المشهد واضح وضوح الشمس؛ يتم ترسيخ الظلم، والتطبيع معه، وإخراس الأصوات المطالبة بالعدل، وقطع الطريق على قيام المنظمات الدولية بالأدوار التى تم إنشاؤها بالأساس للقيام بها.
ها هى المنظمات الأممية، مثل الأونروا، والمحكمة الجنائية الدولية، تتجرع من نفس الكأس الذى يتجرعه الكثير من أبناء المنطقة العربية منذ أحداث سبتمبر 2001. يتم وصمها بالإرهاب، وتقييدها، ومضايقة العاملين بها، وفرض العقوبات عليها.
فى 8 ديسمبر 2025 اقتحمت القوات الإسرائيلية مقر وكالة الأونروا فى حى الشيخ جراح بالقدس الشرقية، وهى المنطقة التى احتلتها إسرائيل منذ عام 1967، ولم تأبه بقرار مجلس الأمن الصادر برقم 242 منذ أكثر من خمسين عامًا، والذى يقضى بانسحابها من كافة الأراضى التى احتلتها منذ 1967.
قامت القوات الإسرائيلية بانتزاع علم الأمم المتحدة من السارية أعلى مقر الأونروا بالقدس الشرقية، واستبداله بالعلم الإسرائيلى، وقطع كافة الاتصالات من المبنى، ومصادرة محتوياته.
هذا المشهد، على ما يبدو عليه من سريالية، هو الجوهر الحقيقى للنظام الدولى، وليس مجرد معايير مزدوجة؛ إنها عدالة الأقوياء الذين صمموا النظام من البداية ليحتفظوا بحق الفيتو فيما قد يتعارض مع مصالحهم. وها هى الإبادة الجماعية الأطول فى تاريخ عقود من الاستيطان الإسرائيلى لفلسطين فى المنطقة العربية، تخزى عيون المتشدقين بكون الاحتلال واحةً لحقوق الإنسان والديمقراطية فى صحارى عربية، وكذا المحسنين ظنًا بالنظام الدولى وإمكانية تدخله لوقف العدوان الذى طال أكثر من عامين.
• • •
إذ على نفس المنوال، كانت قوات الاحتلال قد اقتحمت الشريط الحدودى الفلسطينى مع مصر، وبعلم إسرائيلى يكاد يفوق حجم الدبابة الإسرائيلية التى يعلوها، معلنة احتلالها الرمزى والفعلى لمعبر رفح منذ 7 مايو 2024 وحتى الآن، ناهيك عن توغلها فى الأراضى السورية واللبنانية، وقصفها للعواصم العربية: الدوحة، صنعاء، بيروت، ودمشق، إضافة إلى طهران.
يأتى هذا مع استمرار قوات الاحتلال فى مخالفة اتفاق وقف إطلاق النار الأخير فى لبنان، والإصرار على عدم الانسحاب، بالرغم من انتشار القوات الدولية (اليونيفيل) فى جنوب لبنان منذ 47 عامًا، تنفيذًا لقرارات مجلس الأمن 425 و426 فى عام 1978، الملزمة إسرائيل بسحب قواتها من جميع الأراضى اللبنانية. أى إن ذريعة عدم الانسحاب إلا مع انتشار قوات دولية فى غزة هى حجة باطلة من واقع تاريخ ممارسات الاحتلال فى لبنان، وعدم استجابته لقرارات مجلس الأمن.
إذا كان هذا هو الحال، وليس الاستثناء، فما جدوى المنظمات الدولية، طالما أنها عاجزة عن حماية الأبرياء، ووقف الإبادة، وتوفير المساعدات؟ هل بداية الحل بإلغاء هذه المنظمات؟ أو على الأقل الانسحاب منها؟
لو تم هذا الانسحاب، لتلاقت الأهداف مع الدول المارقة التى تحتمى بامتيازاتها، ولا تبالى بكسرها لأبسط قواعد المنطق والإنسانية قبل القانون الدولى، وارتكاب جرائم الحرب ضد الإنسانية. فالدولة التى مارست الإبادة الجماعية، بشهادة الأمم المتحدة، إضافةً إلى ممارساتها العقاب الجماعى ضد الفلسطينيين، وصناعتها مجاعة فى غزة، بتأكيد الأمم المتحدة أيضًا، لا تزال تستمر فى سياسات القتل، والحصار، والتجويع، والاحتلال، والدفع باتجاه التهجير القسرى، والادعاء بأنه سيكون تهجيرًا طوعيًا، بعد تدميرها كل مقومات الحياة.
