تصدير الوقود الأحفورى عن طريق الحوسبة السحابية

الأحد 11 يناير 2026 - 8:10 م

نشرت مدونة ديوان التابعة لمركز كارنيجى للشرق الأوسط مقالًا للكاتب كمى عمّون، يوضح فيه أن دول مجلس التعاون الخليجى تتبع استراتيجية جديدة وهى «التنويع الاقتصادى» التى تعتمد هيكلياً على الوقود الأحفورى، ويبرز فى هذه الاستراتيجية الذكاء الاصطناعى والحوسبة السحابية كأدوات جديدة لتحويل الطاقة الرخيصة إلى خدمات رقمية قابلة للتصدير. فإن ما يبدو «اقتصادًا معرفيًا ورقميًا» فى الخليج هو فى حقيقته امتداد لنموذج «الدولة الريعية» التى تعيد تدوير ثرواتها النفطية لتأمين مكانتها فى المستقبل الرقمى.. نعرض من المقال ما يلى:

أعلنت دول مجلس التعاون الخليجى، على مدى عقود، عن خططٍ لتنويع اقتصاداتها بعيدًا عن استخراج الوقود الأحفورى، فيما يجرى تقديم الذكاء الاصطناعى اليوم أكثر فأكثر بوصفه المحرّك الأحدث لهذا التحوّل. وقد أعدّت هذه الدول وثائق تخطيط اقتصادى كبرى، وشرعت فى تنفيذ مشاريع عملاقة فى الصحراء، وروّجت قطاعات جديدة، كدليلٍ على تطلّعها نحو مستقبل ما بعد النفط. ومع ذلك، لا يزال الاقتصاد السياسى لدول الخليج يعتمد هيكليًا على طاقة الوقود الأحفورى الرخيصة، ويستمرّ هذا الاعتماد فى تشكيل استراتيجيات التنمية المحلية، ودبلوماسية المناخ الدولية لدول مجلس التعاون.

لقد وسّعت المملكة العربية السعودية والإمارات العربية المتحدة انخراطهما فى قطاع المواد البتروكيميائية، منتقلتَين إلى مراحل لاحقة من سلسلة القيمة الهيدروكربونية بدلًا من الخروج منها. واستثمرت البحرين، ولاحقًا دبى، فى الخدمات المالية، التى تزدهر بفضل تدفّقات رأس المال الإقليمية المرتبطة ارتباطًا مباشرًا بثروة الوقود الأحفورى. وانتشر التطوير العقارى فى مختلف أرجاء شبه الجزيرة العربية، مستوعبًا فائض رأس المال، وفى الوقت نفسه حاصرًا مدن الخليج فى أنماطٍ حضريةٍ تعتمد بشدّة على الطاقة الرخيصة لأغراض التبريد، وتحلية المياه، والنقل، والصيانة. كذلك، شهدت السياحة نموًّا سريعًا، إلا أنها تُعَد من بين أكثر القطاعات استهلاكًا للمياه والطاقة فى البيئات القاحلة. أخيرًا، برزت الخدمات اللوجستية بوصفها ركيزة محتملة، إلا أنها تبقى عرضةً لتغيّر مسارات التجارة العالمية وإعادة توجيهها نحو منطقة المحيطَين الهندى والهادئ.

ويُعَد إنتاج الألومنيوم فى دول مجلس التعاون الخليجى، والذى قُدم على أنه قصة نجاح، واحدًا من أوضح محاولات التنويع الصناعى التى تعكس هذه الديناميات. يعتمد هذا الإنتاج على ميزةٍ مُقارَنةٍ واحدة، ألا وهى الكهرباء الوفيرة متدنية الكلفة والمُولَّدة بالوقود الأحفورى. فإنتاج الألومنيوم عمليةٌ ذات استهلاكٍ كثيف للكهرباء، إذ إن تحويل خام البوكسيت إلى معدنٍ عبر التحليل الكهربائى يتطلّب كمياتٍ كبيرةً جدًّا من الطاقة الكهربائية المتواصلة. وتوجد فى دول مجلس التعاون الخليجى خمسة مصاهر، أنتجت مجتمعةً نحو 6.3 مليون طن من الألومنيوم الأوّلى فى العام 2024، أى حوالى 9 فى المائة من الإنتاج العالمى، ما يُبرِز دور الألومنيوم كركيزةٍ لصادرات دول المجلس غير النفطية. ولا يعكس التركيز على هذا الإنتاج فى دول مجلس التعاون الخليجى ابتكارًا تكنولوجيًا ملحوظًا أو ارتفاعًا فى إنتاجية اليد العاملة، بل يشير إلى قدرة هذه الدول على تحويل المواد الهيدروكربونية الرخيصة إلى إنتاج صناعى قابل للتصدير.

