نشرت جريدة الشرق الأوسط اللندنية مقالًا للكاتب العراقى وليد خدورى، يناقش فيه كيف أدت عودة ترامب وسياساته «الصدامية» والواقعية، (مثل إعطاء الأولوية للوقود الأحفورى على حساب الطاقة المستدامة، وفرض رسوم جمركية مشددة (خاصة ضد الصين)، وتقليص المساعدات الخارجية...) إلى خلق نظام عالمى جديد يتسم بالاضطراب الاقتصادى، والسباق نحو التسلح، وتغيير أولويات الطاقة العالمية.. نعرض من المقال ما يلى:
يحتل النفط المرتبة الأولى بين السلع الاقتصادية فى التجارة العالمية. ومن المعروف أيضًا أن النفط والسياسة توأمان متلاصقان فى السياسات العامة؛ المحلية والإقليمية.
وواضح أن أخبار الرئيس الأمريكى، دونالد ترامب، خلال عام 2025، احتلت أوسع تغطية يومية على صعيد الإعلام؛ الأمريكى والعالمى، فشملت تغطياته أمريكيًا علاقاتِه بالحزبين الجمهورى والديمقراطى، والسياساتِ مع الولايات الفيدرالية، وتبنّيه سياسة تشجيع الإنتاج النفطى على حساب الطاقات المستدامة، وعلاقته بـ«قضية أبستين»، وعالميًا الدور الأمريكى فى مساندة هذا الطرف أو ذاك فى الصراعات الدولية، ومحاولاته تغيير الرسوم الجمركية مع مختلف دول العالم، خصوصًا الصين، ناهيك بتصوراته فى بداية عهده لعلاقات واشنطن بكل من كندا والمكسيك.
• • •
يشكل عامُ 2025 عامَ بروز ترامب وسياساته على صعيدَى السياسة والاقتصاد الدوليين. وهذا يعنى، بدوره، أيضًا على الصعيد النفطى، وخير مثال على ذلك، تفرده عالميًا، بصفته رئيس دولة كبرى، فى تطوير القطاع النفطى وتهميش الطاقات المستدامة، بعد عقد من اتفاقية الأمم المتحدة فى باريس لمكافحة التغير المناخى. وقد برزت هذه السياسة فى أولوياته الطاقوية بالولايات المتحدة، وفى إهماله المقصود مشاركة الولايات المتحدة فى مؤتمر الأمم المتحدة «كوب» بالبرازيل قبل أشهر قليلة، ومن ثم إفراغ قرارات المؤتمر هذا من معناها الحقيقى.
ولعب ترامب دورًا رئيسًا وعلنيًا فى مساندة رئيس الوزراء الإسرائيلى، بنيامين نتنياهو، فى حرب غزة وسياسة الإبادة فيها. واستغل نتنياهو سياسات ترامب الإقليمية لتنفيذ «سياسات زئيف جابوتنسكي» فى أوائل القرن العشرين، التى بلورت أفكار اليمين الإسرائيلى؛ حزب «الليكود»، للتوسع شرق أوسطى. ومن هذه السياسات محاولات نتنياهو تحويل الدول العربية إلى «شرق أوسط جديد» تحت احتلالات إسرائيلية جديدة أو تحت نفوذ تل أبيب.
ورغم اقتراح ترامب وقف إطلاق النار فى غزة، فإنه من غير الواضح، حتى الآن، مصير اتفاق غزة.. فهل ستعود غزة إلى منظمة التحرير الفلسطينية، أم ستؤول إلى حكم «إداري» غير معروفة حتى الآن أهدافه تحت إشراف «قوات دولية»، أم ماذا، ومتى؟ وماذا سيحدث بغاز حقل «غزة مارين» فى بحر غزة، الذى اكتشفته سلطات منظمة التحرير الفلسطينية ولم تسمح إسرائيل حتى الآن بتطويره، رغم مرور أكثر من عقدين من الزمن على اكتشافه؟
كما يبرز عدم تمكن الرئيس ترامب من إنهاء الغزو الروسى لأوكرانيا، وهو ما وعد به منذ اليوم الأول لحكمه قبل سنة.
لقد أدت هاتان الحربان، بالإضافة إلى قصف الطيران الأمريكى ناقلات نفط فنزويلية فى المياه الدولية، وضرب رصيفٍ بحريٍ فنزويليٍ للناقلات بحجة تهريب المخدرات منه، والأحداث الأخيرة فيها، والضربات العسكرية الأمريكية ضد أهداف «داعش» فى نيجيريا.. إلى تخوف الأسواق من تأثير الاضطرابات المحتملة على الإمدادات، ومن ثم ارتفاع أسعار النفط، رغم المحاولات الأمريكية المستمرة لإنهاء الحرب الروسية - الأوكرانية.