إنها نفس الدولة التى لا ترحم، ولا تترك الآخرين يتدخلون بالمساعدات، وتقوم بحظر الأونروا، كما تسعى لإقرار قانون بإعدام الأسرى الفلسطينيين، وقد قامت مؤخرًا بإعادة اعتقال عشرات الأسرى ممن كانت قد أفرجت عنهم بموجب صفقات التبادل.
• • •
إن تدعيم أدوار الأمم المتحدة، ورفض إلغاء إسرائيل لها من ناحية، والعمل على إصلاح وتفعيل أدوار الأمم المتحدة من ناحية أخرى، هى أمور لازمة، ولا يمكن التأخر عنها للحظة، وقد بادرت مصر فى هذه المسارات بالفعل.
قامت مصر وسبع دول عربية وإسلامية بإصدار بيان مشترك يدين اقتحام القوات الإسرائيلية لمقر وكالة الأونروا بالقدس، وإن كان ذلك خطوة مطلوبة، إلا أنها وحدها غير كافية. وتمتلك هذه الدول قوة ومساحة من الضغط والنفوذ، يمكنها من إحداث تأثير أكبر، سواء على الدولة المارقة أو راعيتها الأكبر.
وقد كان لضغوط بعض من هذه الدول ما جعل إدارة ترامب تلجأ لاستصدار قرار من مجلس الأمن قبل موافقة أى منها المرتقبة للمشاركة فى قوة الاستقرار الدولية المزعومة. وإن كانت النتيجة تمثلت فى خروج قرار مجلس الأمن رقم 2803 بشكل معيب، وبدلًا من التأكيد بشكل واضح على حق الفلسطينيين فى تقرير المصير، كان أشبه بالمكافأة للمحتل مرتكب الإبادة الجماعية.
ومن المفارقة أنه بينما تطالب الولايات المتحدة بتطبيق قرار مجلس الأمن 2803، فإنها عارضت قرار الجمعية العامة الذى يدعم فتوى محكمة العدل الدولية بمطالبة إسرائيل بالوفاء بالتزاماتها بموجب القانون الدولى الإنسانى.
ومن المثير للسخرية أن اعتراض الولايات المتحدة الرسمى على قرار الجمعية العامة قد تضمن نقدًا صريحًا للجمعية، والتى تضم أغلب دول العالم (193 دولة)، واصفًا إياها بالاستمرار فيما اعتادت عليه لعقود من «استهداف إسرائيل بشكل غير عادل»!
ولقد قادت الدبلوماسية المصرية، مع 16 دولة، تقديم مشروع القرار الذى يستند إلى فتوى محكمة العدل الدولية، ويعزز الأمم المتحدة فى مواجهة الرفض الإسرائيلى لها. ونجح تمرير القرار بعد تصويت 139 دولة بالموافقة عليه، مع معارضة إسرائيل والولايات المتحدة وعشر دول فقط (الأرجنتين، بوليفيا، فيجى، المجر، ميكرونيسيا، ناورو، بالاو، بابوا نيوغينيا، باراجواى، تونجا)، وامتناع إثيوبيا وأوكرانيا و17 دولة.
تكشف مأساة الإبادة المدى الذى يمكن للدول الخمس ذات حق الفيتو أن تسمح فيه لدول بالاستمرار فى الإبادة الجماعية وتحقيق مصالحها، مع الهدر الكامل لمبادئ وقواعد القانون الدولى، وصولًا إلى محاولات الإفلات من العقاب والتخلى عن المسئولية، حتى وصلنا إلى مشهد سريالى تغزو فيه الدولة المارقة مقرات الأمم المتحدة وتنزع علمها.
ومن الأهمية ألا تتصدر دولة واحدة هذا المشهد فقط، بل أن يتم تفعيل مزيد من التحركات الجماعية داخل الجمعية العامة للأمم المتحدة، والضغط من أجل إصلاح نظام مجلس الأمن، لأنه شديد الصلة باستمرار تفاقم هذه الصراعات. ولا يمكن ضمان استدامة سلام حقيقى على استقرار هش يتم فرضه بجبروت القوة الغاشمة، وتكريس الإبادة واللاعدالة.
باحث واستشاري في سياسات التنمية والانثروبولوجيا