• • •

تسهم محاولات التنويع الاستراتيجى هذه كلّها فى خفض المخاطر المالية، وتخفيف تقلّبات الإيرادات، غير أنها لا تؤدّى إلى فكّ الارتباط بين اقتصادات الخليج والوقود الأحفورى. فهذه الاقتصادات لا تزال تقوم على الريع، وتستهلك الطاقة بشكل كبير، وتعتمد هيكليًا على استخراج النفط والغاز. وهذا المنطق نفسه يعاود الظهور اليوم بشكلٍ جديد أكثر تطوّرًا، مدفوعًا بالتوسّع السريع لتقنيات الذكاء الاصطناعى.

واقع الحال أن التنويع المجدى فى مجال ابتكارات الذكاء الاصطناعى، ويُقصَد بها الإنجازات الخوارزمية والأبحاث الرائدة، لا يزال خارج متناول دول مجلس التعاون الخليجى. تعتمد هذه الابتكارات على نُظم أبحاثٍ مكثّفة، وحرية أكاديمية، وتداول المعرفة المفتوحة، وهى ظروف لا يمكن توفيرها بين ليلة وضحاها، كما لا يمكن تهيئتها فقط من خلال ضخّ رءوس الأموال.

لكن فى ظل تسارع انتشار الذكاء الاصطناعى، بات من الصعب أكثر تجاهل الأُسُس المادية للاقتصاد الرقمى، فيما الطلب العالمى على سعة تخزين البيانات وقدرات الحوسبة يتزايد. هذه الفجوة تتيح فرصًا جديدة أمام دول مجلس التعاون الخليجى. فالذكاء الاصطناعى يعتمد على مراكز البيانات، ومزارع الخوادم، وأنظمة التبريد، وإمدادات الطاقة المستمرة. وهذه الدول تتمتّع بإمكانية الحصول على طاقة رخيصة وموثوقة، فضلًا عن أنظمة سياسية قادرة على تأمين الأراضى ورأس المال والبنية التحتية اللازمة، بما فى ذلك الاستخدام الفعّال لأنظمة التبريد على نطاق واسع. وهذا الأمر يجعلها لا دولًا مُبتكِرة لأنظمة الذكاء الاصطناعى؛ بل دولًا مضيفة للركيزة المادية المتقدّمة تكنولوجيًا التى يستند إليها الاقتصاد الرقمى.

