x قد يعجبك أيضا

الضم الزاحف للضفة يكمن فى جوهر التآكل السياسى فى إسرائيل

السبت 10 يناير 2026 - 6:55 م

فى مطلع سنة 2026، اختارت الدولة القوية إسرائيل مسارا يُضعفها سياسيا. هذا السياق ضرورى لكل نقاش جاد بشأن مكانتها الدولية. فالأمم المتحدة ليست هى المسئولة، ولا أوروبا، ولا «الإعلام المعادى»، ولا «العالم المنافق»، تقع المسئولية على عاتق الحكومة فى القدس، والتى تدير حربا واسعة من دون أهداف سياسية منذ أكثر من عامين، وتنتهج سياسة خارجية، كأن القوة العسكرية وحدها كفيلة بضمان الشرعية الدولية. إنه ليس خطأً عابراً، بل هو تصوُّر كامل.


منذ أكتوبر 2023، غرقت إسرائيل فى أطول وأكثر حروبها دموية، والتى كان خروجها إليها محقا، عقب هجومٍ «إرهابى» غير مسبوق، لكن بمرور الوقت، لم يعُد السؤال المركزى على الساحة الدولية هو: «لماذا تحارب إسرائيل؟»، بل أصبح: «إلى أين تتجه إسرائيل؟» فى سياق الصراع الإسرائيلى - الفلسطينى ومكانتها فى المنطقة. ترفض الحكومة الإجابة عن هذا السؤال، وصمتُها يساهم فى تآكل المكانة السياسية لإسرائيل.


• • •
فى عالم اليوم، لا تُقاس الحروب بالإنجازات العسكرية فقط، بل بثلاثة معايير: الغاية، والحدود، والنهاية. إن إسرائيل تفتقر إلى كل هذه العناصر. لا توجد غاية سياسية واضحة فى غزة، ولا حدود محددة للعمل العسكرى هناك، ولا نقطة نهاية واقعية تُعرض كهدف. وبغياب هذه العناصر الثلاثة، تجد حتى الدول التى تؤيد حق إسرائيل فى الدفاع عن نفسها صعوبة كبيرة فى مواصلة دعمها السياسي.


فحجم الدمار فى غزة، والعدد الهائل من القتلى، والتهجير الواسع فى صفوف السكان المدنيين، أمور لا تشكل وحدها محور الانتقاد الدولى، بل تنضم إلى سؤال أعمق: هل تهدف الحرب التى تخوضها إسرائيل إلى تغيير الواقع، أم إلى تكريسه؟ عندما ترفض الحكومة توضيح مَن سيحكم غزة فى «اليوم التالى»، وما العلاقة بين إنهاء الحرب وتسوية إقليمية أوسع، يصل العالم إلى استنتاج، مفاده بأن إسرائيل لا تسعى لتسوية، بل لإدارة صراع دائم بالقوة.


لقد استفادت إسرائيل، أعواما طويلة، من فرضية ساذجة كانت مقبولة دوليا: الاحتلال موقت، والصراع قابل للحل، والجمود ناتج من غياب شريك فلسطينى. هذه الفرضية تآكلت منذ سنة 1993 بالتدريج، ومنذ تأليف الحكومة الحالية، انهارت تماما. فالعالم لم يعُد يصدّق أن إسرائيل «تنتظر اللحظة المناسبة»، بل بات يلاحظ نمطا واضحا من تأجيل الحسم بشكل منهجى، مع توسيع السيطرة الفعلية على الأرض.


يتجلى ذلك فى اللهجة الدولية الجديدة تجاه إسرائيل: لم تعُد هناك «دعوات إلى ضبط النفس»، أو «قلق إنسانى» فقط، بل نقاش بشأن شرعية السيطرة المستمرة وتداعياتها القانونية، ولم يعُد يُنظر إلى إسرائيل على أنها دولة تحارب «الإرهاب» ضمن صراع، بل أكثر فأكثر، على أنها دولة تخوض الحرب من أجل تكريس واقع سياسى، والعزلة التى تواجهها فى التصويت فى الأمم المتحدة - بشأن الاعتراف بالدولة الفلسطينية وحق الشعب الفلسطينى فى تقرير المصير - تدل على عُمق هذا التحول. هذه العزلة ليست نتيجة حملة معادية، بل نتيجة الفجوة المتسعة بين التصريحات الإسرائيلية العامة بشأن السيطرة "الموقتة" على الأراضى المحتلة، وبين واقع توسيع تلك السيطرة.


