فى مرحلة تشهد فيها منظومة العلاقات الدولية واحدة من أعمق أزماتها منذ نهاية الحرب الباردة، تتعرض قواعد القانون الدولى ومبادئ السلم والأمن والعدالة لاختبارات قاسية، لا فقط بسبب عودة منطق القوة الصلبة وتغوّل القوى الكبرى، بل كذلك بفعل اندفاع بعض القوى الإقليمية إلى مغامرات عسكرية وصراعات بالوكالة تقوّض ما تبقى من النظام الدولى القائم على القواعد. فى هذا السياق المأزوم، تبرز القوى الوسيطة، أو ما بات يُعرف بالقوى المتوسطة، بوصفها فاعلاً لا غنى عنه فى محاولة الحد من تآكل النظام الدولى، ليس عبر موازنة عسكرية مع القوى الكبرى، وهو أمر يتجاوز قدراتها، وإنما من خلال الاستثمار فى الدبلوماسية متعددة الأطراف، وأطر الأمن الجماعى، والتمسك العملى، لا الخطابى فقط، بمبادئ الحل السلمى للنزاعات واحترام سيادة الدول ووحدتها الإقليمية.لا تنطلق أهمية القوى الوسيطة من قدرتها على فرض قواعد جديدة أو إعادة هندسة النظام الدولى، بل من قدرتها على لعب أدوار كابحة وترميمية فى آنٍ واحد. فهى تقع فى موقع يسمح لها بالتواصل مع القوى الكبرى دون الانخراط الكامل فى استقطاباتها الحادة، وبالتأثير فى البيئات الإقليمية التى تنتمى إليها دون الانزلاق إلى منطق الهيمنة أو المغامرة العسكرية. ومن ثم، فإن مساهمتها المحتملة فى إنقاذ بعض قواعد القانون الدولى لا تقوم على المواجهة المباشرة مع القوى العظمى، بل على الحد من آثار سياساتها الأحادية، وتوفير مسارات بديلة لإدارة الصراعات، والتمسك بفكرة أن النظام الدولى، مهما بلغ اختلال موازين القوة داخله، لا يمكن أن يستقر طويلاً دون حد أدنى من القواعد المشتركة.تتعاظم هذه الأدوار فى ظل تراجع فعالية المؤسسات الدولية التقليدية، وفى مقدمتها مجلس الأمن، الذى بات رهينة للانقسامات بين القوى الكبرى واستخدام حق النقض كأداة لتعطيل العدالة الدولية، لا لحفظ السلم والأمن. هنا، لا تمتلك القوى الوسيطة ترف الانتظار أو الاكتفاء بإعلان التمسك بالقانون الدولي، بل تجد نفسها مدفوعة إلى البحث عن صيغ جديدة للعمل متعدد الأطراف، سواء داخل الأطر الأممية القائمة أو عبر ترتيبات إقليمية ودولية مرنة، قادرة على احتواء الأزمات ومنع تحولها إلى حروب شاملة أو صراعات طويلة الأمد.غير أن التحدى لا يقتصر على تغوّل القوى الكبرى، بل يمتد إلى سلوك بعض القوى الإقليمية التى رأت فى تآكل النظام الدولى فرصة لتوسيع نفوذها بالقوة، أو لتصفية حسابات جيوسياسية عبر التدخل العسكرى المباشر أو دعم الفاعلين المسلحين من غير الدول. هذا النمط من السلوك، الذى شهدناه بوضوح فى الشرق الأوسط خلال العقدين الأخيرين، أسهم فى إضعاف الدول الوطنية، وتفكيك المجتمعات، وإعادة إنتاج دوامات العنف، وأفرغ مفاهيم السيادة وعدم التدخل من مضمونها العملى. وفى مواجهة هذا الواقع، تصبح القوى الوسيطة مطالبة بالقيام بدور مزدوج: كبح نزعات المغامرة العسكرية، والعمل على إعادة الاعتبار للدولة الوطنية بوصفها الإطار الوحيد القادر، على المدى الطويل، على تحقيق الاستقرار والأمن والتنمية.تلعب الدبلوماسية متعددة الأطراف دورًا محوريًا فى هذا الجهد، ليس باعتبارها أداة إجرائية لإدارة الأزمات فحسب، بل بوصفها رؤية سياسية تقوم على الاعتراف بتعدد المصالح وتشابكها، ورفض الحلول الصفرية، والسعى إلى تسويات تدريجية قابلة للاستدامة. فالقوى الوسيطة، بحكم موقعها ومواردها وحدود قوتها، تدرك أن البدائل العسكرية، حتى عندما تبدو مغرية على المدى القصير، تفضى فى الغالب إلى كلفة استراتيجية وأخلاقية لا يمكن تحملها. ومن هنا، فإن تمسكها بالعمل الجماعى وبأطر الأمن الجماعى لا يعكس مثالية سياسية، بل قراءة واقعية لتوازنات القوة ومآلات الصراع.