لم يكن اختطاف الرئيس الفنزويلى نيكولاس مادورو ونقله إلى الولايات المتحدة الأمريكية لمحاكمته بتهم «الإرهاب المرتبط بالمخدرات» و«حيازة أسلحة رشاشة»، سوى حلقة جديدة فى مسلسل ممتد عملت فيه واشنطن على مدار عقود، على إخضاع الدول ووضعها تحت الوصاية، مستخدمة ثالوث «الاقتصاد، والانقلابات، والغزو العسكرى».
من هذه الزاوية، لا يمكن قراءة ما جرى فى فنزويلا باعتباره خروجا على تقاليد السياسة الخارجية الأمريكية، بل هو تعبير صارخ عن عقيدة راسخة لا تتردد الإدارات الأمريكية فى تفعيلها كلما رأت أن الظرف الدولى مواتٍ، وأن كلفة الفعل وتداعياته قابلة للاحتواء.
غالبا ما يتحاشى قادة الولايات المتحدة المجاهرة بمقاصدهم الحقيقية المرتبطة بهذه العقيدة، إذ يلجأون عادة إلى تبريرات تحافظ على صورة الدولة التى تقود العالم الحر؛ مرة باسم «إنقاذ الدول وتحرير الشعوب من الديكتاتوريات»، وأخرى تحت راية «حقوق الإنسان»؛ وفى كل مرة يحاولون التأكيد على احترام القانون الدولى، أو البحث عن «تخريجة قانونية» لشرعنة جرائمهم.
غير أن الرئيس الأمريكى دونالد ترامب بدا استثناء صارخا على هذه القاعدة؛ فالرجل لم يكتف بتطبيق عقيدة أسلافه، بل عبر عنها بوقاحة غير مسبوقة، ففى اعتراف فاضح لطبيعة الرؤية التى تحكم السلوك الأمريكى فى العالم، قال لصحيفة «نيويورك تايمز» إنه لا قانون دوليا ولا أى ضوابط أخرى تقيد سلطته فى استخدام القوة العسكرية لضرب أو غزو أو إكراه الدول، سوى «أخلاقه الخاصة» و«عقله الخاص».
فى نظر ترامب «القانون الدولى مسألة نسبية تعتمد على تعريفك له»، هذا التصريح الذى بدا صادما للبعض، لم يكن سوى صياغة فجة لما مارسته الولايات المتحدة لعقود طويلة تحت عناوين «حماية الأمن القومى الأمريكى»، و«نشر الديمقراطية» وغيرها، بينما كانت تستهدف السيطرة على الدول ونهب مقدراتها بكل ما تملك من أدوات.
تبدأ الولايات المتحدة فى عملية إخضاع الدول غالبا من «بوابة الاقتصاد»، على ما ذهب جون بيركنز، العميل الاقتصادى الأمريكى السابق، الذى كشف كيف كانت تصاغ الخطط داخل أجهزة الاستخبارات لإغراق الدول النامية فى قروض هائلة عبر مؤسسات مثل البنك الدولى وصندوق النقد الدولى، لـ«تمويل مشروعات بنية تحتية ضخمة تعلم واشنطن سلفا أنها لن تعود بالنفع الحقيقى على الشعوب، بل على الشركات الأمريكية».
ومع تراكم الديون، كما يوضح بيركنز فى كتابه الشهير «مذكرات قرصان اقتصادى»، تتحول الدولة إلى رهينة لشروط اقتصادية قاسية، تفقد معها استقلال قرارها الوطنى، وتُدفع قسرا إلى الاصطفاف داخل المدار الأمريكى.
وإذا ما رفض قادة الدول المستهدفة الخضوع، يتم الانتقال إلى العنصر الثانى من المخطط والذى عرفه بيركنز بـ«الضباع»؛ والذى يتم الاعتماد فيه على عملاء الاستخبارات لتنفيذ الانقلابات الناعمة أو الخشنة؛ على ما جرى فى إيران عام 1953، حين أطاحت واشنطن ولندن برئيس الوزراء محمد مصدق بعد تأميمه النفط، وتكرر السيناريو فى جواتيمالا مع جاكوبو آربينز، وفى تشيلى مع سلفادور أليندى.
أما إذا فشلت «الديون» و«الانقلابات»، فلا تتردد الولايات المتحدة اللجوء إلى الضلع الأخير من مثلث الإخضاع، وهو التدخل العسكرى المباشر، كما حدث فى جرينادا عام 1983، فى عملية أُطلق عليها «الغضب العاجل» للإطاحة بحكومة موريس بيشوب، ثم فى بنما عام 1989 عبر عملية «القضية العادلة» للتخلص من رئيسها مانويل نورييجا، وصولا إلى العراق عام 2003، لإسقاط نظام الرئيس صدام حسين، حيث رُفعت لافتة «أسلحة الدمار الشامل» لتبرير الغزو، قبل أن يتبين زيف الادعاء بعد تدمير الدولة وإعادة تشكيلها بما يخدم المصالح الأمريكية الصهيونية فى النفط وتفكيك البوابة الشرقية للوطن العربى.
فى هذا الإطار، صارت فنزويلا هدفًا ملحًا؛ «دولة تمتلك أكبر احتياطى نفطى فى العالم، ونظامًا سياسيًا يرفع شعارات الاستقلال عن الهيمنة الأمريكية»؛ وهو ما دفع واشنطن إلى فرض حصار اقتصادى خانق، أعقبه محاولات انقلاب متكررة، وصولا إلى تدخل عسكرى مباشر جرى تبريره بذرائع واهية كالعادة.
تصريحات ترامب وأركان إدارته عن «إدارة فنزويلا»، ووضعها «تحت الوصاية»، و«التحكم فى نفطها» لسنوات مقبلة، إلى جانب ضرب ثم تأجيج الاضطرابات داخل إيران، ومحاولات الاستيلاء على جرينلاند، ليست سوى إعلان فج عن العقيدة الحقيقية التى تحكم نهج واشنطن فى التعامل مع الأنظمة التى تتحدى هيمنتها أو تحاول الحفاظ على استقلال قرارها.
ما كشفته نوايا ترامب الوقحة، وما وثقه جون بيركنز بجرأة فى كتابه المترجم للعربية تحت عنوان «اغتيال الأمم»، ليس مجرد محطات عابرة فى تاريخ الولايات المتحدة، بل استراتيجية راسخة تقوم فيها واشنطن بتوظيف ما تملكه من أدوات قوة لإعادة هندسة النظام الدولى بما يخدم مصالحها.
قد يبدو الحديث عن أفول الإمبراطورية الأمريكية فى هذه اللحظة أقرب إلى التمنى، لكن الاستمرار فى دفن الرءوس فى الرمال، وانكفاء كل طرف على البحث عن نجاته الفردية، لن يؤدى إلا إلى مزيد من الغطرسة الأمريكية، وربما يكون السبيل الوحيد لكبح هذا المسار هو بناء تكتلات دولية جديدة تعيد التوازن المفقود منذ تسعينيات القرن الماضى.