• • •
من المهم التأكيد أن الانتقاد الدولى لا ينكر حق إسرائيل فى القتال، ولا يتجاهل التهديدات الأمنية المتمثلة فى «حماس» وحزب الله وإيران، لكنه نابع من غياب إجابة عن السؤال: كيف تنوى إسرائيل حلّ الوضع؟ فى عالمٍ، حتى «الحروب العادلة» مطالبة بتقديم أفق سياسى، ويعتبر غياب الأفق خياراً متعمدا. وهذا ما يجعله مشكلة استراتيجية، حتى للدول الداعمة لإسرائيل.


إن القوة العسكرية الإسرائيلية مثيرة للإعجاب، ولا تزال تمتلك قدرة ردع. لكن السياسة الخارجية لا تُقاس فقط بالقدرة على استخدام القوة، بل أيضا بالقدرة على معرفة متى يجب التوقف عن استخدامها وكيف. هنا يكمن الإخفاق: تتصرف إسرائيل كأن القوة العسكرية كافية، وتتجاهل التوقع الدولى بشأن تحمّل المسئولية. عند هذه النقطة، تبدأ حتى الدول الصديقة بتغيير نبرتها، ليس بدافع العداء، بل نتيجة عدم الثقة بقدرة إسرائيل على صوغ هدف سياسى لنفسها. وعندما تتآكل هذه الثقة، يبدأ مسارٌ يصعب وقفه، وهو الانتقال من دعم تلقائى إلى دعم مشروط، ومنه إلى الضغط.


فى قلب التآكل السياسى لإسرائيل يقبع مفهومٌ ترفض الحكومة التلفظ به، بينما يستخدمه العالم بشكل كبير «الضم الزاحف»، ليس كإعلان أيديولوجى، أو قانون فى الكنيست، بل كواقع تراكمى يومى قابل للقياس، يستخلصه العالم من أفعال إسرائيل، ولن تنفع معه كل محاولات الإنكار.


اليوم، يعيش فى الضفة الغربية نحو 520 ألف مستوطن، من دون احتساب القدس الشرقية، إلى جانب قرابة ثلاثة ملايين فلسطينى بلا جنسية. إسرائيل لا تعلن الضم رسميا، لكنها تتصرف كأنه حدث بشكل فعلى؛ فتوسيع المستوطنات، وتشريع البؤر الاستيطانية غير القانونية، ونقل الصلاحيات المدنية من الإدارة المدنية إلى وزارات حكومية، وتطوير بنى تحتية منفصلة، وتخطيط مكانى لليهود فقط، وتطبيق انتقائى للقانون، هذا كله ليس بمثابة إجراءات أمنية موقتة، بل خطوات لفرض السيادة.


والحجة الإسرائيلية القائلة «إنه لا يوجد ضم لأنه لا يوجد قانون ضم» يعتبرها العالم مراوَغة. فالقانون الدولى لا يفحص التصريحات فقط، بل السيطرة الفعلية وطول مدتها وغياب نية إنهائها. عندما تسيطر دولة على سكان محرومين من الحقوق المدنية وتعمّق سيطرتها عليهم، مع حرمانهم من أفق سياسي، عقوداً من الزمن، تكون الخلاصة القانونية واضحة.


هنا يقع الشرخ الأعمق فى الثقة، حين تحاول إسرائيل الإمساك بالعصا من طرفيها: من جهة، ترفض الضم الرسمي، خوفاً من الثمن الدولى والديموغرافى، ومن جهة أخرى، ترفض الانفصال، خوفا من الثمن السياسى الداخلى. والنتيجة هى وضع وسطى دائم، مستمر منذ جيلين، ويعتبره العالم حيلة.