• • •فى هذا الإطار، يكتسب الدور المصرى فى الشرق الأوسط أهمية خاصة، ليس فقط بحكم ثقل مصر التاريخى والديمغرافى والسياسى، بل أيضًا بسبب طبيعة مقاربتها للأمن الإقليمى، التى ترفض منطق المغامرة العسكرية وتسعى إلى تحقيق الاستقرار عبر تثبيت ركائز الدول الوطنية والحلول السياسية للنزاعات. فقد اتسمت الدبلوماسية المصرية، خلال السنوات الأخيرة، بالتركيز على منع انهيار الدول، والدفع نحو تسويات سياسية شاملة، والتصدى لظاهرة عسكرة الصراعات وصعود الميليشيات المسلحة وحركات اللادولة، التى باتت أحد أخطر مظاهر تفكك النظامين الإقليمى والدولى.لا تنبع هذه المقاربة من اعتبارات أخلاقية مجردة، بل من إدراك عميق لتجارب المنطقة خلال العقد الماضى؛ حيث أثبتت محاولات إسقاط الدول بالقوة أو إعادة تشكيلها عبر التدخل العسكرى الخارجى أنها وصفة مؤكدة للفوضى الممتدة، وبيئة خصبة للتطرف والإرهاب، ومصدر تهديد دائم للسلم الإقليمى والدولى. ومن ثم، فإن إصرار مصر على أولوية الحل السياسي، وعلى احترام سيادة الدول ووحدة أراضيها، يمثل مساهمة عملية فى الدفاع عن بعض المبادئ الأساسية للقانون الدولى، حتى فى ظل عجز النظام الدولى عن فرضها بشكل شامل.كما يتجلى هذا الدور فى حرص مصر على العمل ضمن أطر جماعية، عربية وإفريقية ودولية، وعدم الانزلاق إلى سياسات أحادية، حتى فى القضايا التى تمس أمنها القومى المباشر. فالدبلوماسية المصرية، فى تعاملها مع أزمات مثل ليبيا والسودان وغزة وسوريا، سعت إلى الجمع بين الانخراط النشط والوساطة، وبين ضبط النفس العسكرى، إدراكًا منها بأن الاستقرار المستدام لا يمكن أن يتحقق إلا عبر توافقات إقليمية ودولية، مهما بدت صعبة أو بطيئة.وإلى جانب ذلك، تضع مصر مسألة الحد من أدوار الميليشيات المسلحة وحركات اللادولة فى صميم رؤيتها للأمن الإقليمى. فهذه الكيانات، التى غالبًا ما تحظى بدعم قوى إقليمية أو دولية، تمثل تحديًا مباشرًا لمفهوم الدولة، وتقوض أى إمكانية لبناء نظام إقليمى قائم على القواعد. ومن هنا، فإن التصدى لها لا يكون فقط عبر الأدوات الأمنية، بل من خلال مسارات سياسية تعيد دمج المجتمعات، وتستعيد احتكار الدولة لاستخدام القوة، وتغلق الباب أمام التوظيف الخارجى للصراعات الداخلية.• • •فى التحليل الأخير، لا يمكن للقوى الوسيطة أن تنقذ النظام الدولى أو تعيد الاعتبار الكامل للقانون الدولى فى مواجهة اختلالات القوة البنيوية. لكنها تستطيع، عبر الدبلوماسية متعددة الأطراف، وأطر الأمن الجماعى، والعمل المتسق على المستويين الإقليمى والدولى، أن تبطئ عملية التآكل، وأن تحافظ على مساحات من العقلانية والعدالة، وأن تمنع انزلاق النظام العالمى إلى فوضى مفتوحة تحكمها شريعة القوة وحدها. وفى هذا السياق، يظل الدور المصرى نموذجًا لكيفية توظيف موقع الدولة وقدراتها وحدودها فى خدمة الاستقرار، لا عبر ادعاء القدرة على تغيير العالم، بل عبر الإصرار على أن العالم، مهما اختل، لا يزال بحاجة إلى من يدافع عن فكرة القانون، والدولة، والحل السلمى، ولو فى حدود الممكن.
مقالات اليوم عماد الدين حسين من يستفيد من المنح الدولية؟ خالد سيد أحمد مصر وتركيا.. المصالح تتقاطع! ليلى إبراهيم شلبي عادات غذائية: متى يكون التغيير مطلوبًا؟ أسامة غريب الضيافة وما أدراك ما الضيافة ناجح إبراهيم دروس من حياتى محمد زهران هل تكفى التكنولوجيا للتقدم؟ محمود قاسم الزائرة بسمة عبد العزيز فى التحدّى والإقدَام محمد الهوارى توقعات ٢٠٢٦.. خليفة خَلف خَلف الله خِلف خِلاف معتمر أمين ما وراء ستار التفاوض.. الخليج على شفا مواجهة جديدة! صحافة عربية لماذا لن تعارض أوروبا الولايات المتحدة إطلاقًا؟
قد يعجبك أيضا
شارك بتعليقك