خروج الرئيس الأمريكى على قواعد النظام الدولى الذى عرفه العالم بعد الحرب العالمية الثانية له شقان: رفضه أولًا لقواعد حرية التجارة، ثم حق كل دولة فى السيطرة على مواردها الطبيعية، وانعكس ذلك فى سياسة التعريفات الجمركية العالية التى هدد بها كل دول العالم تقريبًا، ثم ادعائه أنه سيدير فنزويلا ويستخدم بترولها لصالح الولايات المتحدة وسياستها الخارجية. والشق الثانى هو إسقاطه لمبادئ الاستقلال الوطنى وحق كل شعب فى تقرير مصيره وعدم تدخل أى دولة فى الشئون الداخلية للدول الأخرى، على نحو ما تقضى بذلك قواعد القانون الدولى وميثاق الأمم المتحدة. يناقش هذا المقال هذين الشقين، ويسمى الشق الأول نزعة استعمارية جديدة، ويهتم بانعكاس الشق الثانى على أوضاعنا فى الشرق الأوسط وإفريقيا.
النزعة الاستعمارية الجديدة: اجتهاد من ترامب أم مرحلة جديدة فى تطور الرأسمالية؟
لا يمكن اتهام الرئيس الأمريكى دونالد ترامب بأنه يخفى نواياه؛ هو صرّح فى بداية ولايته أنه يريد أن تصبح جزيرة جرينلاند جزءًا من الولايات المتحدة، وأن تكون كندا هى الولاية الحادية والخمسين فى الولايات المتحدة، وتعجب أن تكون قناة بنما ليست تحت سيطرة بلاده. ورغم محاولة معاونيه التأكيد على أن اختطاف رئيس بنما وزوجته كان بسبب تورطه فى تجارة المخدرات، وتشجيعه الهجرة إلى الولايات المتحدة، ومساندته لجماعات إرهابية، تخلّى هو عن ذلك وكرر مرارًا أنه سيدير فنزويلا، وأن الولايات المتحدة سوف تحدد لمن تتوجه صادراتها من البترول، التى قدرها بما بين ثلاثين وخمسين مليون برميل يوميًا، بل وعقد يوم الجمعة الماضى اجتماعات مع ممثلى كبرى شركات النفط الأمريكية لحثهم على الإسراع فى الاستثمار فى قطاع النفط الفنزويلى. عندما يصف المراقبون المنصفون هذه التصريحات والأفعال بأنها تنم عن نزعات استعمارية، فهم لا يجافون الحقيقة، وإنما يسمّون نوايا وأفعال الرئيس الأمريكى على النحو الصحيح. ومن المفيد لنا، بين شعوب الجنوب، محاولة تفسير لماذا تظهر هذه النزعات الاستعمارية التى هى أقرب لنمط الاستعمار الذى عرفته بلادنا طوال القرنين التاسع عشر وحتى النصف الأول من القرن العشرين، وهو الذى اقترن باستخدام القوة المسلحة واحتلال أقاليم شكّلت الإمبراطوريات الاستعمارية لدول أوروبية، وشاركت معها كل من الولايات المتحدة واليابان، الأولى على نطاق محدود، والثانية لفترة قصيرة لم تتعدَّ ثلاث سنوات. هذا النمط من الاستعمار قد انتهى فى أمريكا اللاتينية فى أوائل القرن التاسع عشر، وفى آسيا وإفريقيا بعد الحرب العالمية الثانية، وسقطت آخر معاقله فى بداية ستينيات القرن الماضى، وحل محله ما أصبح يُسمى بالاستعمار الجديد، الذى حافظت فيه الدول الاستعمارية السابقة على سيطرتها الاقتصادية من خلال الاستثمارات الأجنبية، ومع امتداد نشاط شركاتها العابرة للحدود لهذه الدول، والتى وفّرت المؤسسات المالية الدولية مثل صندوق النقد الدولى والبنك الدولى، وفيما بعد منظمة التجارة العالمية، الأساس الفكرى لها.
