x قد يعجبك أيضا

بين فنزويلا وطهران

الأربعاء 7 يناير 2026 - 8:30 م

 

قبل نحو عشرين عامًا، فى طائرة رئيس الوزراء، قدّم لنا رئيس الوزراء الراحل أريئيل شارون إحاطة. جلسنا أمامه صحفيان اثنان، فى تلك الأيام، اعتقد رئيس وزراء إسرائيل أنه من الصواب التحدث إلى الجمهور، وإلى وسائل الإعلام. قال شارون: «قلتُ لبوش إن ذلك مبرر، لكنه ليس الحرب الصحيحة». وكان يتحدث عن الغزو الوشيك للعراق، وفى رأيه، أن الحرب الصحيحة يجب أن تكون ضد إيران. كانت المؤسسة الإسرائيلية فهمت فعلًا أن الإيرانيين يتقدمون فى برنامجهم النووى، ولاحقًا، اتّضح أنه فى تلك الفترة نفسها، كانت طهران تمتلك برنامجًا نوويًا عسكريًا متقدمًا إلى حدّ كبير.

لاحقًا، ستُتهم إسرائيل بأنها دفعت واشنطن إلى القضاء على نظام صدام حسين، والدليل الذى يقدمه المعادون للسامية وأعوانهم هو شهادة أحدهم، بنيامين نتنياهو، أمام الكونجرس. إذ «وعد» بأن إزالة صدام ستقود إلى تداعيات إقليمية إيجابية- نبوءة كاذبة. آنذاك، كان نتنياهو مواطنًا عاديًا بالكامل، وكان تأثيره فى حكومة شارون الأولى يقارب الصفر، لكن هذا لم يزعج كارهى إسرائيل، ولا يزعجهم اليوم.

 

الفناء الخلفى للولايات المتحدة

تذكرتُ هذا كله بسبب الطيف الواسع من الأحداث التى تُفتتح بها سنة 2026. نيكولاس مادورو طاغية قاسٍ. وكان وريثًا جديرًا بالديماغوجى الذى سبقه، هوجو تشافيز، كان هذا الأخير يجلس فى برامج تليفزيونية لساعات ويوزع اللبن من الثلاجة على أطفال فقراء. إن إزاحة مادورو خبر جيد. ومثلما كتب روتِم أورج فى تويتر، ما لم تستطِع روسيا فعله خلال أربعة أعوام فى أوكرانيا - دولة ديمقراطية تريد أن تكون جزءًا من الغرب - فعلته الولايات المتحدة فى أربع ساعات.

تكتيكيًا، أبرزت العملية العسكرية تفوُّق الغرب والولايات المتحدة، مقارنةً بالمعدات الروسية، وأثارت تشنجات عصبية فى أوساط عصابة الديكتاتوريين العالمية، من بوتين إلى الخامنئى. وهذه بحد ذاتها نتيجة جيدة. إلّا أن الحديث عن النظام الدولى، فى هذا السياق، غير ذى صلة على عدة مستويات: فى المستوى الأول، لم تتبنّ الولايات المتحدة يومًا مبدأ عدم التدخل فى أمريكا الوسطى وأمريكا الجنوبية، فهى ترى أن هذه المناطق هى مجال نفوذها التاريخى والأمنى. لم يكن هناك أيّ ترتيب دولى -حتى فى ذروة الخطاب المتعلق بالقانون الدولى، تصرفت على نحو مختلف- وانظروا إلى قضية بنما ونورييجا. كانت خطوة ترامب، من نواحٍ كثيرة، استراتيجية أمريكية كلاسيكية فى تلك المناطق من العالم.

فى المستوى الثانى، لم يعُد ذلك النظام العالمى قائمًا أصلًا، ويمكن الحداد عليه، لكن عالم 2026 لا يدّعى أنه عالم 1999، والقواعد، إن وُجدت يومًا، تلاشت. فالقوة هى التى تحكم، وسيجادل كثيرون فى أن الأمر كان دائمًا كذلك، لكن فى مرحلة ما، تبنّت أمريكا عقيدة النفاق التى مزقها الرئيس الحالى.

أمّا المستوى الثالث فيتصل بما نفّذته الولايات المتحدة فعليًا. عمليًا، منح الرئيس ترامب دعمًا ضمنيًا لنائبة الرئيس فى النظام الفنزويلى الحالى. أى إن الولايات المتحدة لا تضم فنزويلا، وحذّر فى مقابلة مع «ذى أتلانتيك» من أنه إذا لم تفعل نائبة رئيس فنزويلا ما تطالب به الولايات المتحدة، فسيكون مصيرها أمرًا من مصير مادورو.

 

انقلاب أم ثورة؟

ينظر نظام آيات الله فى إيران إلى هذه التطورات ويرتعد، وبحق، فليس فقط أن الرئيس ترامب هدّد علنًا بأنهم سيدفعون ثمنًا إذا أُصيب المتظاهرون بأذى، بل يبرهن، مرارًا وتكرارًا، على استعداده لاستخدام قوة مركزة؛ قاسم سليمانى، قصف فوردو، اختطاف مادورو، أمور كلها تتّسم برغبة ترامب فى تنفيذ ضربات محددة، مع مخاطر منخفضة لحرب شاملة. إن الاحتجاجات فى أنحاء إيران تتسع، لكن الواقع الموضوعى يهدد النظام أكثر مما تهدده التظاهرات؛ فالجمهورية الإسلامية تشهد إفلاسًا، من نواحٍ عديدة، يقودها مرشدٌ أعلى مسنٌّ ومتطرّف. هناك تغييرات جذرية مطلوبة لإنقاذ الاقتصاد وتحسين أداء الجهاز الحكومى، واحتمالات تطبيقها فى ظل الخامنئى ليست كبيرة.

على هذه الخلفية، يجدر الإصغاء بجدية كبيرة إلى التقارير المتعلقة باجتماعات الطوارئ فى طهران، التى لا بدّ من أنها ازدادت كثافةً، على خلفية العملية فى كراكاس. مَن يتوقع اندلاع ثورة، عليه أن يأخذ فى الحسبان احتمالًا آخر: أن يقوم الحرس الثورى، وهو أصلًا الجسم الأقوى فى الدولة الإيرانية، بتنفيذ فعل استيلاء نهائى على السلطة، فتتحول الثيوقراطية الشمولية إلى ديكتاتورية أكثر عسكرةً. كان الإسرائيليون يرغبون، على غرار ما جرى قبل أكثر من عشرين عامًا، فى أن يتجه الانتباه فى واشنطن أيضًا نحو الشرق؛ والتغييرات التى ستحدث فى الأشهر الأولى من سنة 2026 ربما ترسم مصير الشرق الأوسط لأعوام طويلة.

 

نداف إيال

يديعوت أحرونوت

مؤسسة الدراسات الفلسطينية

مقالات اليوم

قد يعجبك أيضا

شارك بتعليقك

بوابة الشروق 2026 - جميع الحقوق محفوظة