يبدو عبثًا أن نلجأ إلى القانون الدولي والمعاهدات الأممية وأحكام محكمة العدل الدولية لتحليل مجموعة جرائم العدوان والتحرش الدبلوماسي التي ارتكبها الرئيس الأمريكي دونالد ترامب في أسبوع واحد: اختطاف نظيره الفنزويلي نيكولاس مادورو، ثم هجومه على شركائه في حلف الناتو وبالأخص الدنمارك وتمسكه بالسيطرة الكاملة على جرينلاند، وسخريته العلنية –إلى حد الإهانة- من نظيره الفرنسي إيمانويل ماكرون.
على وقع تلك الصفاقة المتعمدة، يتشكل العالم الجديد من دون رتوش التوازن وتعدد الأقطاب التي كان المحللون الغربيون يبشّرون بها حتى الأمس القريب، وفي الخلفية صمت صيني يقول المتفائلون إنه استراتيجي، وتقهقر روسي باتت سمته الأبرز أن ترامب يستخدم موسكو فقط كفزّاعة لإبقاء حلفائه الأوروبيين تحت الضغط، مُحاصَرين في موقع صفري.
أثبت ترامب أن شعارات مثل "فلنجعل أمريكا عظيمة مجددًا MAGA" و"أمريكا أولًا" صادقة بفجاجة كما أشار الأستاذ عماد الدين حسين في "الشروق" الاثنين الماضي، وجادّة بما يكفي لتعبر عن جوهر "إمبريالي بلا أقنعة" كما وصف الأستاذ خالد أبو بكر في "الشروق" الأربعاء الماضي. لكنها أيضًا تنبئ بتبلور أيديولوجيا سلطوية شاملة على مستوى "كوْني".
نحن أمام "فاشية دولية" من طراز متطور تنتقل من مسخ الفرد وكسره إلى قمع المجتمعات وتجريدها من مقوّمات بقائها.
مشروع يعيد إنتاج العصور الوسطى وهو يحتكر التكنولوجيا ووسائط الاتصال ومفاتيح الذكاء الاصطناعي إلى جانب وسائل العنف والقوة التقليدية، ممزوجةً بتمجيد الهوية والعنصرية والكراهية، وتبريرها بمزاعم النهوض وضمان الأمن والسلام للمجتمعات، وشيطنة الآخر.. أقليات، فقراء، مهاجرين، مختلفين ومخالفين.
يرسم ترامب ومعه رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو وشركاؤهما ملامح مميزة للفاشية الدولية الجديدة، خلافًا لإمبريالية العصر الحديث التي تهدف أساسًا إلى السيطرة الاقتصادية والسياسية واستغلال الموارد لصالح عدد محدود من القوى العظمى.
لا تهتم الفاشية الدولية بوضع إطار تنظيمي للعلاقات بين أشخاص المجتمع العالمي، ما عُرف تاريخيًا وعلميًا بالقانون الدولي، ولا باستغلال تلك القواعد لتكريس وضعها الخاص أو سمو سلطتها. ولا تُعنى باستيفاء الشكل أو التصرف وفق معايير مزدوجة حسب المصلحة كما عمد المنتصرون في أعقاب الحربين العالميتين الأولى والثانية. فالنمط الجديد لحركتها هو كسر أي إطار، واستمراء الخروقات بقسوة وصلابة.
وإذا راجعنا –مثلًا- قائمة الدول التي أيدت اختطاف مادورو، سنلحظ أن عُصبة الفاشية الدولية تضم دولًا وأنظمة وميليشيات من مختلف الأوزان ولا يُشترط للالتحاق بها ثقلٌ دولي أو إقليمي معين. يكفي فقط إثبات القدرة على التخريب والقمع العابر للحدود، والاستعداد المطلق لممارسة الإبادة الجماعية، والتفاخر الأعمى بالقوة غير الرشيدة، والتواطؤ في كل ما سبق.
تكره الفاشية الدولية أيضًا أي محاولات لإنقاذ البشر أو إنفاذ القيم الإنسانية إلى حد انسحاب ترامب من 66 منظمة وكيانًا دوليًا منذ ساعات قليلة بحجة أنها لا تفيد أمريكا بشيء. وتُعادي أي جهود منسقة لحفظ مقدّرات الشعوب الأضعف التي تتعرض للحصار والتجويع والإبادة كما في فلسطين والسودان، وتلك العاجزة عن حماية بلادها من التمزق باليمن والصومال، والرازحة تحت نير استنزاف الثروات في أفريقيا وأمريكا الوسطى والجنوبية.
نجح حكماء الفاشية الدولية في تعيين ممثلين لتيارهم في كل مجال جغرافي حيوي، عند تقاطعات التطرف مع الاستبداد، إلى جانب عاملين آخرين مهمين في بعض الحالات: الثروة والإنفاق اللامحدود.
وحتى إذا كانت الأنظمة السياسية الداخلية لعناصر الفاشية الدولية تأخذ شكل الديمقراطية التمثيلية، كما في أمريكا وإسرائيل، فهنا يسطع تجلّيها الأعظم، في صورة الديكتاتور القادم بأصوات الناخبين ليمارس تسلطه المطلق داخل حدود بلاده وخارجها، حتى تفقد الشرعية الدستورية والإجرائية معناها الحقيقي، كما حدث في الجدل حول "قانونية" عملية ترامب في كاراكاس بين الأعضاء الديمقراطيين والجمهوريين بمجلس الشيوخ.
تختار الفاشية الدولية بعناية معارك عناصرها، حسب القدرة الذاتية والسياق الجيوسياسي لكل منها على حدة، وتعي جيدًا أن أي نجاح للمقاومة هو نموذجٌ خطير سريع العدوى والانتشار.
والأخطر استغلالها الناجح لحالة التشرذم وانعدام الخيال! أصبح الإفلات من العواقب والعقاب سلاحًا فتاكًا، استفادت منه إسرائيل في حرب الإبادة على غزة، وسينعم به ترامب ومجرمون آخرون لسنوات قادمة، إلّا إذا تجاوزت القوى الرابضة في الجنوب العالمي حالة الخذلان والرهانات الخائبة إلى التضامن الحقيقي بعيدًا عن الهياكل الأممية القائمة، ومحاصرة أذرع مشروع الفاشية الدولية أينما وُجدت.