والسؤال الآن هو: إلى أى حد تمثل تصريحات الرئيس الأمريكى وأفعال حكومته اتجاهًا عامًا فى الدول الرأسمالية ومرحلة استعمارية جديدة؟
فلو صح ذلك لكان لنا أن نتوقع أن تحذو الدول الاستعمارية السابقة المثل الأمريكى، وتنخرط بدورها فى محاولة السيطرة على موارد الطاقة والمواد النادرة فى دول الجنوب عن طريق الاحتلال العسكرى. تتوقف الإجابة عن هذا السؤال حول ما إذا كانت السيطرة على هذه الموارد تمثل «حاجة ضرورية» للدول الرأسمالية، وأنه لا سبيل لهذه السيطرة إلا بالاحتلال العسكرى. الإجابة المختصرة عن هذا السؤال هى أن مثل هذا التوسع ليس ضروريًا للدول الرأسمالية المتقدمة، وأن ما فعله ترامب هو اجتهاد من جانبه لا يشاركه فيه لا ممثلو الشركات الدولية الكبرى ولا حتى خبراؤه العسكريون، ومن ثم فلن تتبعه الدول الرأسمالية الكبرى فى هذا الطريق.
وتفصيل ذلك أن الولايات المتحدة ليست بحاجة لبترول فنزويلا؛ فهى أكبر منتج للبترول فى العالم، وحرمان الصين أو روسيا من ثلاثين أو خمسين مليون برميل من النفط يوميًا لن يشكل مشكلة كبرى لأى منهما، وخصوصًا أن سوق النفط تعانى من وفرة العرض فى الوقت الحاضر. وفضلًا على ذلك فإن قطاع النفط فى فنزويلا يعانى من ضعف قدراته بسبب المقاطعة التى فرضتها الولايات المتحدة عليها منذ سنوات، وقد أوضح ممثلو شركات النفط الأمريكية الذين التقوا بالرئيس ترامب أن انطلاق عمليات ضخ وتكرير البترول الفنزويلى لن يحدث قبل سنوات تقتضيها محاولة إعادة تأهيله، كما أعربوا عن ترددهم فى الاستثمار فى هذا القطاع قبل توافر الاستقرار السياسي، فهم لا يثقون فى حكومة هى نفسها التى كانت تحكم البلاد قبل اختطاف مادورو وزوجته.
وحتى بالنسبة للمعادن النادرة فى جرينلاند، فقد ذهب خبراء أمريكيون إلى القول بأنه لا توجد مشكلة فى قيام الشركات الأمريكية بالاستثمار فى هذه المعادن، وأن ذلك سيلقى ترحيبًا من الحكومة الدانماركية وسلطات الجزيرة، بل ذهب قائد سابق لحلف الأطلنطى إلى أن جرينلاند لا تمثل مصلحة قومية للولايات المتحدة، وخصوصًا مع وجود قواعد أمريكية عسكرية فيها. أما فيما يتعلق بالدول الأخرى التى هدد ترامب إما باختطاف رؤسائها أو ضمها إلى الولايات المتحدة، فهو لم يصرح حتى الآن بالمنافع الاقتصادية التى ستعود على الولايات المتحدة بالسيطرة على كولومبيا أو المكسيك، وليس من الواضح كيف ستؤدى السيطرة العسكرية على هذين البلدين إلى تحقيق مزايا إضافية للاقتصاد الأمريكى الذى يواصل نموه فى الوقت الحاضر، وليس بحاجة ماسة لما يملكه البلدان من موارد أولية. فضلًا على أن الموقف فيهما، بوجود حكومة منتخبة ونظام حزبى تنافسى، يجعل من تكرار السيناريو الفنزويلى الذى جرى فيه اختطاف رئيس الدولة وزوجته ليلًا ودون مقاومة احتمالًا ضعيفًا. ومن المعروف أن رئيس كولومبيا هو قائد سابق لإحدى جماعات حرب العصابات التى خاضت ضد الحكومة الكولومبية مقاومة مسلحة استمرت عقودا من الزمن. وفى حالة المكسيك، التى تواجه حكومتها الصعوبات فى السيطرة على العصابات المسلحة لكبار تجار المخدرات، فمن المشكوك فيه أن تقترن محاولة الولايات المتحدة احتلالها عسكريًا بالنجاح فى تحقيق الاستقرار السياسي، وهو الشرط الضرورى الذى يمكن أن يطالب به أصحاب الشركات الأمريكية، إذا افترضنا أن الرئيس الأمريكى سوف يدعوهم لاستخدام ثروات المكسيك لصالح الولايات المتحدة الأمريكية. ومع رفض الكنديين لدعوة ترامب لضم بلادهم إلى الولايات المتحدة، فمن المستبعد أن يحاول الرئيس الأمريكى عمل ذلك باستخدام القوات المسلحة. ولذلك، فباستثناء جرينلاند، لا يبدو أن تهديدات الرئيس الأمريكى تجاه تلك الدول الأخرى سوف يعقبها تنفيذ هذه التهديدات.
