هل يجب أن نتكلم بصراحة عن تاريخ العلم والعلماء؟

الجمعة 9 يناير 2026 - 6:06 م

لماذا نتحدث عن تاريخ العلم والعلماء أساسا؟

هل يجب أن نُظهر عيوب العلماء؟

ما أهمية الحديث بصراحة عن تاريخ العلم؟

عندما بدأت بكتابة مقالات أسبوعية منذ عقد من الزمان بدأت بمقالات عن تاريخ العلم وخاصة النجوم المضيئة عندنا، بمعدل مقال عن كل شخصية، ثم أتبعتها بمقالين هما بمثابة وقفة للتفكير فيما تكلمنا فيه عن تاريخ العلم والعلماء، هذه الوقفة تمثلت فى مقالين: الأول بعنوان «لماذا نقرأ تاريخ العلوم» بتاريخ 4 يونيو 2016، والثانى بعنوان «لماذا نقرأ سير العلماء؟» بتاريخ 11 يونيو 2016، أحب أن أدعو القارئ الكريم لقراءة هذين المقالين، لكنى سألخص أهم النقاط هنا كمدخل لمقال اليوم:

     •    العلم لا يسير فى خط مستقيم، لكن به منعطفات وتوقف، وصعودا وهبوطا، تبعا لحالة الاقتصاد والسياسة والبحث العلمى نفسه وشخصية العلماء.

     •    معرفة تاريخ اكتشاف علمى معين والمشكلات التى واجهت العلماء أثناء رحلتهم للوصول إلى هذا الاكتشاف تساعد على فهم هذا الاكتشاف بعمق أكثر، الخلفية التاريخية ليست بمعزل عن الفكرة العلمية لأن كل شخص له طريقة تفكير معينة تنبع من شخصيته وبيئته، والمشكلة العلمية قد يكون لها أكثر من حل، لذلك شخصية العالم وبيئته ومجتمعه لهم تأثير.

     •    تاريخ العلم وسير العلماء تعلمنا أن الفشل فى تجربة أو بحث هى خطوة على طريق التعلم ثم النجاح، وأنك قد تبدأ العمل فى بحث معين لكن التجارب وتحليلاتها قد تأخذك فى طريق آخر تماما يكون هو الطريق الصحيح، إذا كان الطريق واضحا منذ البداية فهذا لا يُسمى بحث علمى لكن تطوير.

     •    العلماء ليسوا ملائكة، فحتى الحائزين على جوائز كبرى لا يخلون من صفات ليست بالأفضل، بل وقد لا أكون مبالغا لو قلت إننا فى عصر من يريد أن يصل إلى جوائز كبرى وشهرة ومال فى مجال العلم فعليه بشبكة المعارف والتسويق لعمله، وحتى قد يلجأ للضغط على طلابه بطريقة غير صحية ومحاربة المنافسين بطرق غير نزيهة، وسير العلماء الحديثة التى تلتزم بالحيادية ممتلئة بأمثلة من ذلك.

هذه النقطة الأخيرة هى ما نريد أن نتحدث عنه فى مقال اليوم.

• • •

تاريخ العلم وسير العلماء

نظرتنا الرومانسية إلى العلماء أنهم أناس متنسكون لا يبحثون إلا عن الحق ولا هم لهم إلا الفضول العلمى من أجل رفاهية الإنسانية هى نظرة حالمة لا تنطبق على حالنا اليوم، خاصة فى العلوم التطبيقية التى يُنتج عنها اختراعات وينبثق عنها شركات، وهذا قد يقود إلى المال والشهرة، وبالتالى نجوم العلم الذين نقرأ عنهم وننبهر بهم ليسوا منزهين عن كل نقص، ولنأخذ بعض الأمثلة.

جيمس واطسون وفرانسيس كريك الحاصلان على جائزة نوبل فى الطب أو الفسيولوجيا سنة 1962 لاكتشافهما التركيب اللولبى للـ DNA وبالتالى معرفة الكيفية التى تنتقل بها الصفات الوراثية. هذا كله جميل وله أكبر الأثر فى فهمنا للحياة وانتقال الصفات إلخ. لكن ما لا يعرفه الكثيرون أن هذا الاكتشاف اعتمد وبشدة على صور الأشعة السينية (X-ray) التى قامت بالتقاطها وتحليلها عالمة الكيمياء الإنجليزية روزالين فرانكلين، وقد حصل واطسون وكريك على تلك الصور دون علمها، بل ولم يذكرا عملها فى بحثهما المنشور والذى قادهما إلى جائزة نوبل فيما بعد، وقد توفت روزالين فى سنة 1958 عن عمر يناهز 38 عاما أى قبل إعطاء الجائزة لواطسون وكريك، بل والأدهى من ذلك فإن واطسون فى مذكراته المنشورة بعنوان (The Double Helix) قد كتب عن روزالين بطريقة ساخرة وقلل من إسهامها. لكننا لا نرى إلا العالم العظيم الحاصل على نوبل.

