«أصوات» سليمان فياض!

السبت 7 مارس 2026 - 5:00 م

(1)
يبدو أنه، بحكم العادة والتكرار، ما من مرة أتوقف فيها عند ذكرى كاتب كبير وقدير من كُتّابنا الذين تركوا بصمات غائرة فى مدونة الإبداع العربى المعاصر، إلا وأستعيد عملاً من أعماله الرائدة، أو إسهامًا من إسهاماته الباقية فى دائرة الإبداع أو خارجها.
ولعل كُتّاب جيل الستينيات، على كثرتهم وغزارة إنتاجهم وبُعد صيتهم، ربما لم يُقرأوا جيدًا كما ينبغي، ولم يُلقَ الضوء على كثير من أعمالهم كما ينبغى! لكل عَلَم من أعلام هذا الجيل «رواية» أو أكثر، أو عمل قصصى أو أكثر، حاز الشهرة والانتشار، وربما يكون بعض هذه الأعمال قد تحوّل إلى فيلم سينمائى أو مسلسل تليفزيوني، وانتهى الأمر عند هذا الحد!
لكن مع توالى السنين، ومعاودة القراءة وإعادة النظر، أكتشف أن كثيرًا من الأعمال المهمة لهذا الجيل، وربما لكل كاتب معتبر ومقدّر فى أى جيل، لم تنل ما تستحقه من مكانة، ولم تُقرأ كما يجب أن تُقرأ الأعمال المهمة، وبخاصة إذا اقتربت مما نطلق عليه «الروائع» أو الكلاسيكيات التى يجب أن تُقرأ دائمًا وفى كل جيل.
ويذكّرنى «فيسبوك» بذكرى رحيل سليمان فياض (1929 ــ 2015)، أحد آباء جيل الستينيات وشيوخه الكبار، رحمهم الله جميعًا، وقد كان قاصًا من طراز رفيع، وروائيًا محفوظ المكانة والقيمة بعمله الأهم والأشهر والأخطر «أصوات».. هذه الرواية الصغيرة البديعة الموجعة، الناخزة، وأتعجب كثيرًا من غيابها حتى الآن عن أعين صُنّاع الدراما ومنتجى الأفلام، فهى رواية خطيرة بكل ما تعنيه الكلمة!


(2)
فى طبعتها الأنيقة الصادرة عن دار الشروق قبل عدة سنوات، تقع «أصوات» فيما لا يزيد على الـ120 صفحة، من قطع الروايات الأقل من المتوسط، ورغم وجازتها وكثافتها ولغتها المقتصدة المتقشفة، قدمت «أصوات» معالجة إبداعية رهيفة ومختلفة تمامًا، وخشنة إذا جاز التعبير، عن غيرها من الروايات التى تعرضت لقضية الشرق والغرب، أو الأحرى صدام الشرق والغرب، أو إشكالية الأنا والآخر (الغربى/الأوروبى).
لدينا روايات شهيرة عالجت هذه القضية منذ «عصفور من الشرق» لتوفيق الحكيم، و«قنديل أم هاشم» ليحيى حقى، ومرورًا بـ«الحى اللاتينى» لسهيل إدريس، وأخيرًا رواية الطيب صالح النارية «موسم الهجرة إلى الشمال». جاء سليمان فياض بعد هؤلاء جميعًا، وقدم صرخته المدوية فى «أصوات» عام 1972 (تاريخ صدور الطبعة الأولى)، لكن هذه المرة من دون أن يكون الصراع وتحدث المواجهة هناك فى الضفة الأخرى من البحر.. بل تأتى «المواجهة» هنا على أرض قرية مصرية، وسط مجتمع من الفلاحين تحكمهم قيم ريفية، وتقاليد وعادات لم يجترحها أى تحديث أو تغيير أو تطوير طوال ما يزيد على القرون الخمسة! فكانت النهاية المأساوية التراجيدية للرواية.


(3)
كان سليمان فياض يمثل، بين كتّاب جيله، وعيًا متقدمًا بما يحتدم فى القرية المصرية الريفية من دائرة العنف والقهر والصراع، دائرة أبعادها اقتصادية واجتماعية، تتداخل فيها الأسطورة والخرافة، وغيبة الوعى، وسلبية المواجهة والاستسلام للمقدّر والمحتوم.
وعندما بلغ هذا العنف ذروته فى روايته المفزعة «أصوات»، استطاع سليمان فياض ــ فى تركيز خارق وتملّك محكم لأدواته الفنية، وسيطرة تامة على شخصياته وتداعى الأحداث والوقائع ــ أن يقدم ما اعتبره بعض النقاد إخفاق البرجوازية العربية فى عملية التحديث الاجتماعى، أو رؤية المؤلف للعلاقة بين العرب والغرب من خلال أيديولوجيا الآخر فى نظر ناقد ثانٍ، أو محاولة الكاتب لرصد خيط من خيوط الصراع، أى الصدام الحضارى، ومتابعته فى أمانة ودقة جديرتين بفنان يعى هدفه ويعرف طريقه إليه.
وهو يقف بنا على حافة الهاوية لنرى نوع التوازن الدقيق الذى يحتاجه كل من يتصدى لفكرتى العدالة والحرية البالغتى التعقيد. إنها، كما وصفها الناقد الراحل الدكتور على الراعى: «رواية خفيفة الوقع، ثقيلة فى آنٍ، تجذبنا إليها جذبًا حلوًا فنمضى نتابع أحداثها، فإذا نحن أمام الخاتمة البشعة المليئة بالمفارقات».
ولعل هذه النهاية القاسية جعلت العديد من النقاد يتمنون لو كانت تلك النهاية أقل قسوة وإيلامًا، ولكننا نعلم تمام العلم أن القدر لا يستأذن عواطفنا، ولا يلاطف أعصابنا الواهنة؛ إذ يحرك الناس ذات اليمين وذات اليسار.


(4)
إن النهاية الفاجعة التى تنتهى بها «أصوات» تحوى المعنى الأعمق والأكثر احتجاجًا على واقع محزن ينبغى أن ينتهى!
ولا بد هنا أن يستوقفنا تاريخ صدور الرواية للمرة الأولى (1972)، أى منذ ما يقرب من 55 عامًا؛ ومن المفترض أنه بمرور كل هذه السنوات، وما جرى فى نهر الحياة والمجتمع والناس، أن تقل هذه القسوة وتضمحل دوافع العنف وارتكاب الجرائم، وهذا ما لم يحدث، بل حدث العكس تمامًا!
وأصبحنا نستيقظ ونمسى على انفجارات عنيفة، بل بالغة العنف، ولم يعد الأمر مقصورًا على القرى والريف والأطراف والأماكن النائية، بل أصبح فى قلب المراكز من المدن والحواضر.. وكأن الأدب هنا، والرواية بالتحديد، قد دقّت نواقيس الخطر منذ ما يزيد على نصف القرن! لكن من قرأ، ومن نظر، ومن تأمل وأدرك!

مقالات اليوم

قد يعجبك أيضا

بوابة الشروق 2026 - جميع الحقوق محفوظة