمر الواقع فى غزة ولبنان وسوريا. وفى حرب يونيو 2025، قصفت إسرائيل إيران بشكل مباشر، وهى لا تزال تعمل ضد مصالح طهران فى شتى أرجاء المنطقة.
وإذا كانت إسرائيل هى الأداة الصلبة المباشرة التى تطبق عبرها هذه التحولات، فالولايات المتحدة هى عراب المنظومة الناشئة. والواقع أن واشنطن لطالما اضطلعت بدور أساسى فى المشرق، لكن مع ترسيخ روسيا وإيران حضورهما فى سوريا بعد العام 2016، غالبا ما تصرف الأمريكيون كأطراف معطلة، إذ حالوا دون إعادة تأهيل الأسد عبر فرض العقوبات على النظام السورى، وإعاقة تطبيع العلاقات مع دمشق. أما اليوم، فقد انتقلت دائرة مبعوثى ترامب إلى صدارة المشهد، موجهة مسار التطورات فى اتجاه عام موال للولايات المتحدة ومعاد لإيران. لا تزال هذه العملية قيد التشكل، وقد تتعثر لاحقا، لكن يبدو أن القوى الإقليمية الرئيسة كلها تتفق على نقطة واحدة، وهى إنهاء الهيمنة الإيرانية إلى غير رجعة.
• • •
فى جنوب القوقاز، برزت تصدعات فى المنظومة الأمنية بدءا من العام 2020. فبين العامين 1990 و2020، شكلت الصراعات المجمدة ودور روسيا كحكم قواعد اللعبة على الحدود الشمالية لإيران، وخصوصا فى كاراباخ. وعلى الرغم من وجود نفوذ غربى وتركى هناك، ظلت موسكو صاحبة القرار. وتمتعت إيران بعلاقات جيدة مع أرمينيا، لكن قدرتها على التأثير فى المنطقة كانت محدودة. وبقيت طهران راضية عن الأمر ما دام الوضع القائم الخاضع لهيمنة موسكو، والنفوذ الروسى عموما، غير موجهين ضدها. وقد تغير هذا الوضع بعد انتصار أذربيجان فى حرب كاراباخ الثانية، التى أسفرت عن بقاء جيب أرمنى ضعيف فى كاراباخ. تعزز النفوذ التركى بعد الصراع، إلا أن روسيا، التى أدت دور الوسيط فى اتفاق وقف إطلاق النار بين أرمينيا وأذربيجان، نجحت فى الاحتفاظ بزمام المبادرة الدبلوماسية، وحققت أيضا طموحها فى نشر حوالى ألفى عنصر من قوات حفظ السلام التابعة لها فى كاراباخ.
لكن هذا الواقع تبدل فى سبتمبر 2023. ففى ظل انشغال روسيا بالحرب فى أوكرانيا، استولت أذربيجان على ما تبقى من جيب كاراباخ، وطردت سكانه الأرمن منه، وهمشت بعثة قوات حفظ السلام الروسية. وبرزت باكو بوصفها قوة إقليمية متوسطة، مدعومة من تركيا وإسرائيل، فى ظل اتساع النفوذ الغربى والتركى فى جنوب القوقاز على حساب موسكو. ولد ذلك وضعا مزعجا لإيران، تجلى من خلال سلوك أذرى أشد حزما، وتدخل إسرائيلى، وانخراط غربى متنام فى المنطقة سياسيا، وعسكريا، واقتصاديا، ولا سيما مع أرمينيا. لا تتخذ يريفان موقفا معاديا لطهران، لكنها رحبت بتعزيز الانخراط الغربى فى إطار مساعيها لكسب شركاء جدد، مثل الولايات المتحدة، والاتحاد الأوروبى، وفرنسا، والهند. تمنح مرونة المشهد السياسى فى المنطقة إيران هامشا للمناورة، لأن جزءا كبيرا من هذا الاندفاع الغربى يستهدف أيضا روسيا، ما يجعل البلدين شريكين ظرفيين بحكم المصلحة المشتركة. مع ذلك، ظل مستوى الأنشطة المعادية لإيران فى جنوب القوقاز مرتفعا بشكل ملحوظ منذ العام 2020.
يتمثل الرابط بين جنوب القوقاز والمشرق، والتوجه الأوسع المناهض لإيران فى المنطقة، فى دور مفاوضى ترامب، فويتكوف وبراك، واللذان يعملان على قضايا الشرق الأوسط، انخرطا أيضا فى إدارة العلاقات الأرمنية الأذرية، ما أسفر فعليا عن تهميش وساطة روسيا وإثارة قلق إيران. وفى 8 أغسطس، التقى الرئيسان الأرمنى والأذرى فى واشنطن، حيث توصلا إلى تفاهمات بشأن تعزيز التعاون فى مجالى الطاقة والذكاء الاصطناعى، وكذلك بشأن ممر مقترح يمتد على طول 42 كيلومترا ويربط أذربيجان بإقليم نخجوان عبر أرمينيا، مع العلم بأن هذا الشريط البرى يعد مسألة خلافية ظلت من دون حل منذ العام 2020. لقد أيد ترامب إطارا مبهما، حتى إن اسمه أطلق على الممر، ليصبح «ممر ترامب للسلام والازدهار الدوليين». لم يفصح عن تفاصيل كثيرة فى هذا الصدد، لكن طهران غير راضية عن هذه التطورات، إذ تخشى من أن يرسخ هذا الممر وجودا أمريكيا على حدودها الشمالية.
تكمن مشكلة النظم الأمنية الناشئة فى أنها كذلك بالفعل، أى قيد التشكل وغير مرسخة بالكامل بعد. وفى جنوب القوقاز، ما زال التنافس قائما، ولن تتخلى لا روسيا ولا إيران عن نفوذهما بسهولة. أما فى المشرق، فإن ضعف الدول، ولا سيما هشاشة الأوضاع فى سوريا ولبنان، قد يفسح المجال أمام طهران لاستعادة بعض مما خسرته. لكن الإصرار الذى تبديه إسرائيل والتوافق الإقليمى على احتواء إيران، لا يتركان أمام الجمهورية الإسلامية هامشا كبيرا للتفاؤل.
النص الأصلى:
https://tinyurl.com/3szdwm78