مثال آخر هو الألمانى فريتز هابر الحاصل على جائزة نوبل فى الكيمياء سنة 1918 (لكن تم إعطاؤها سنة 1919 لظروف الحرب العالمية الأولى)، الاكتشاف الذى من أجله حصل هابر على جائزة نوبل هو طريقة جديدة لتصنيع الأمونيا للأسمدة، وبذلك زاد الإنتاج الزراعى وتم إنقاذ الملايين من الجوع. هذا هدف نبيل. لكن هابر نفسه هو مهندس الحرب الكيميائية لألمانيا وتصميم أسلحتها المحرمة دوليا وأشرف بنفسه على استخدامها أثناء الحرب العالمية الأولى. فماذا عسانا أن نقول هنا؟

جان هندريك شون (Jan Hendrik Schön) عالم الفيزياء الألمانى، لكننا سنراجع كلمة «عالم» بعد أن نحكى قصته، حصل على العديد من الجوائز العلمية نتيجة تجاربه المبهرة (أو هكذا كنا نظن) عن أشباه الموصلات أثناء عمله فى معالم بيل (Bell labs) الشهيرة آنذاك فى بداية القرن الواحد والعشرين. كان نجم جان فى صعود مستمر، وكان ينشر أبحاثه العلمية بمعدل عجيب، فقد كان ينشر بحثا تقريبا كل ثمانية أيام. لكن السقوط حدث عندما تم اكتشاف أنه «يفبرك» نتائج تجاربه، أى يغش، وبالتالى تم سحب الدكتوراه وعدد كبير من الجوائز فى حادثة تعد من أكبر حوادث الغش فى تاريخ الفيزياء.

لينوس باولنج أحد أكبر العلماء فى الكيمياء والذى كان الدكتور أحمد زويل يشغل كرسى أستاذيته فى جامعة كالتك، باولنج هو الشخص الوحيد الذى حصل على جائزتى نوبل منفردا فى الكيمياء والسلام، لكن القصة هنا ناقصة، لنرى الأجزاء الباقية من هذه الشخصية المثيرة للجدل: أولا عندما كان رئيسا للقسم كان يهمل أعباءه الإدارية، مما وضع القسم فى مشاكل، إذا لم يكن عنده وقت لهذه المسئولية الإدارية فلما قبلها فى الأساس؟ ثانيا كان يعامل زملاءه فى الجامعة بطريقة حادة حتى إن الأساتذة كانوا يخشون الحديث معه فى أى موضوع، ثالثا كان يستخدم أغلب مساحة القسم من معامل إلخ لحساب أبحاثه هو على حساب باقى الأساتذة، رابعا أنه يتمسك برأيه العلمى بعناد «غير علمى» بالمرة حفاظا على صورته، ويظهر هذا جليا فى تصميمه على أن فيتامين سى يعالج السرطان، بالإضافة إلى آراء علمية أخرى، حتى أن روبرت موليكن (الحاصل بدوره على جائزة نوبل فى الكيمياء سنة 1966) قال قولة مشهورة إن تعنت وعناد لينوس باولنج آخر تقدم البحث العلمى فى هذا المجال خمسة عشر عامًا. لكننا لا نذكر لينوس باولنج إلا بكل فخر.

هل معنى ذلك أننا لا يجب ألا نحتفى بالعلماء؟

• • •

ماذا عسانا أن نفعل مع سير العلماء؟

الأمثلة التى ذكرناها ليست «حوادث فردية» لكن إذا وضعنا أى شخص تحت الميكروسكوب فسنجد دائما من المثالب ما قد يطعن فى نزاهته العلمية والإنسانية، لذلك يجب أن نتعامل بحرص مع سير العلماء:

     •    من نقاط ضعف أغلب الناس أنهم لا يستطيعون الفصل بين الشخص وإنجازه، يجب أن نحاول معالجة تلك النقطة وألا نرى الشخص ككتلة واحدة لا تتجزأ، ونُطلع الجيل الجديد على نقاط القوة فى الشخصية، مع بيان وتحذير من نقاط الضعف المتعلقة بعملية البحث العلمى فقط.

     •    الجوائز تعمينا عن عيوب العلماء، وهذه نظرة ضيقة جدا، لأنها تعنى «احصل على الجائزة وسنتجاهل كل ما تم فى طريق الوصول إليها»، وهذه دعوة للغش والتدليس والحرب غير الشريفة فى أقسى الأحوال، وتجاهل الحياة الأسرية والاهتمام بالصحة فى سبيل الكشف العلمى فى أقل الأحوال.

     •    العلماء الكبار تعتبرهم دولهم من مصادر القوة الناعمة ولا تسمح بالمساس بهم بأى سوء، وهذه النقطة مفهومة، وعلاجها الآن هو التركيز على الصفات الحسنة للعالم وإنجازه، لكن مع عدم المبالغة فى هذه الصفات وإظهاره كملاك، لأن الأجيال الجديدة لن تصدق ذلك.

• • •

العلماء بشر لهم نقاط ضعفهم، والبحث العلمى لا يلغى هذا الضعف، ويجب أن نتعامل مع العلماء بهذا المنطلق، فلا نندهش عندما يمتهن شخص العلم من أجل الجوائز والشهرة، ويحارب الآخرين طمعا فى منصب، ويحاول تسويق نفسه بأفضل من قيمته الحقيقية.

مقالات اليوم

قد يعجبك أيضا

شارك بتعليقك

بوابة الشروق 2026 - جميع الحقوق محفوظة