عودة نابليون
السبت 10 يناير 2026 - 6:35 م
تقطع الصالون ذهابًا وإيابًا، وهى تتابع أخبار فنزويلا. نشهد عودة الكولونيالية والقوة الاستعمارية. تفكر وهى تتمرن على «مشية نابليون» للحصول على وضعية ظهر مستقيمة، بفرد الكتفين وعقد اليدين إلى الخلف. كان الإمبراطور الفرنسى يفعل ذلك على سبيل الوقار والتحكم فى النفس. استلهم موروثًا يونانيًا، إذ كان يحاكى وقفة أحد الفلاسفة القدماء. ظهر كذلك فى العديد من اللوحات وهو يضع يده داخل سترته تعبيرًا عن الكياسة فى عصره، فلم يكن من التهذيب وقتها أن تتقاطع ذراعاه ولا أن يؤرجحهما أثناء السير. وفى أحيان أخرى كان يجمع بين المظهر العسكرى (السيف) ورموز الإمبراطورية (الصولجان والتاج) مع إبراز الهيبة على الرغم من أن طوله لم يكن استثنائيًا.
بعدها بسنوات وسنوات اعتمدت نساء الطبقة الراقية «مشية نابليون» لأناقة المظهر، تماما مثل اللائى يضعن الكتب فوق رءوسهن كى يتحركن على طريقة عارضات الأزياء. ظننا أن عصر الكولونيالية صار وراءنا وأن هذه السياسات تنتمى إلى القرن التاسع عشر، وفجأة وجدنا أنفسنا فى زمن نابليون ومن معه، بعد أن تم تجريب ممارسات شبيهة فى غزة ولم يحرك أحد ساكنا. لذا من الطبيعى أن يكون نتنياهو أول المرحبين بما حدث فى كاراكاس قبل أيام، عندما اختطف الأمريكان رئيسًا منتخبًا من غرفة نومه وقرروا إدارة البلاد بما يتماشى مع مصالحهم.
• • •
يُعرف عن نابليون استخدامه بكثرة للموسيقى خلال حملاته وفتوحاته العسكرية، فهناك حوالى 28 مقطوعة تتنوع بين مارشات وأغانٍ حماسية تم توظيفها فى عهده لرفع الروح المعنوية للجنود وأحيانًا للتغطية على صوت المصابين أثناء الحرب، فلا يؤثر ذلك على زملائهم بالسلب. الطبول والأبواق النحاسية والآلات الصاخبة عموما كانت تهدف إلى إثارة النشاط وتعتمد على هياكل لحنية خاصة بالثقافة العسكرية. إيقاعات ثقيلة متكررة تضبط الحركة الجماعية للجيش وتوحد صفوفه، فالجميع يسير وفق مشية موقعة ومنتظمة على أنغام مارشات عصر نابليون الشهيرة التى تسمح بالتأريخ لأعماله وتروى انتصاراته وهزائمه. هناك مارش مثلًا تم تأليفه خصيصًا للاحتفال بتنصيبه إمبراطورًا، وآخر صاحب نقل رفاته إلى فرنسا بعد وفاته بتسعة عشر عامًا بجزيرة سانت هيلينا فى المحيط الأطلسى، حيث نفاه البريطانيون بعد هزيمته بمعركة واترلو فى يونيو 1815.
وصف بعض قادته مجريات هذه المعركة الفاصلة التى قضت على طموحاته التوسعية. عزفت فرقة موسيقى الجيش خلال هذا اليوم الدامى مقاطعًا من أوبرا «فرناندو كورتيس» للمؤلف الإيطالى سبونتينى التى تتحدث عن الغزو الإسبانى للمكسيك وتم تلحينها بطلب من نابليون بونابرت نفسه، بالإضافة لمارش آخر منسوب إلى القائد الموسيقى للفوج الأول من الحرس الإمبراطورى، هذه الوحدة التى انتمت لقوات النخبة كانت تتقدم وفجأة انقطعت الموسيقى وساد الصمت، أطلق الجنود صرخة أخيرة «يحيا الإمبراطور» قبل أن يلقى عشرة آلاف محارب حتفهم.