طبعًا حذّر قادة الدول الأوروبية من محاولة انتهاك سيادة الدانمارك بالقوة، وهى دولة عضو فى حلف الأطلنطى الذى يدعو ميثاقه الدول الأعضاء إلى التحالف معًا فى مواجهة أخطار مشتركة، ويحظر بحكم طبيعته كتحالف أن تهدد إحدى دولة أخرى عضوًا فيه.
صحيح أن ترامب قد رد عليهم بأن عليهم أن يختاروا إما بقاء حلف الأطلنطى بعضوية الولايات المتحدة فيه، أو أن يساندوا بقاء جرينلاند إقليمًا تابعًا للدانمارك. فهل يجازف ترامب بالتضحية بحلف الأطلنطى مقابل الاستيلاء على جرينلاند؟ لا أحد يستطيع على وجه اليقين الحكم بأن ترامب لن يُقدم على هذه المجازفة. وهل يجازف أيضًا فى هذه الحالة بالوقوف أمام الكونجرس الأمريكى الذى يبادر بتقييد سلطاته فى إرسال القوات المسلحة الأمريكية خارج البلاد، وأمام رفض قطاعات مهمة من الخبراء وصنّاع الرأى والمواطنين الأمريكيين، وحتى أجنحة فى حركة MAGA أو «عودة أمريكا عظيمة الآن»، التى تؤيده لانخراطه فى هذه المغامرات الخارجية، بينما يتزايد عدم رضا الأمريكيين عمومًا عن سياساته، وخصوصًا انعكاسها السلبى على معدلات التضخم والبطالة؟
نموذج رفض قواعد النظام الدولى فى إقليمنا:
وإذا كان بعض القراء يرون أنى أغرقتهم بتفاصيل بعيدة عن وطننا العربى، فأؤكد لهم أنه ليس بعيدًا تمامًا، ولكن الشق الثانى ملموس فى إقليمنا. سبق ترامب فى تجاهل قواعد النظام الدولى الذى قام بعد الحرب العالمية الثانية على احترام حق تقرير المصير دولةُ إسرائيل، التى قامت على أنقاض فلسطين التاريخية، ثم واصلت ليس فقط إنكارها لحق الشعب الفلسطينى فى الضفة وغزة فى تقرير مصيره، ولكنها باشرت احتلال أراضٍ خارج فلسطين فى كل من سوريا ولبنان وترفض الجلاء عنهما. بل إنه مما يدعو للسخرية أن اتفاقًا أمنيًا أبرمته مع الحكومة السورية الأسبوع الماضى لم يُشر بكلمة واحدة لاحتلالها أراضى سورية، وكرر زعماؤها، بما فى ذلك رئيس وزرائها، أن إسرائيل الكبرى تشمل أراضى فى سوريا ولبنان والأردن ومصر والعراق والسعودية، ونحن نعرف جيدًا أن ما يقوله الإسرائيليون يصبح خططًا يجرى تطبيقها بحذافيرها فيما بعد. والمثل الآخر على تجاهل قواعد القانون هو ما قامت به حكومة إثيوبيا من تشييد سد النهضة، الذى ثبت ضرره على حالة النهر فى كل من السودان ومصر بعد ملئه الرابع الصيف الماضى، وبالتجاهل لحقوق دول حوض النيل الأدنى باعتباره نهرًا دوليًا.
وهكذا، فكما يقول دارسو النظم الدولية على مستوياتها، فإن النظام العالمى يجد صداه فى النظم الإقليمية. وعلينا أن نؤكد أن سقوط النظام العالمى يجد صداه أيضًا داخل النظم الإقليمية. ولكن بصيص الأمل هو أن النزعات الاستعمارية ومحاولات السيطرة الإقليمية بالاحتلال العسكرى أو بممارسة الابتزاز ليست جديدة فى تاريخ الإنسانية؛ ظهرت من قبل وواجهت المقاومة وسقطت. يبقى أن ننجح نحن المفعول بهم فى أن نجد سبل المقاومة الجماعية لمحاولات إخضاعنا، وهذا أمر جدير بالنقاش الهادف للفعل.
أستاذ العلوم السياسية بجامعة القاهرة