نشرت صحيفة هاآرتس مقالًا للكاتب جدعون ليفى (تم ترجمته بواسطة مؤسسة الدراسات الفلسطينية)، تناول فيه حادثة دهس السائق الفلسطينى فخرى الخطيب شابا حريديا فى القدس، مسلطًا الضوء على ازدواجية المعايير القانونية الإسرائيلية. ففى حين تُسرع السلطات فى اتهام العرب بالقتل، تتأخر ملاحقة المستوطنين الذين يقتلون الفلسطينيين، أحيانًا دون محاكمة. يوضح المقال كيف تتحول هوية الفرد إلى حكم مسبق، وتُستَبدل العدالة بالتمييز المؤسسى، فى إطار ما يسميه الكاتب نظام الأبارتهايد. ومن خلال سرد الواقعة وتحليل ردود الفعل الرسمية والإعلامية، يكشف ليفى عن واقع عنصرى متجذر، حيث القانون لواحد والهوية لآخر، ويصبح الخوف اليومى جزءًا من حياة الفلسطينيين داخل الأراضى المحتلة.. نعرض من المقال ما يلى:
بعد مرور نصف يوم على دهس سائق الحافلة الفلسطينى، فخرى الخطيب، شابا يهوديا حتى الموت فى القدس، فى حادث بدا كأنه فرار لإنقاذ حياته من حشدٍ غوغائى عنصرى هدده بتنفيذ عملية هجوم جماعى عليه، على غرار ما فعله هؤلاء سابقا بعشرات السائقين الفلسطينيين فى القدس، وسارعت الشرطة إلى اتهامه بالقتل. فى البداية، اعتقدوا بوجوب اتهامه بالقتل فى ظروف مشددة، واستغرق الأمر بضع ساعات، لكى «يتداركوا الأمر»، على ما يبدو، ويكتفوا بتهمة القتل العمد العادى.
تحدّث ممثل الشرطة فى المحكمة عن «خطورة عالية جدا» يشكلها السائق، فى ضوء «الجريمة والجرأة على الاندفاع نحو حشد من الفتية». أمّا وزير الثقافة ميكى زوهار، الفقيه القانونى البارز ورجل الأخلاق، فكان أسرع وأكثر حسما: بعد وقت قصير على الحادثة، وُصف بأنه «قاتل»، فأصبحت محاكمة القاتل فائضة عن الحاجة. لم يبقَ سوى انتظار إقرار عقوبة الإعدام لـ«المخربين» فى الكنيست، ويُعدَم المخرب سائق «خط 64 إلى حى راموت»، فى ساحة السبت، أو فى حديقة الورود التابعة للكنيست، أو فى ساحة «ياد فاشيم»؛ احجزوا التاريخ واطلبوا التذاكر مسبقا. نحن أقرب إلى ذلك أكثر مما يبدو.
كان السائق العربى مشتبها فيه سلفا فى جريمة قتل، ما لم يثبت العكس. منذ الصباح، حين خرج إلى عمله ليعيل أسرته، كان مشتبها فيه بالقتل، حاله حال جميع العرب، ما لم يثبت العكس. لحظةَ تبيّن أنه عربى، صدر الحكم بحقه، فلو لم يكن عربيا، لما خطر فى بال الشرطة اتهامه ابتداءً بالقتل، ومن المؤكد ليس بهذه السرعة القياسية. فعندما يقتل مستوطن فلاحا فلسطينيا عمدا، على مرأى من الكاميرات، تمرّ أشهر قبل أن تقرر أجهزة إنفاذ القانون ما إذا كانت ستقدمه للمحاكمة أصلا - وغالبا لا تفعل - وفى هذه الأثناء، يبقى حرا، هو وبندقيته القاتلة.
الآن، لم يعد ممكنا التظاهر بالبراءة، أو اختراع الأعذار؛ هكذا يعمل نظام الأبارتهايد بالضبط. ما من دليل قاطع على وجود الأبارتهايد الإسرائيلى أكثر من وجود نظامَين قضائيَّين فى الأراضى المحتلة: أحدهما لليهود (النظام القضائى المدنى)، والآخر للفلسطينيين (النظام القضائى العسكرى). قانون لليهود وقانون آخر للعرب، حتى داخل إسرائيل. فليقُم مَن يعتقد أن توجيه تهمة القتل إلى السائق لم يكن بسبب كونه عربيا؛ فليقُم مَن يظن أنه لو كان يهوديا، لكان قُدّم للمحاكمة بالسرعة نفسها، وبالصرامة نفسها.
أمّا «الظروف المشددة»، فكانت كالتالى: نهض السائق صباحا ليؤدى عمله اليومى الخطِر والمهين لأنه مضطر إلى إعالة أسرته. لم يسبق له أن اعتُقل قط، ولم يتورط قانونيا، وكان يعلم أنه يخرج إلى يوم آخر من الإهانات والبصق ووابل الحجارة، وربما الضرب أيضا، على الخط، حيث كان يعمل، والذى يخدم أساسا الجمهور الحريدى، حامل لواء العنصرية الجديد. لكن ما الخيار الذى كان لديه؟
لا أحد يعلم ما الذى دار فى ذهنه فى لحظات الرعب داخل الحافلة، لكن من الواضح أنه خاف خوفا قاتلا، والدليل أنه اتصل بمركز الشرطة 100، طالبا النجدة، التى لم تصل طبعاً. كانت الشرطة مشغولة باعتقال متظاهرين ضد الحكومة يحملون لافتات مشبوهة، وبتقييد راكبى سكوترات كهربائية من دون لوحات ترخيص. لم يولد بعد قاتلٌ يتصل بالشرطة لتأتى وتنقذه، قبل دقائق قليلة من تنفيذ مآربه.
ومن المشكوك فيه أيضا أن الخطيب رأى أنه دهس أحدا؛ فواصل سيره كأن شيئا لم يكن، بينما كان الشاب عالقا فى مقدمة الحافلة، لكن مقاطع الفيديو من المكان تُظهر شباناً يرمون الحجارة على الحافلة، قبل الدهس، ويصرخون: عربي، عربي. فلو كان السائق مستوطنا تُرمى الحجارة على سيارته فى الضفة، لكان شهرَ سلاحه وأطلق النار حتى الموت على الطفل الفلسطينى الذى رمى حجرا وعاد إلى بيته بطلا. ولم يكن لطرح مسألة تقديمه للمحاكمة أى معنى، بطبيعة الحال. لكن السائق كان عربيا، ومن المرجّح أن الحافلة اندفعت نحو الحشد، رعبا منه. وما حدث بعد ذلك، أثبت ما هو معروف منذ زمن: إسرائيل تندفع نحو الأبارتهايد.