قرأتُ هذه الرواية بينما كنتُ مشغولًا بمسألةٍ تلحّ على الكثيرين حول مدى استفادة السرد من الشعر: متى يتم استدعاؤه؟ ومتى يصبح الشعر غير مناسب أو غير مطلوب فى الأعمال السردية؟
لم أبتلع أبدًا أن يُوصَف كاتبُ روايةٍ «فى المطلق» بأنه يمتلك أسلوبًا شاعريًّا، وكأنه يُسقط أسلوبه على مادة روايته أو قصته؛ فالأصل عندى أن الأسلوب يتبع الموضوع وليس العكس، وأن الروائى ليس شاعرًا، ولا ينبغى له أن يكون، وإنما هو «حكّاء» يختار من اللون والشكل ما يناسب موضوعه، وأنه أقرب إلى فنّ التشخيص واستدعاء الحالات والأجواء.
فإذا احتاج الموضوع والحكاية أن يُستخدم أسلوبٌ شاعريٌّ، تعبيرًا عن تجربةٍ صوفية، أو فوق واقعية، أو رمزية فلسفية، فإننا نقوم باستدعاء الشعر، وبالقدر الذى لا يعلو فوق السرد، بل يمتزج معه، وكأنه ثوبُه اللائق به.
يمكن للروائى – فى تجربةٍ تالية – أن يلجأ إلى أسلوبٍ بسيطٍ خالٍ من الصور والمجازات، وقد يتعمّد أن يكون صوت السارد ركيك العبارة، مفكك المعنى، إذا كان الموضوع يحتاج إلى ذلك. هنا لا نحتاج الشاعرية فى قليل أو كثير، فإذا أُقحِمت بدعوى أننا أمام روائى «شاعرى الأسلوب»، فإننا بذلك نظلم فنّ الرواية، ونظلم فنّ الشعر.
تبلورت عندى فكرةٌ محورية هى أن الشاعرية فى فنّ الرواية مرتبطة بالفكرة والموضوع والحالة، وأنها يجب ألا تُلغى هوية السرد، وإنما يجب أن «تُوظَّف» فى إطار فنّ الحكى.
جاءت هذه الرواية غير التقليدية، الصادرة عن دار العربى، تحت عنوان «بيوت من ورق» للكاتبة الكندية دومينيك فورتييه، ومن ترجمة بارعة لنهى مصطفى، لتمنحنى نموذجًا سرديًّا يمكن أن يعبّر عن هذه الاستفادة الكبرى من الشعر، ولكن فى إطار حكاية عن شاعرةٍ مهمّة للغاية، وشخصية متفرّدة جدًا، هى الشاعرة الأمريكية إميلى ديكنسون، التى تُعدّ من أبرز شعراء القرن التاسع عشر، بل ويراها البعض من أفضل كتّاب وكاتبات الغرب عمومًا على مرّ العصور.
وجدت دومينيك فورتييه – عن حق – أن عليها أن تعبّر عن تجربة شاعرة بأسلوبٍ شاعرى، ليس فقط لأن إميلى صاحبة بصمة وعلامة أُعيد اكتشافها بعد موتها، إذ إنها لم تنشر فى حياتها التى ناهزت خمسة وخمسين عامًا أكثر من عشر قصائد فقط، وبأسماء مستعارة، ولكن لأن استدعاء الشعر فى السرد الروائى يرتبط هنا أيضا بأن إميلى الحقيقية لم تكن سوى أشعارها. ومن هنا جاء اسم الرواية الشاعرى؛ ذلك أن إميلى لم تتزوج، ولم تُنجب، وعاشت فى عزلة كاملة، وبدلًا من أن تُؤسِّس بيتًا مثل الكثيرات، فإنها تركت بيوتًا من ورق، هى أشعارها التى عُثر عليها بعد وفاتها.
ومن العجيب أن إميلى قامت بخياطة قصاصات كثيرة معًا فى شكل مُلزمة، وكأنها تُخبرنا أن هذه الأشعار، التى كانت تكتبها وهى تخبز أو تصنع الطعام، هى خلاصة حياتها التى كانت فارغة تمامًا بمعيار الحياة الاجتماعية العادية، ولكنها كانت ممتلئة وثرية بمعيار الشعر والخيال.