وهكذا، يبرز التخزين السحابى بوصفه الألومنيوم الجديد لدول الخليج، إذ لم يعد الوقود الأحفورى يُصدَّر على شكل منتجات صناعية فحسب، بل أيضًا بصورة أكثر تجريدًا على شكل خدمات رقمية. تتجلّى هذه الاستراتيجية عمليًا من خلال الاتفاقيات الضخمة لبناء مراكز بيانات عالية السعة فى مختلف أنحاء المنطقة. ففى دولة الإمارات مثلًا، أعلنت شركة «مايكروسوفت»، ومجموعة «جى 42» ومقرّها أبو ظبى، عن مشروع توسعة منظومة مراكز البيانات بسعة 200 ميجاواط، سيتم تنفيذه من خلال شركة «خزنة» الإماراتية الرائدة فى تشغيل مراكز البيانات، فى إطار استثمار أكبر بقيمة 15 مليار دولار. وفى السعودية، كشفت شركة «أدفانسد مايكرو ديفايسز» وشركة «سيسكو سيستمز» عن تعاونهما مع شركة «هيوماين» السعودية المتخصصة فى الذكاء الاصطناعى لإطلاق مشروعٍ مشتركٍ يرمى إلى إنشاء مركز بيانات بقدرة إجمالية تبلغ 100 ميجاواط. لقد أسهمت تطورات موازية فى إطلاق مثل هذين المشروعين، بما فى ذلك موافقة الولايات المتحدة على تصدير شرائح الذكاء الاصطناعى التى تنتجها شركة «إنفيديا» إلى الإمارات بقيمة مليارات الدولارات، فى إطار اتفاقيات ثنائية تهدف إلى دعم إنشاء مراكز بيانات فى دول مجلس التعاون الخليجى. كذلك، ستستضيف السعودية فى سبتمبر 2026 القمة العالمية للذكاء الاصطناعى فى نسختها الرابعة، بمشاركة عددٍ من القيادات الحكومية، وصنّاع القرار، والرؤساء التنفيذيين لكبرى شركات التقنية، والخبراء والمبتكرين والباحثين فى مجال البيانات والذكاء الاصطناعى من مختلف دول العالم.

• • •

يعكس حجم هذا التوسع كيف تصبح الحوسبة السحابية بمثابة الألومنيوم الجديد لدول الخليج، باعتبارها مسارًا إضافيًا لتحويل طاقة الوقود الأحفورى الرخيصة إلى سعة تخزينية قابلة للتصدير ومُحملة بالانبعاثات الكربونية، تحت شعار التنويع الاقتصادى. صحيح أن السحابة الإلكترونية تُصوَر فى الكثير من الأحيان على أنها غير مادية وموجودة خارج المكان، إلّا أنها فى الواقع شديدة الاعتماد على العناصر الجغرافية والبنى التحتية. فهى لها موقع محدّد، ناهيك عن أنها تستهلك كميات كبيرة من الطاقة الكهربائية، وتُولّد حرارة تتطلّب تبريدًا مستمرًا. ولا يعود الكربون مرئيًا خلال مرحلة الاستهلاك، إذ يُخفى خلف تجريد عملية تخزين البيانات والقدرة الحاسوبية، بينما تتركّز الانبعاثات فى أماكن أخرى بعيدة جغرافيًا، وتخفّ المساءلة السياسية عن تبعاتها. هذا ما يمكن وصفه بأنه تصدير الدول الخليجية الغنية بالنفط لسُحُب الوقود الأحفورى.

ومع عودة مؤتمر الأطراف فى اتفاقية الأمم المتحدة الإطارية بشأن تغيّر المناخ إلى المنطقة، ليعقد دورته الحادية والثلاثين (COP31) فى مدينة أنطاليا التركية فى نوفمبر من العام الجارى، يثير التوسّع المتسارع للبنية التحتية السحابية فى دول الخليج تحديًا استراتيجيًا للعمل المناخى. فمن خلال استضافة دول مجلس التعاون الخليجى حصةً متنامية من البنية التحتية الرقمية العالمية ذات الاستخدام الكثيف للطاقة، والتى يعمل جزءٌ كبير منها بالوقود الأحفورى، قد تتسبّب هذه الدول بترسيخ شكلٍ جديدٍ من النفوذ فى المفاوضات المتعلّقة بالمناخ، يجمع بين دورها التقليدى كمُنتِجة للمواد الهيدروكربونية، وبين سيطرتها المتزايدة على البنى التحتية السحابية الحيوية. وقد يُعزّز هذا التحوّل بشكلٍ كبير قدرتها على المساومة على الساحة الدبلوماسية العالمية، ولا سيما فى سياق عرقلة العمل المناخى، من خلال إعادة تعريف الاعتماد على الوقود الأحفورى، بوصفه ليس فقط مسألة تتعلّق بأمن الطاقة، بل أيضًا ضرورة رقمية استراتيجية.

النص الأصلى:

 

مقالات اليوم

قد يعجبك أيضا

شارك بتعليقك

بوابة الشروق 2026 - جميع الحقوق محفوظة