• • •
كان ذلك هو مارش نابليون الأخير، وهو القائد الذى اشتهر أيضًا بحبه للشطرنج حتى إن اسمه أطلق على إحدى خطط اللعبة التى تقترب كثيرًا من استراتيجياته فى ساحة القتال، وذلك بالتركيز على هجوم خاطف ومفاجئ على نقطة ضعف الخصم بهدف إحداث ثغرة وخلق عدم توازن فى قوات العدو. أربع نقلات كفيلة بأن تصل باللاعب إلى الفوز«بكش ملك»، لكنها لم تسمح لنابليون بالنجاة فى الحرب. قيل إن الشطرنج مهد لأفكار الثورة الفرنسية، فكان التركيز مثلًا على دور البيادق وأهميتها فى عمليات الهجوم والدفاع، وبالتالى تحقيق النصر أو الهزيمة، فى إشارة إلى الجندى البسيط أو الإنسان العادى وقدرته على إحداث تحولات هائلة. انضم نابليون إلى مجموعة المفكرين والثوار الذين دأبوا على ممارسة الشطرنج فى مقهى «لاريجناس» بباريس، وقد كان مركزًا لمحترفى اللعبة خلال القرنين الثامن عشر والتاسع عشر اللذان شهدا إرساء قواعدها على النحو الذى نعرفه حاليًا. توارى الشطرنج لفترة وجيزة بعد اندلاع الثورة، رفضا لدور الملك الأساسى فيه، ثم أعاده نابليون إلى البلاط. عكست اللعبة فيما بعد المنافسة بينه وبين إنجلترا، خصمه اللدود فى السياسة والحرب.
تؤكد فرنسا أن لها اليد العليا فى اللعب، فتعقد إنجلترا الدورى الأول للشطرنج بلندن عام 1851. كذلك بعد معركة واترلو حاولت فرنسا الثأر لنفسها بانتصار لاعبها بوردونيه على نظيره الأيرلندى ماكدونيل فى سلسلة مباريات للشطرنج عقدت فى نادى ويستمنستر عام 1834، واستمرت حركات الكر والفر بين القوتين العظميين وقتها حتى يرتفع صوت أحد الطرفين: «نحن الأقوى!» كما يصيح البعض حاليًا، مهما كلف الأمر من أرواح وخسائر، فالكثيرون يفضلون الموت على الهزيمة.
• • •
يستخدم هؤلاء العلم لإثارة الفوضى كما فعل نابليون عند قدومه إلى منطقة الشرق الأوسط وخلال حملته الشهيرة على مصر والشام. عبر شبه جزيرة سيناء عام 1799 حتى وصل إلى غزة، وأقام فيها ثلاثة أيام فى بيت حجرى من القرن الثالث عشر حمل اسمه لسنوات طويلة إلى أن تم تغييره فى عهد حماس إلى "قصر الباشا". احتل جنوده غزة دون مقاومة تذكر وكانت مركزًا لإنتاج الزيت والعسل وللزراعة. يصف أحد قادته التلال وأشجار الليمون والزيتون والأرض غير المستوية التى ذكرته ببعض الأماكن فى جنوب فرنسا. رغب نابليون فى السيطرة على هذه النقطة الاستراتيجية بين آسيا وأوروبا وتسبب فى مجزرة راح ضحيتها حوالى ثلاثة آلاف شخص فى يافا. الممارسات الإمبريالية هى ذاتها، وكأننا نرى الفيلم مرارًا وتكرارًا، وكأن التاريخ يسير إلى الخلف، وكأن مصطلح «الكولونيالية» الذى ظهر فى القرن الثامن عشر وأخذ مداه فى القرن التالى عاد إلى اللمعان من جديد. وكأننا بصدد عودة نابليون ورفاقه، مع اختلاف مستوى الأداء، عودة إلى مفهوم مناطق النفوذ الذى نشأ تاريخيًا مع الاستعمار لوصف الهيمنة الإقليمية فى ظل التنافس الدولى. غزة وفنزويلا وربما جرينلاند هم مجرد بدايات لشىء مقيت عرفه العالم من قبل. مارشات عسكرية ودقات طبول على طريقة نابليون.
مقالات اليوم
قد يعجبك أيضا