• • •
لقد استطاع ترامب خلال عام 2025 إجراء تغييرات شمولية وواسعة فى السياسة الخارجية الأمريكية، منها الضغط لتغيير الرسوم الجمركية مع مختلف دول العالم. وقد أثرت هذه المعركة الجمركية ليس فقط على معايير الرسوم بين الولايات المتحدة وهذه الدولة أو تلك، بل أيضًا على الأسعار النهائية لبعض السلع ذات العلاقة الماسة بالمواصلات والنقل والكهرباء، فزادت الرسوم الجمركية من شدة المنافسة التجارية العالمية بين الولايات المتحدة والصين؛ إذ أخذت الصين تركز أكثر فأكثر على صناعات الطاقات المستدامة، وفاقت بتركيزها هذا إنتاج واستهلاك غالبية السلع للطاقات المستدامة، مثل تصنيع نحو 60 فى المائة من السيارات الهجينة فى العالم.
ومن المتغيرات الكبرى فى سياسة ترامب، الضغوط التى وضعها على أقطار «الاتحاد الأوروبي»، خصوصًا بشأن إمكانية استمرار مشاركة واشنطن دولَ «الاتحاد الأوروبي» الدفاعَ عن أوكرانيا.
ويكمن التغيير الأهم فى التخوف الأوروبى المتنامى من إمكانية غزو روسي مستقبلي لبعض الأقطار الأوروبية المجاورة لروسيا، واحتمال أن تدافع أوروبا بنفسها عن أراضيها دون المساعدة الأمريكية المعتادة تحت مظلة «الناتو» لصدّ هذا الهجوم الروسى المحتمل. هذا التخوف الأوروبى المتصاعد بدأ يحوّل جزءًا أكبر من موازنات بعض الدول الأوروبية نحو التصنيع والتدريب العسكرى، أكثر من أى سنة أخرى بعد الحرب العالمية الثانية. ونشاهد هذا التحول حتى فى بعض الدول غير الحدودية مع روسيا، مثل السويد، ناهيك بتلك الحدودية مع روسيا، مثل فنلندا، حيث زيادة الإنتاج العسكرى.
لقد ازداد التخوف الأوروبى هذا فى الوقت نفسه لإعادة انبعاث قوى اليمين الأوروبى؛ ما أخذ يؤدى بدوره إلى مزيد من مخاوف احتمال نشوب مناوشات مستقبلية.
• • •
وبشأن دول العالم الثالث، فقد قلّصت واشنطن إلى حد كبير مساعداتِها الاقتصادية لدول العالم الثالث والتزاماتِها المالية السنوية تجاه منظمات الأمم المتحدة خلال عام 2025، والأهم من ذلك تقليص مجمل مساعداتها عبر منظمات الأمم المتحدة للمساعدة والتنمية. وقد عدَلت واشنطن جزئيًا عن قرارها هذا مؤخرًا بتزويد منظمات الأمم المتحدة التنموية مليارى دولار سنويًا، بدلًا من 17 مليار دولار سنويًا سابقًا. إن هذا التوقف والتقليص فى المشاركة لدعم مساعدات الأمم المتحدة، سيعنى ضعضعةً كبيرةً فى موازنات بعض الدول المعتمدة على هذه المعونات المالية، واضطرارها إلى تقليص برامجها الاقتصادية، ومن ثم إضعاف استهلاكها الطاقوى والنفطى.
واحتلت عناوين «المعادن النادرة» والنزاع عليها صفحات الإعلام فى عام 2025 أكثر من أى سنة أخرى، وهى التى تشكل نحو 50 فى المائة من المعادن التى تُستعمل فى تصنيع الأسلحة الأمريكية. هذه المعركة جزء من الصراع الاقتصادى الدائر بين الولايات المتحدة والصين، بل والأهم من ذلك أن صراع «المعادن النادرة» جزء أساسى من صراع القوى بين واشنطن والصين، خصوصًا فى مجالات التقنيات الجديدة والذكاء الاصطناعى والطاقات المستدامة، لا سيما أن الصين وضعت شروطًا على تصدير بعض هذه المعادن؛ ما دفع بالولايات المتحدة إلى توقيع اتفاقات مع دول أخرى للحصول عليها، أو إنتاج البعض منها محليًا بقدر الإمكان، ومن ثم الحساسيات والمنافسة بين الطرفين للحصول على هذه المعادن والاستئثار بها.