وكان شِعاره «خليها على الله»!

السبت 10 يناير 2026 - 6:45 م

(1)
قرن وربع القرن تقريبًا على ميلاد يحيى حقى (1905–1988)، ذلك الوادع الوديع المسالم الهادئ، صاحب الإبداع والإنجاز والأستاذية بلا صخب ولا ضجيج، مبدع كتابة الدانتيلا، والأديب والقاص والروائى والمترجم وابن البلد والدبلوماسى الرفيع الثقافى.. خلطة مدهشة ومزيج عجيب من روافد عديدة شكّلت فى النهاية هذا الكل المركَّب، الذى جمع بين المؤتلف والمختلف بصورة لم أرها كثيرًا بين الكُتّاب والأدباء والمبدعين.


يحيى حقى، الذى يصفه المرحوم الناقد الراحل رجاء النقاش بمحبة صافية: «عرفنا يحيى حقى الذى رحل عنا سنة 1992 رجلًا مسالمًا لا يعادى ولا يخاصم، ولا يحب لنفسه أن يكون طرفًا فى أى صراعات أو معارك، كما أنه كان رجلا حريصا على استقلاله، رافضًا كل الرفض للاشتغال بالسياسة والدخول فى أمواجها الصعبة العاتية، وقد اتخذ هذا الفنان الكبير لنفسه ما يشبه الشعار لحياته كلها؛ يقول فيه: «خليها على الله»، وهو الشعار الذى جعله عنوانًا لقصص حياته أو سيرته الذاتية.


يمكنك أن تعرف أن حقى تأثر تأثرًا شديدًا بكل ما مرّ به فى حياته؛ من حيث النشأة والأحداث الصغيرة والكبيرة التى انطبعت على نفسه الشفافة وروحه النقية الحساسة؛ كان خجولًا وحييًّا وذا ذوق رفيع للغاية، وما كان لهذه الصفات أن تجتمع معًا فى شخص إنسان ما إلا إذا كان هو نفسه مركَّبًا من خلايا شديدة الحساسية ومرهفة الاستقبال؛ كانت حياة حقى سلسلة متصلة من الاستجابات الحساسة لدوافع وأسباب أنتجت لنا – فى النهاية – هذا الإبداع الرفيع الراقى، الذى توقف أمامه النقاد والدارسون والباحثون بكثير من الاحترام والانبهار والتقدير.


(2)
من بين نصوص كتابه «كناسة الدكان»، اخترت هذا النص البديع الذى يعبّر تماما عما قصدته من السطور السابقة؛ يعرض النص بوضوح متى وكيف بدأ اهتمام حقى بالإبداع القصصى، ونما شغفه فى تلك الدائرة؛ يقول: «أحمد الله تعالى مرارًا وتكرارًا أننى وُلدتُ فى أسرة تقتنى الكتب وتهتم بالأدب والشعر، وتهتم أيضًا بالكلمة الصحيحة فى مكانها الصحيح، وقد وجدتُ بعض أفراد أسرتنا يفتعلون المعجزات عن طريق كتابة رسائل العتاب لمجرد أنهم يريدون أن يبدعوا فى هذه الرسائل التى تأخذ شكلًا أدبيًا جميلًا، وقد كانت والدتى تقرأ وتكتب، وكنا نقرأ ديوان المتنبى وكل ما نصل إليه من كتب، وقصائد شوقى كانت تدخل بيتنا، وكثيرٌ منها كنا نحفظه».


ستكون بداية حقى مبكرة للغاية مع القلم: «وقد بدأت محاولات فى الكتابة ربما فى أواخر مرحلة دراستى الثانوية أو بداية دراستى للحقوق، ولكنى لم أحاول كتابة الشعر؛ لأن الشعر فى الحقيقة بالنسبة لى هو قمة فنون القول، ولا تُقاس عظمته بأى فن آخر، وأنا مستعد لأن أضع القصة أو الرواية فى كيس وألقيها فى البحر فتأتى شعرًا؛ لأن الشعر هو خلاصة التراث، وهو الفن الحقيقى». ويطرح حقى على نفسه السؤال: لماذا لم أكتب الشعر؟ ولم أكتب المسرحية؟


يجيب: يجب أن يعترف كل كاتب بحدود مقدرته؛ فمثلًا نحن نعترف ونزهو بمقدرة توفيق الحكيم فى الحوار، وهو يقول هذا، أما أنا فليس عندى موهبة «الحوار». إننى ألتزم ما قدّرنى الله عليه، وهو التأمل والوصف، وأكبر همّى هو وصف الأشخاص والأشياء.
وأستعين فى هذا الوصف بحواسى الخمس جميعها لأكمل الصورة، وقراءة قصصى تتضح فيها حاسة الشم بدرجة كبيرة، وهذا غير مقصود، وأنا عند الكتابة لا أحس أننى أتخذ من ذلك وسيلة، ولكن لمجرد الصدق. فعندما أتجول مثلًا فى الغورية، هل يمكن أن أصف نفسى وأنا أسير فى الغورية دون أن أتناول رائحة الحى؟ وهذا يحدث بالنسبة للقصص التى تدور فى الأماكن التى تتطلب استخدام حاسة الشم فيها.


(3)
وكان انتقاله من قاهرة عشرينيات القرن الماضى «الجميلة» إلى منفلوط وقرى الصعيد – بفقرها وسلوكياتها ومرافقها وخدماتها الشديدة التواضع – بمثابة الصدمة التى هزّت أعماقه، ونبّهته إلى حقيقة وضع الأغلبية الساحقة من بنى وطنه، وزوّدته، وهو الوطنى الغيور، بمادة غزيرة لموضوعات أعماله فيما بعد.


استغرق كتاب «خليها على الله» هذه التجربة الغنية فى حياته، وسجّل عبر صفحاته ما اعتبره كثير من الكُتّاب والنقاد أجمل وأبدع نصوصه الذاتية على الإطلاق.. يقول فى مقدمتها:
هل فى هذه المذكرات دليل على أن الناس يتوهمون أنهم يعيشون أحرارًا فى يقظة الحاضر، وهم فى الحقيقة أسرى فى قبضة أحلام الماضى رغم نسيانه؟ يكفينى أن تخرج هذه المذكرات كأنها نجوى تدور بينى وبين نفسى، ملتزمًا فيها الصدق والصراحة والنفع، مهتمًّا بالعبرة لا بالتفاصيل.. وعزائى أننى أستقبل وأشيّع كل خطوة بابتسامة، ولو كانت الذكرى ممضّة والكلام عنيفًا؛ فالابتسام وحده هو الذى يجعل طلب الصفح جميلًا، وبذل الصفح أجمل، ويقلب الماضى المرّ حلوًا، والحاضر الثقيل هيِّنًا، والمستقبل الملثّم أمنًا.. إن كانت الابتسامة تنقلب أحيانًا إلى سخرية فلا بأس؛ فمن نفسى – وقبل أى إنسان آخر – قد سخرت، أسير فى هذه المذكرات كما سرت فى حياتى، أفرد الشراع وأقول لزورقى والبحر المخوف أمامه: خليها على الله!

مقالات اليوم

قد يعجبك أيضا

بوابة الشروق 2026 - جميع الحقوق محفوظة