• • •
على هذه الخلفية، تشهد الولايات المتحدة وأوروبا ودول المنطقة عملية تآكل فى هامش الحصانة السياسية لإسرائيل. منذ سنة 2023، تصرفت إسرائيل على أساس أن الدعم الأمريكى سيمكّنها من تأجيل الحسم وإدارة الصراع بالقوة. لكن عمليا، بقىَ الدعم الأمريكى أمنيا، بينما تراجع سياسيا - استراتيجيا. فالولايات المتحدة توفّر المساعدة وحرية العمل العسكرى، لكنها لا تضع هدفا سياسيا، ولا تحشد رأس مال سياسياً للدفاع عن سياسة بلا أفق. هذا الفراغ يسمح لأوروبا بزيادة الضغط المعيارى والاقتصادى، من خلال تصريحات وإجراءات تجارية وقيود على السلاح وتهديدات بفرض عقوبات، إلى جانب تراجُع عدد الدول الداعمة لإسرائيل، وفى موازاة ذلك، يضع الشركاء الإقليميون أيضا حدودا؛ العالم يلاحظ نمطاً واضحاً: كل أزمة أمنية تستغلها إسرائيل لتعميق السيطرة وتوسيع الاستيطان، وكل مبادرة سياسية تؤجَّل بذريعة «التوقيت». وهذا النمط يقود إلى استنتاج واحد: تسعى إسرائيل لتكريس واقع الدولة الواحدة، وهو واقع غير مقبول دوليا.


هنا تبرز أيضا المقارنة بنظام الفصل العنصرى فى جنوب إفريقيا، والتى تبذل إسرائيل جهدا كبيرا للتصدى لها. ففى الحالتين، يدور الحديث حول سيطرة مجموعة واحدة على أُخرى، من دون مساواة سياسية، ومن دون أفق. وبمرور الوقت، تتلاشى الفوارق فى نظر المراقب الخارجي، ويتعزز التشابه.


والردّ الإسرائيلى على هذا الانتقاد، بالإنكار والغضب واتهام المنتقدين بمعاداة السامية، غير مُقنع، بل هو مضرّ، لأنه يغلق باب النقاش الموضوعى، ويُبعد الشركاء، ويعزز الادّعاء أن إسرائيل غير مستعدة لمواجهة تبعات أفعالها. فالدول لا تُقاس بقوتها فقط، بل بقدرتها على اتخاذ قرارات مسئولة وتحمُّل نتائجها. لا تكتفى الحكومة الحالية بعدم طرح حلّ سياسى، بل تعمل بشكل منهجى على منع أى حلّ مستقبلى. فهى تُضعف السلطة الفلسطينية، وتضرّ بشرعيتها الدولية، وترفض إشراك آليات دولية فى إعادة إعمار غزة، وتعمّق الضم الزاحف فى الضفة، وهذا كله نابع من وعى واختيار.


• • •
المفارقة أن إسرائيل، من الناحية الأمنية، تمتلك اليوم هامش حركة أوسع من السابق؛ «حماس» تلقّت ضربة قاسية؛ حزب الله مكبوح؛ وإيران أكثر حذرا. هذا هو الوقت المناسب لتحويل القوة العسكرية إلى مبادرة سياسية: تحديد كيفية إعادة إعمار غزة من دون «حماس»؛ تشكيل آلية مدنية فلسطينية بإشراف إقليمى ودولي؛ والتزام مسار انفصال عن الضفة الغربية، لكن بدلاً من ذلك، اختارت إسرائيل التأجيل والانتظار وزيادة الغموض.


شاؤول أرئيل
هاآرتس
مؤسسة الدراسات الفلسطينية

 

مقالات اليوم

قد يعجبك أيضا

شارك بتعليقك

بوابة الشروق 2026 - جميع الحقوق محفوظة