هى – إذن – رحلةُ كاتبةٍ كندية للبحث عن شاعرةٍ أمريكية عاشت فى القرن التاسع عشر، ليس فقط عبر المراجع وكتب السيرة الذاتية حول ما توافر عن إميلى، ولكن أيضًا هى رحلة بحث عبر الشعر، فى محاولة لاستحضار تلك الرهافة التى تعاملت بها إميلى مع العالم والطبيعة والموت والدين، وفى قراءة مكثفة لمعنى العزلة التى فرضتها إميلى على نفسها، وبالذات فى سنواتها الأخيرة.
يتحرّك السرد فى اتجاهين متضافرين: عالم إميلى وتفاصيل حياتها، حيث عاشت أغلب سنواتها فى بلدتها أمهرست بولاية ماساتشوستس، وهذا العالم مكتوب بطابع شعرى رقيق، حافل بالصور والخيال والمجازات، وكأن دومينيك تستعير أسلوب إميلى الشاعرى لتكتب عن حياتها.
أما الاتجاه الثانى للحكاية فهو سرد بسيط وعادى عن رحلة دومينيك وتجربتها فى الإقامة فى أمريكا، مغتربة عن بلدها كندا.
نحن بذلك أمام حكايتين ورحلتين، مع التركيز على سيرة إميلي، وربما كان من الأفضل أن تكون رحلة دومينيك إلى أمريكا – وبشكلٍ كامل – بحثًا عن إميلى فقط؛ فقد ذهبت فعلًا إلى جامعة هارفارد لكى تشاهد ما تبقّى من الكتاب الذى وضعت فيه إميلى زهورها، كما شاهدت آلاف الرسائل والأوراق التى تركتها، وحاولت أن تُقارن بين سكّان أمهرست وسكّان شيكاغو.
لكننا – فى النهاية – أمام فكرة اكتشافٍ للمكان وللبشر بقدر ما هى محاولة لاكتشاف إميلى كإنسانة وكشاعرة، أو – بمعنى أدق – محاولة لاختبار معنى أن تكون الحياة هى الشعر، وأن يكون الشعر هو الحياة الكاملة الموازية التى عاشتها إميلى بديلًا عن حياتها الواقعية الجافة والمنعزلة.
ورغم التعبير عن عالم إميلى فى طفولتها وشبابها وكهولتها بطريقةٍ شاعرية، فإننا لا نفتقد حضور الشخصيات المهمة، ولا الصراع، ولا لحظات التحوّل، والحكاية تتقدّم دومًا إلى الأمام، مع التوقف عند لحظات بعينها، مثل وفاة صوفى، ابنة خالها، بالتيفوس، وزواج أخيها أوستن من صديقتها سوزان، وعدم زواج شقيقتها لافينيا وبقائها معها، وعلاقة إميلى بالدين، وشعورها بعدم اليقين.
كل هذه اللحظات أجزاء من الحكاية، لكنها كُتبت بطريقةٍ شاعرية تمامًا، فى مقاطع قصيرة، وبما يُحاكى قصاصات إميلى نفسها.
الشعر هنا امتزج بالسرد، وعبّر عن الحالة والفكرة والشخصية، وحضوره هو الحضور الحقيقي، لأنه كان الحياة الوحيدة للشاعرة، التى كانت ترى مكافأتها فى الكتابة لنفسها، لدرجة أنها لم تغضب ممن طلب منها عدم نشر أشعارها، ونشرت أشعارًا قليلة فى حياتها بأسماء مستعارة.
ظلت إميلى حالةً خاصة للوحدة والعزلة والرهافة، لا يمكن أن تجد معادلًا إلا فى صياغةٍ شعرية من نوع: «العالم أسود، وغرفة النوم بيضاء، الشعر هو الذى يضيئها»، وبطريقةٍ تجعل موت إميلى أيضًا شاعريًّا وخياليًّا ورقيقًا. الشعر هنا فى خدمة السرد، تمامًا مثل أبيات إميلى المدهشة التى تتصدر الرواية:
«يتطلّب الأمر زهرةَ برسيم، ونحلةً واحدة
لتكون البرارى
وستكفى أحلامُ اليقظة وحدها
إذا كان النحلُ قليلًا».